الأصدقاء الأعزاء متابعي أمد للإعلام .. هناك عملية نقل من مطور لآخر ما قد يؤثر على نشر الأخبار لفترة قصيرة! ...

رفعت السعيد.. غريم نبيل لنصف قرن من الزمان

رفعت السعيد.. غريم نبيل لنصف قرن من الزمان

تاريخ النشر: 2017-08-26 | 08:58

تشاء الأقدار وحدها أن يكون رفعت السعيد، والمُهندس خيرت الشاطر من أبناء مدينتى، المنصورة، ومدرستى الثانوية. وفيما عدا ذلك، فقد كان ثُلاثتنا من ثلاثة دروب سياسية مُتباعدة، بُعد الشمال والجنوب، وبُعد الشرق عن الغرب. فقد كان رفعت السعيد يسارياً ماركسياً لا يُشق له غُبار. وخيرت الشاطر، وهو قيادة إخوانية عتيدة وعنيدة. بينما أدى رفعت السعيد ضريبة يساريته سجوناً ومُعتقلات في شبابه وكهولته، فإن خيرت الشاطر ما زال يؤدى ضريبة إخوانيته في سجن بُرج العرب، فرّج الله كُربته قريباً بإذن الله تعالى.

ولكنى أخص في هذا المقال الحديث عن د. رفعت السعيد، الذي رحل عن عالمنا في يوم 17/8/2017، قبل أن أُلبى دعوته لقضاء أمسية معه في منزله المُجاور لمركز ابن خلدون في مُرتفعات منطقة المُقطم، والتى وعدت أن أقوم بها بمُجرد عودة ابنى وأحفادى من زيارتهم لى، والتى انتهت يوم رحيله.

كان رفعت السعيد يكبرنى بثمانى سنوات. ولكنى التقيته أول مرة من خلال أحد أعمامى الذي كان يدرس معه في المرحلة الثانوية. وأذكر أن رفعت وذلك العم كانا يتحدثان في تلك المُناسبة عن جوزيف ستالين، الزعيم السوفييتى، الذي خلف فلاديمير لينين، مُفجّر الثورة البُلشفية في روسيا. وكطفل، كُنت أستمع إلى ما يقوله رفعت ورفاقه بتعجب وشغف ونصف وعى. ولا أذكر من تلك المُناسبة المُبكرة إلا عبارة قالها رفعت السعيد لأقرانه: انتظروا وسترون كيف سيقوم ستالين بترقيص ترومان (الرئيس الأمريكى آنذاك) وتشرشل، رئيس الوزراء البريطانى، على شاربيه!

ومرت فترة طويلة ربما ثلاثون عاماً، قبل أن تتقاطع مسيرتنا مرة أخرى، بعد أن أعاد الرئيس الراحل أنور السادات الروح للحياة الحزبية. وكنت أحد من تحسبوا لتلك العودة، ووجدت نفسى أكثر انجذاباً لليسار، وبشخصية خالد مُحيى الدين، أحد من رافقوا جمال عبدالناصر في تنظيم الضُباط الأحرار، الذي فجّر ثورة يوليو 1952. كذلك كان عدد من أصدقائى وزُملاء الصبا والشباب الناصريين يميلون إلى اليسار، ويتعجبون مما شعروا به في ذلك الوقت باندفاع الرئيس السادات نحو اليمين ونحو الغرب عموماً، وأمريكا خصوصاً.

وأذكر في تلك المرحلة المُبكرة من بدايات عودة الحياة الحزبية تحت اسم المنابر، أن منبر التجمع اليسارى الذي ضم عدة تيارات، أن عدد مَن انضم إلى منبر التجمع اليسارى، وأنا منهم، تجاوز المليون خلال الشهور الثلاثة الأولى، وهو الأمر الذي أزعج الرئيس السادات في حينه، فتراجع عن تسمية المنابر، وقرر أن يُسميها أحزاباً (أحدها يمينى، وأحدها يسارى)، على أن يحتفظ هو لنفسه ومُناصريه بمنبر الوسط، والذى أطلق عليه في البداية منبر مصر العربى الاشتراكى، ليكون الوريث الشرعى للاتحاد الاشتراكى، من الحقبة الناصرية. ومرة أخرى سرعان ما غيّر أنور السادات رأيه، ليطلق حزباً جديداً، سماه الحزب الوطنى. فانفض معظم من كانوا في حزب مصر العربى الاشتراكى إلى حزب الرئيس الجديد، أي الحزب الوطنى. ولم تفُت تلك الواقعة على رفعت السعيد، الذي اعتبرها بحق مهزلة المهازل الكاشفة عن عبثية نظام السادات، وزيف ادعاءاته، ليس فقط فيما يتعلق بالديمقراطية، ولكن أيضاً فيما يتعلق بكل سياساته الأخرى، وخاصة سياسة الانفتاح الاقتصادى، التي اعتبرها رفعت السعيد انقلاباً كامل الأركان على تنكر السادات لاشتراكية العهد الناصرى عموماً، وللطبقات الكادحة خصوصاً.

وكانت هذه الأخيرة، أي الطبقة الكادحة، هي قضية رفعت السعيد الأولى، وشغله الشاغل طوال حياته. فمن أجلها انضم في شبابه المُبكر إلى التنظيمات الشيوعية الماركسية مثل إسكرا، وحدتو. ومن أجلها دخل المُعتقلات والسجون، في ثلاثة عهود مُتتالية، كان أولها في العهد الملكى، وهو في الثالثة عشرة من عُمره، مروراً بعهدى عبدالناصر، وهو في ثلاثينيات العُمر، ثم أخيراً وهو في أربعينيات العُمر في العهد الساداتى.

وقليلون من المصريين النشطين في الحياة العامة هم الذين خبروا تلك التجربة النِضالية، التي خاضها رفعت السعيد.

وربما كان ذلك هو أحد أسباب إعجابى برفعت السعيد، رغم اختلافى العقيدى معه، وخاصة في قضيتى الديمقراطية والقومية العربية. فبينما كان إيمانى بالديمقراطية لا تحده حدود، كان هو يعتبرها لعبة برجوازية لصرف الجماهير عن مصالحها الحقيقية. وكان الموقف من القومية العربية هو محور الخِلاف الرئيسى الآخر مع رفعت السعيد، حيث كان الماركسيون يعتبرون القومية هي إحدى آفات القرن العشرين، وهى المسؤولة عن ويلات الحرب العالمية الأولى، وكذلك الحرب العالمية الثانية، وكانت الألمانية والفاشية الإيطالية هما الوجهان القبيحان للقومية الأوروبية.

ولكنى، كما كثيرين غيرى من مُثقفى العالم الثالث، كُنا نعتبر القومية تنطوى على صحوات الشعوب المُستعمَرة في آسيا وأفريقيا، لتأكيد هويتها وتعبئة مشاعر شعوبها للانتفاض ومُقاومة الاستعمار الأوروبى الأبيض. هذا فضلاً عن أن القومية العربية التي رفع شِعارها جمال عبدالناصر، كانت خير سند لثورة يوليو في مُقاومة الاستعمار والأحلاف الغربية.

ولكن في السنوات العشر الأخيرة، قبل رحيله، كُنا قد تقاربنا كثيراً، خاصة في مواجهة الخطر الإخوانى الداهم. وكان لافتاً مودته المُتزايدة لى وللعاملين في مركز ابن خلدون. فسألته عن سر هذه المودة المُفاجئة؟ فرد بابتسامة عريضة: كان دخولكم سجون مُبارك ثلاث مرات هو صكوك البراءة والقبول. ثم أضاف: ماذا عن قضاء أمسية معى في منزلى، القريب جداً من مركز ابن خلدون؟ وقبلت دعوته ليوم الثلاثاء 22 من أغسطس. ولكن أدركته المنية قبلها بعدة أيام. مع ذلك توجّهت في الموعد، لا إلى منزله في المقطم، ولكن إلى صوان عزائه في مسجد عُمر مكرم، بميدان التحرير. ورأيت مصر كلها هناك من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار. نعم، توحّدت مصر في عزاء المُفكر المؤرخ المُناضل رفعت السعيد.

فله الرحمة وكل التقدير.. وليعلم في مثواه الأخير أننى سأفتقده كثيراً.. وعلى الله قصد السبيل.

عن المصري اليوم

×
أخبار
جيش الاحتلال يعدم شابا في جنين ويعتقل آخر في رام الله - فيديو تقرير يكشف تضاربًا بين السجلات الداخلية والبيانات العامة لضحايا الجيش الأمريكي في حرب إيران السيسي خلال استقباله مدير المخابرات الأمريكية: نرفض أي اعتداءات على الدول العربية وندعم اتفاقاً شاملاً مع إيران الصحة: ارتفاع ضحايا حرب الإبادة على قطاع غزة إلى 73,910 شهيدا ألمانيا: انتخابات في ولايتين تهدد بإحداث صدمة جديدة لميرتس خانيونس: مستشفى الكويت الميداني يعلن التوقف عن العمل في جميع الأقسام باستثناء الطوارئ هرتسوغ والجريمة المركبة! جيش الاحتلال وفرق الإرهاب الاستيطاني تنفد حملة اقتحامات اعتقالات واسعة في القدس والضفة الإمارات توضح رسميا ما حدث قبل 7 أكتوبر حول اتصال بن زايد مع نتنياهو رضائي يحدد 7 شروط إيرانية لعودة المفاوضات مع أمريكا ترامب يقطع إجازته ويعود للبيت الأبيض وسط تحذيرات من تصعيد محتمل استطلاع: غالبية الناخبين اليهود في أمريكا قلقون من تأجيج نتنياهو لمعاداة السامية تقرير: الحرب على إيران تمنح موسكو مكاسب استراتيجية وتكشف أزمة الذخائر الأمريكية 3 قراءات تاريخية توضح أسباب رسوخ صعود حزب "البديل" في شرق ألمانيا خلافات داخلية تهدد آمال الديمقراطيين في استعادة الكونغرس في أميركا صحيفة: الثورة التي يتعين على إسرائيل إدراكها قبل فوات الأوان الطيبي يلوح بخطوات برلمانية حاسمة لإسقاط ائتلاف نتنياهو الحاكم "هيئة الجدار": 14 هجوماً للمستوطنين الإرهابيين منذ صباح السبت خبراء من الحرس الثوري زاروا باب المندب لبحث تركيب رادارات تركيا تلغي ترخيص "بنك ملت" الإيراني وتوقف رحلات "ماهان إير" هانتر بايدن: إسرائيل سمحت عمدًا بوقوع هجوم 7 أكتوبر لتنفيذ مخططاتها في غزة جمعية رجال الأعمال الفلسطينيين بقطاع غزة تجري انتخابات لمجلس الإدارة الجديد استطلاع: أغلبية الإسرائيليين والفلسطينيين يرون التعايش السلمي "مستحيلًا" مستشار فانس يستدعي محطات الخلاف التاريخية لتفنيد "خضوع" واشنطن لإسرائيل إسرائيل تبلغ بريطانيا بعدم دفع مخططات الاستيطان في E1 قبل الانتخابات صدمة النفط تتجاوز هرمز وتضع منظومة الطاقة العالمية أمام اختبار أوسع مؤسسات إعلامية أمريكية ترقض قرار ترامب حظر صحافييها من دخول البيت الأبيض الصحة: ارتفاع ضحايا حرب الإبادة على قطاع غزة إلى 73,910 شهيدا بعد 3 أعوام من الإبادة.. نصف مليون طالب بغزة يعودون للدراسة وسط الدمار "سنتكوم" تؤكد تسهيل العبور الآمن لمليار برميل نفط عبر مضيق هرمز

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط