الأصدقاء الأعزاء متابعي أمد للإعلام .. هناك عملية نقل من مطور لآخر ما قد يؤثر على نشر الأخبار لفترة قصيرة! ...

إما التعايش وإما "داعش"

إما التعايش وإما "داعش"

تاريخ النشر: 2017-08-07 | 09:21

ولد تنظيم داعش من انهيار تجارب تعايش. مزق خرائط واخترق أخرى. والخرائط كالمباني تحتاج صيانة دائمة. الإهمال يسرع شيخوختها. تتشقق جدرانها. وتتخلع أبوابها. وتتآكل نوافذها. والسياسات الفئوية تزعزع أسسها. وتغتال طمأنينتها. وتوفر للرياح السوداء فرصة التسلل إليها. لا تكفي الأناشيد لحماية الخرائط. ولا تكفي الجيوش. وتقول التجارب إن الخرائط تغتال من الداخل قبل أن يستبيحها الخارج. ثقوب الداخل هي التي تستدرج العواصف المقتربة.
تحتفل دول المنطقة اليوم بالضربات المتتالية التي توجه إلى تنظيم داعش. ومن حقّها أن تحتفل. «داعش» عاصفة من الوحل والدم. فصل ثقيل من الظلم والظلام. روايات من عانوا السبي أو اليتم تحت راياته تكسر القلب وتثير الرعب. لكن الأهم من الاحتفال هو استخلاص العبر. لم يسقط هذا التنظيم الرهيب على مجتمعاتنا بالمظلات. أطل من شقوق الداخل ثم رفده المقاتلون الجوالون بخبراتهم وأحقادهم. لا يستطيع «داعش» استباحة خريطة ما لم تكن مريضة. لا يستطيع الإقامة فيها ما لم تكن إرادتها الوطنية ممزقة.
تبدو الحرب العسكرية على «داعش» صعبة. انتحاريون وأنفاق وعبوات ناسفة وشبان غسلت أدمغتهم فتحولوا مجرد عبوات تائهة تبحث عن فرصة للانفجار. لكن هذه الحرب، على رغم ضرورتها وأهميتها، يفترض أن تكون جزءاً من الحرب الشاملة. الانتصار الحاسم هو الانتصار على فكرة «داعش»، أي إلغاء الظروف التي سهلت ولادة التنظيم وانتشاره وتسلله إلى هذه الدولة أو تلك.
من دون المواجهة الشاملة في الشارع والنادي والكتب المدرسية والإعلام وفي جوار المسجد، تبقى المواجهة ناقصة والنتائج مهددة. يستطيع عناصر «داعش» الفرار والتواري والعيش كـ«ذئاب منفردة» تكمن بانتظار الانفجار هنا أو هناك.
أهم ما في المواجهة الشاملة هو اتخاذ قرار جوهري وصعب وربما مؤلم بالتعايش. لا نقصد العودة إلى التعايش التلفزيوني السطحي والشكلي الذي كان سائداً وانهار أمام أول امتحان. المقصود هو الذهاب في اتجاه التعايش الحقيقي داخل الدول وفيما بينها. ولا بد من الاعتراف أنه ما كان للبغدادي أن يطل من الموصل ويفتح الباب لهذه المأساة الباهظة لو كانت العلاقات بين المكونات العراقية صحيّة وطبيعية. وما كان لـ«داعش» أن يخترق الأراضي السورية ويستولي على الانتفاضة الشعبية ويدميها ويجهضها لو كانت العلاقات بين المكونات السورية طبيعية في ظل دولة طبيعية.
لا بدّ من اتخاذ قرار التعايش مع العالم. مع القوى المختلفة والمتنوعة المشارب والانتماءات والألوان ومن دون أن نعتبر أننا مكلفون فرض لوننا على العالم وأن علينا الانفجار به، إذا تعذر علينا أن نفرض عليه ثياب أجدادنا وأساليب عيشهم. الاعتقاد أن علينا إخضاع العالم ليشبهنا هو أقرب الطرق لنتحول عبوة في جسده وعبوة في جسدنا معاً. العجز عن التسليم بحق الآخر في الاختلاف يدخلنا في اشتباك مدمر يفوق طاقتنا على احتمال نتائجه.
اعتبار كل من لا يماثلنا عدواً أو ضالاً ينذر بترسيخ خطوط التماس التي تعوق تعاوناً نحتاج إليه للحصول على ثمار التقدم الذي تحقق في بلدان خاضت تجاربها المكلفة، وخرجت منها بالاعتقاد بأن الاختلاف حق ويمكن تحويله إلى مصدر ثراء. الاعتقاد أن من واجبنا إنقاذ البشرية استناداً إلى تصور واحد لا يمكن الاجتهاد فيه أو العثور على أشكال أخرى له يضعنا أمام الحائط ويدفعنا في اتجاه الكارثة.
قبل اتخاذ قرار التعايش مع الآخر المختلف خارج الخريطة لا بد من اتخاذ قرار التعايش مع الآخر المختلف داخلها. اعتبار كل اختلاف تهديداً وجريمة يشكل الخطوة الأولى نحو الحروب الأهلية والمجازر ومحاولات الشطب وإلغاء الهويات. لا بد من التسليم بحق الآخر في المبنى أو القرية أو المدينة بأن يكون مختلفاً وبحقه في أن يكون مساوياً ومطمئناً في دولة تقوم على المواطنة لا على الغلبة وبغض النظر عن النسب السكانية وتغيراتها.
لا خروج من هذا الجحيم الذي أنجب مئات آلاف القتلى وملايين اللاجئين إلا باتخاذ قرار التعايش. من دون هذا القرار يبقى كل انتصار مهدداً بالتحول مجرد جولة في حرب تكمن ثم تعاود الاشتعال. من دون قرار التعايش الحقيقي ستتيح المجتمعات الممزقة الفرصة لإطلالة جديدة لـ«داعش» أو أشباهه أو أخواته. الانتصار النهائي على «داعش» وأشباهه متعذر من دون مهمة بناء الدولة الحقيقية والعصرية. دولة الحقوق والواجبات. دولة المواطنة واحترام حق الاختلاف. دولة الفرص والتنمية الشاملة والمناهج الدراسية الرحبة والإعلام المنفتح والمسؤول.
لا خروج من هذا الجحيم إذا استمرت سياسات التدخل والانقلابات الفئوية ومعها سياسات الكراهية والإقصاء والسعي إلى تصفية حسابات تاريخية. جرّبنا طويلاً هذه السياسات الثأرية العقيمة التي أخرجتنا من السباق نحو المستقبل وسمّمت خرائطنا وعواصمنا وجامعاتنا. لا نستطيع مواصلة السباحة في هذه المياه المفخخة. الإصرار لا يعني أكثر من أننا نتولى بأنفسنا تحويل أولادنا وأحفادنا وقوداً للحروب المقبلة وتحويل بلداننا بركاً من الدم تنوء تحت أعباء الفقر والبطالة والتخلف.
مشكلتنا لم تبدأ مع «داعش» لتنتهي بانتصار عسكري عليه. مشكلتنا الحقيقية هي رسوبنا في امتحان اللحاق بالعصر وركب التقدم. مشكلتنا أننا لا نريد دفع ثمن بطاقة الصعود إلى القطار المتجه نحو المستقبل.

عن الشرق الأوسط

×
أخبار
دعوات لواشنطن لبناء "خريطة معمارية" لتتبع شبكات تمويل الإخوان المسلمين وحماس جيش الاحتلال يعدم شابا في جنين ويعتقل آخر في رام الله - فيديو تقرير يكشف تضاربًا بين السجلات الداخلية والبيانات العامة لضحايا الجيش الأمريكي في حرب إيران السيسي خلال استقباله مدير المخابرات الأمريكية: نرفض أي اعتداءات على الدول العربية وندعم اتفاقاً شاملاً مع إيران الصحة: ارتفاع ضحايا حرب الإبادة على قطاع غزة إلى 73,910 شهيدا ألمانيا: انتخابات في ولايتين تهدد بإحداث صدمة جديدة لميرتس خانيونس: مستشفى الكويت الميداني يعلن التوقف عن العمل في جميع الأقسام باستثناء الطوارئ هرتسوغ والجريمة المركبة! جيش الاحتلال وفرق الإرهاب الاستيطاني تنفد حملة اقتحامات اعتقالات واسعة في القدس والضفة الإمارات توضح رسميا ما حدث قبل 7 أكتوبر حول اتصال بن زايد مع نتنياهو رضائي يحدد 7 شروط إيرانية لعودة المفاوضات مع أمريكا ترامب يقطع إجازته ويعود للبيت الأبيض وسط تحذيرات من تصعيد محتمل استطلاع: غالبية الناخبين اليهود في أمريكا قلقون من تأجيج نتنياهو لمعاداة السامية تقرير: الحرب على إيران تمنح موسكو مكاسب استراتيجية وتكشف أزمة الذخائر الأمريكية 3 قراءات تاريخية توضح أسباب رسوخ صعود حزب "البديل" في شرق ألمانيا خلافات داخلية تهدد آمال الديمقراطيين في استعادة الكونغرس في أميركا صحيفة: الثورة التي يتعين على إسرائيل إدراكها قبل فوات الأوان الطيبي يلوح بخطوات برلمانية حاسمة لإسقاط ائتلاف نتنياهو الحاكم "هيئة الجدار": 14 هجوماً للمستوطنين الإرهابيين منذ صباح السبت خبراء من الحرس الثوري زاروا باب المندب لبحث تركيب رادارات تركيا تلغي ترخيص "بنك ملت" الإيراني وتوقف رحلات "ماهان إير" هانتر بايدن: إسرائيل سمحت عمدًا بوقوع هجوم 7 أكتوبر لتنفيذ مخططاتها في غزة جمعية رجال الأعمال الفلسطينيين بقطاع غزة تجري انتخابات لمجلس الإدارة الجديد استطلاع: أغلبية الإسرائيليين والفلسطينيين يرون التعايش السلمي "مستحيلًا" مستشار فانس يستدعي محطات الخلاف التاريخية لتفنيد "خضوع" واشنطن لإسرائيل إسرائيل تبلغ بريطانيا بعدم دفع مخططات الاستيطان في E1 قبل الانتخابات صدمة النفط تتجاوز هرمز وتضع منظومة الطاقة العالمية أمام اختبار أوسع مؤسسات إعلامية أمريكية ترقض قرار ترامب حظر صحافييها من دخول البيت الأبيض الصحة: ارتفاع ضحايا حرب الإبادة على قطاع غزة إلى 73,910 شهيدا بعد 3 أعوام من الإبادة.. نصف مليون طالب بغزة يعودون للدراسة وسط الدمار

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط