الأصدقاء الأعزاء متابعي أمد للإعلام .. هناك عملية نقل من مطور لآخر ما قد يؤثر على نشر الأخبار لفترة قصيرة! ...

الروس راجعون

الروس راجعون

تاريخ النشر: 2017-03-27 | 09:12

روسيا تعود. تعود باستقرار داخلي أوفر وقوة عسكرية أكبر وإدارة أذكى وكفاءة مبهرة في انتهاز الفرص وفهم براغماتي جيد للسياسة الدولية. تعود مزوّدة بأحدث ما في ترسانة الحرب النفسية من أسلحة إلكترونية. تعود بدهاء الدببة الروسية وغلاظتها ووحشيتها. تعود باقتصاد لا يزال يرفض التعافي وبنظام حكم متمسك بجذوره القيصرية ومتصلب في عدائه للقيم الديموقراطية الغربية. تعود روسيا، أو عادت، بفضل أو ضغط هذه العناصر كافة، وأيضاً بفضل انحسار الغرب وربما رضاه. نشطت السياسة الخارجية الروسية نشاطاً فائقاً في السنوات الأخيرة. حققت في اندفاعة مركزة خلال فترة قصيرة إنجازات لم تخطر في بال المعسكر الغربي أو لنا في الشرق الأوسط والعالم العربي بخاصة. صار مشهداً مألوفاً، مشهد الزعماء الأجانب يلتقون القيصر الجديد في صالة أو أخرى في الكرملين. هذا الصرح العتيد الذي طالب الغرب المنتصر في الحرب الباردة بتحويله إلى متحف ونقل السلطة إلى مقر بعيد عنه. كان رمزاً لتوسع امبراطوري وأيديولوجي يخشاه الغرب فأرادوا إخفاء الرمز أو إطفاءه مثلما فعلوا مع الرمز الأمبراطوري الياباني في نهاية الحرب العالمية الثانية.

نجحت موسكو مثلاً في استبعاد مسألة استعادتها أو احتلالها جزيرة القرم من جداول عمل القمم العشرينية والدولية الأخرى. أوقفت زحف الاتحاد الأوروبي وحلف الأطلسي في شرق القارة الأوروبية. أوقفتهما بحربين ضد جورجيا وأوكرانيا كانتا بمثابة إعلان وإنذار. إعلان عن خطوط حمر وحدود افتراضية لروسيا الجديدة وإنذار بعقاب كل حكومة في دول الجوار تطلب مساعدة خارجية. دليل آخر على نجاحها الإقبالُ المتزايد على زيارة موسكو من جانب أعداء كانوا إلى وقت غير بعيد ألداء. راقبنا بانبهار ومحاولة للفهم إقبال باكستان وتركيا وكلتاهما كانتا من الأعضاء الدائمين في الأحلاف العسكرية الغربية ومعروف أن مهمتها محاصرة روسيا. كذلك زار موسكو نتانياهو بلهفة وجزع وادعاء غرور ليطلب من روسيا السماح له بمطاردة جنود حزب الله في سورية. يطلب أيضاً، وكذلك الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، السماح لهما بإقامة منطقتين عازلتين على الأراضي السورية المتاخمة للدولتين. الأعداء القدامى في الشرق الأوسط يستجدون الحماية والضمانات الروسية ويطلبون العفو عما اقترفوه ضد روسيا أيام الحرب الباردة وبعدها.

لن ينسي الروس بشاعة الهجمة الغربية عليهم خلال عهد بوريس يلتسين. أراد الغرب تفكيك الإمبراطورية، ولكن الأهم كان تفكيك العقل الروسي. اشتركت قبل إثني عشر عاماً في مؤتمر عقد في ويستون هاوس في مقاطعة ساسيكس في جنوب إنكلترا لمناقشة السياسة التي يجب على روسيا اتباعها كرئيس لقمة السبع الكبار. جاء في ما كتبته تعقيباً على مداولات المؤتمر: «ربما لو لجأ الغرب إلى فهم أفضل للذهنية الروسية لكان وضع ضغوطه على روسيا في سياق مختلف لا يحرج حساسيات الروس أو يضاعف من شكوكهم تجاه سياسات الغرب». كتبت أيضاً: «يعتقدون في روسيا أن الغرب عازم على تمزيق أواصر روسيا بعد أن مزَّق أواصر الإمبراطورية السوفياتية». عندما استعيد قراءة ما كتبناه نحن وغيرنا عن ضغوط مارسَها الغرب على روسيا أزدادُ اقتناعاً بأن الدول قد تدافع عن الحقوق والحريات وفي الوقت نفسه تستخدم أساليب وحشية لتأكيد هيمنتها. كانت مطالب دول الغرب من روسيا كثيرة، اختار منها سبعة هي: أولاً، فتح الحدود الروسية أمام الهجرة في اتجاهين كشرط من شروط التزام روسيا قواعد العولمة، ثانياً، تحرير المجتمع المدني الروسي من القيود المفروضة عليه وبخاصة حرية الحصول على تمويل أجنبي. ثالثاً، الإصلاح الديني، بمعنى تطوير دور الكنيسة الأرثوذكسية وإجبارها على فصل الدين عن «الوطنية». رابعاً، إخلاء مبنى الكرملين من دوائر السلطة السياسية ومؤسساتها وتحويله إلى متحف يحكي قصص القياصرة والأباطرة الروس عير العصور. خامساً، تفريغ الخطاب السياسي الروسي من أي إشارات أو نص واضح لمفاهيم الكرامة والعزة الوطنية وعظمة روسيا. سادساً، تعديل القوانين والممارسات الأمنية التي تجرّم الاتصال بالدول الغربية. سابعاً، تفادي استخدام تعبير «الجوار القريب»، بحجة أن الجوار القريب لروسيا هو في الوقت نفسه جوار قريب لأوروبا الموحدة وأفغانستان والصين.

جاء فلاديمير بوتين ليخلص روسيا من براثن الشعور بالهزيمة والدونية في التعامل مع الغرب بعد سنوات من محاولات الغرب غرس أفكاره وممارساته ومحاولاته تغيير الذهنية الروسية. احتفظ بوتين بشكل الديموقراطية ومؤسساتها من دون الجوهر. اصطنع ديموقراطية خاصة بروسيا، جوهرها نظام شعبوي يعتمد أساساً على علاقة مباشرة بين الزعيم والجماهير. لم يقصر بوتين في الترويج لنظامه كنموذج صالح للتطبيق في الدول التي تعرضت لتدخلات غربية في شؤونها الداخلية أو تلك التي يتولى الحكم فيها عسكريون لا يثقون بالديموقراطية الغربية كأسلوب يحقق أهداف التنمية ومكافحة الإرهاب. بعد وقت طويل نسبياً تمكن فلاديمير بوتين من أن ينصب نفسه قيصراً على روسيا ويهيمن على مساحات وثروات هائلة ويؤمن حدوده ويضبط ولاءات دول الجوار. كانت له مطالب من دول الغرب وفرض الاستجابة لها. طالب أولاً بضرورة تخلي الغرب عن النظرة الفوقية في التعامل مع روسيا وشجَّع مصر ودولاً متمردة على الغرب على أن تطالب دول أوروبا وأميركا بمعاملة ندية. طالبها ثانياً بالاعتراف بالمصالح الإقليمية لروسيا في دول الجوار القريب. طالبها ثالثاً برفع أيديها عن المجتمع المدني الروسي وكل أشكال التدخل في شؤون روسيا. طالبها رابعاً بالاعتراف بحق روسيا في تسوية المشكلات الدولية العصية على الحل. طالبها خامساً بالتصديق على نفوذ بلاده المتوسع في الشرق الأوسط ودورها المتصاعد في وسط آسيا وجنوبها.

الآن، روسيا البوتينية تقود تياراً يضم «القوى الشعبوية» اليسارية وفي الغالب اليمينية في أنحاء العالم. المثير والغريب أن أميركا، زعيمة الغرب وقلبه تكاد تبدو في ظل حكم شعبوي يقوده دونالد ترامب كما لو أنها «تابع» للزعامة الروسية التي تقود «الشعبوية الدولية» الجديدة. موسكو الجديدة تفخر بأنها تتدخل عسكرياً في سورية وأوكرانيا بكلفة كلية لم تتجاوز البليون دولار خلال عام كامل بينما تدخلت أميركا في أفغانستان والعراق بكلفة تقدر بـ23 بليون دولار و51 بليون دولار، على التوالي. بمعنى آخر أفلحت روسيا في ما فشلت فيه الولايات المتحدة. تفخر بأنها بنفوذها في تركيا ومصر وتسربها إلى ليبيا تستطيع التأثير في حجم ونوع الهجرات إلى جنوب أوروبا، وتفخر بأنها النظام الوحيد في التاريخ الروسي الذي استطاع أن ينفذ إلى المياه الدافئة ومنطقة الخليج العربي بكلفة مادية وبشرية بسيطة للغاية بفضل علاقات متطورة مع كل من تركيا وإيران.

لا يعني هذا الاستطراد الموجز في عرض تطور وضع روسيا ومكانتها أنها مطلقة التصرف في عالم تسوده الفوضى ومرتد على الديموقراطية والعولمة ومستسلم لقوى وحكام يحكمون باسم الشعوب. روسيا لم تتخلص بعد من تراث التخلف والفساد وهيمنة البيروقراطية ومؤسسات الاستخبارات التي أنجبت فلاديمير بوتين ونصَّبته حاكماً أوحد. لا يعني كذلك أن الأزمة السورية في طريقها إلى تسوية نهائية على أيدي جنرالات روسيا وديبلوماسييها. هذا الاستطراد لا يعني بأي حال أن تركيا يمكن أن تستبدل ببساطة الغرب بروسيا أو أن إيران ومصر وباكستان سوف تستغني نهائياً عن أميركا بخاصة والغرب عموماً. بمعنى آخر يظل الطريق طويلاً أمام بوتين ليحقق لروسيا أحلامها التاريخية، ومع ذلك يحق له أن يفخر بأن في عهده تجاسرت الديبلوماسية الروسية فأعلنت أمام حشد نظمته الدول الغربية أن العالم يعيش الآن في «عصر ما بعد الغرب». أظن أنه لا يوجد في اللحظة الدولية الراهنة مَن يستطيع أن يضع هذه العبارة في قالب إيجابي، بمعنى أن شخصاً يبتكر صياغة مختلفة تشير إلى هوية العصر الجديد، عصر سوف تقوده دول من خارج الغرب الذي هيمن على العالم قروناً كثيرة.

عن الحياة اللندنية

×
أخبار
من الوساطة إلى هندسة الاستقرار: لماذا يتصدر السودان أولويات الرياض؟ ترامب يكشف عن اتفاق مع الحوثيين.. ويعلن انفتاحه على لقاء الرئيس الإيراني المونيتور: نتنياهو يسعى لتوظيف التهديد الحوثي لدفع التطبيع مع السعودية قبل الانتخابات المتطرف بن غفير يقتحم المسجد الأقصى بحماية قوات الاحتلال.. والأوقاف تستنكر دعوات لواشنطن لبناء "خريطة معمارية" لتتبع شبكات تمويل الإخوان المسلمين وحماس جيش الاحتلال يعدم شابا في جنين ويعتقل آخر في رام الله - فيديو وصور تقرير يكشف تضاربًا بين السجلات الداخلية والبيانات العامة لضحايا الجيش الأمريكي في حرب إيران السيسي خلال استقباله مدير المخابرات الأمريكية: نرفض أي اعتداءات على الدول العربية وندعم اتفاقاً شاملاً مع إيران الصحة: ارتفاع ضحايا حرب الإبادة على قطاع غزة إلى 73,910 شهيدا ألمانيا: انتخابات في ولايتين تهدد بإحداث صدمة جديدة لميرتس خانيونس: مستشفى الكويت الميداني يعلن التوقف عن العمل في جميع الأقسام باستثناء الطوارئ هرتسوغ والجريمة المركبة! جيش الاحتلال وفرق الإرهاب الاستيطاني تنفد حملة اقتحامات اعتقالات واسعة في القدس والضفة الإمارات توضح رسميا ما حدث قبل 7 أكتوبر حول اتصال بن زايد مع نتنياهو رضائي يحدد 7 شروط إيرانية لعودة المفاوضات مع أمريكا ترامب يقطع إجازته ويعود للبيت الأبيض وسط تحذيرات من تصعيد محتمل استطلاع: غالبية الناخبين اليهود في أمريكا قلقون من تأجيج نتنياهو لمعاداة السامية تقرير: الحرب على إيران تمنح موسكو مكاسب استراتيجية وتكشف أزمة الذخائر الأمريكية 3 قراءات تاريخية توضح أسباب رسوخ صعود حزب "البديل" في شرق ألمانيا خلافات داخلية تهدد آمال الديمقراطيين في استعادة الكونغرس في أميركا صحيفة: الثورة التي يتعين على إسرائيل إدراكها قبل فوات الأوان الطيبي يلوح بخطوات برلمانية حاسمة لإسقاط ائتلاف نتنياهو الحاكم "هيئة الجدار": 14 هجوماً للمستوطنين الإرهابيين منذ صباح السبت خبراء من الحرس الثوري زاروا باب المندب لبحث تركيب رادارات تركيا تلغي ترخيص "بنك ملت" الإيراني وتوقف رحلات "ماهان إير" هانتر بايدن: إسرائيل سمحت عمدًا بوقوع هجوم 7 أكتوبر لتنفيذ مخططاتها في غزة جمعية رجال الأعمال الفلسطينيين بقطاع غزة تجري انتخابات لمجلس الإدارة الجديد استطلاع: أغلبية الإسرائيليين والفلسطينيين يرون التعايش السلمي "مستحيلًا" مستشار فانس يستدعي محطات الخلاف التاريخية لتفنيد "خضوع" واشنطن لإسرائيل إسرائيل تبلغ بريطانيا بعدم دفع مخططات الاستيطان في E1 قبل الانتخابات

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط