الأصدقاء الأعزاء متابعي أمد للإعلام .. هناك عملية نقل من مطور لآخر ما قد يؤثر على نشر الأخبار لفترة قصيرة! ...

إسلام واحد وثقافات متعددة

إسلام واحد وثقافات متعددة

تاريخ النشر: 2017-06-02 | 10:00

يشكل الدين، أو الانشغال به إيجابا أو سلبا، جزءا مهما من السلوك الثقافى للإنسان، ليعيش جنبا إلى جنب مع مظاهر أخرى، توجدها التقاليد والموروثات تارة، والاحتكاك بالعالم الخارجى المعتنق لدين آخر أو اللادينى تارة أخرى، لكنه عند آخرين أعمق بكثير من السلوك، وهو إما مكتمل بذاته، أو مكتف بما لديه، أو أن لديه القدرة على هضم أى «وافد» عليه من دين أو حضارة أو تقاليد أخرى، بحيث يستفاد من السمين فيه ويلفظ الغث، من دون أن يتأثر جوهر الدين، أو يتكدر نبعه الصافى، الذى كان عليه وقت نزول الرسالة وتبليغها.

وبالنسبة للمسلمين فهناك من يرى ضرورة أن تكون هناك قطيعة مع الثقافات الأخرى، وخصام مع أى تقاليد أو موروثات، لأن هذه تشكل «جاهلية» جديدة يجب التصدى لها ومحاربتها، إما بالدعوة التى تنقى ما تعكر، وتصوب ما أصابه الزلل، أو حتى بالقوة التى تغير المجتمع وتبدله تبديلا. وهناك من يتسامح مع المجتمع، ويرفق به، فيثنى على النافع ويثبته، ويذم الضار ويخلعه، ويحاور صاحب أى رأى مختلف بالحكمة والموعظة الحسنة.

أما على المستوى العملى فإن الصفاء والنقاء يوجد فى «العقيدة» فى منبعها وأصلها، وقبل أن تشوبها أى شائبة، أو يختلط بها أى اعتقاد أو ميل مخالف، ويوجد كذلك فى «الخطاب القرآنى» فى ألوهيته، وليس فى «الخطاب الدينى» فى شقه البشرى. أما وجود «خطاب ثقافى إسلامى» صاف أو يدعى النقاء المعرفى والقيمى والسلوكى الكامل فضرب من المستحيل، لأسباب عديدة منها:

1 ـ أن الإسلام انفتح على الثقافات الأخرى منذ بدء دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم، فثبت كل الفضائل والسلوكيات الحميدة التى كان يفعلها عرب الجاهلية، وقاطع وزعزع كل الرذائل والسلوكيات السيئة التى كانوا يقترفونها. واستمر العمل بهذه القاعدة «الواقعية» عند المسلمين المعتدلين المدركين لروح الإسلام وطرق الدعوة السلمية فى كل زمان ومكان.

2 ـ تعقد مفهوم الخطاب، فهو من ناحية الشكل يشمل كافة أعمال الاتصال، المكتوب منها والشفاهى، المادى والرمزى، المنطوق والسيميائى. ومن ناحية المضمون يبدو بناء معقدا يحوى داخله العديد من الأفكار والقضايا السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والدينية... إلخ. ومثل هذا البناء المركب والمعقد لا يمكنه أن يحال إلى معين واحد، أو مرجعية واحدة، إلا بالمعنى الواسع، الذى يتفاعل فيه الخاص مع العام، وتتحاور فيه الذات الحضارية مع الإرث الإنسانى المشترك.

3 ـ عدم وجود خطاب ثقافى إسلامى واحد فى الزمان نفسه، نظرا لعدم تواجد المسلمين فى «منطقة ثقافية» واحدة، فهم موزعون جغرافيا على كل قارات الدنيا، بعضهم يسكن الوديان الخصبة وآخرون يعتلون قمم الجبال أو يعيشون فى الصحارى القاحلة، وهم موزعون على كل ثقافات الدنيا، الأنجلوسكسونية والفرانكوفونية والثقافات الآسيوية والأفريقية، المتعددة والمعقدة.

4 ـ عدم وجود خطاب ثقافى إسلامى واحد فى المكان نفسه. ففى البلد الواحد يمكن أن نجد الخطاب الدينى الرسمى وغير الرسمى، والمنغلق والمنفتح، والخطاب المعتدل والمتطرف، والخطاب السلفى والآخر الصوفى.. إلخ. علاوة على ذلك توجد دول إسلامية عدة، تضم الواحدة منها أشتاتا من البشر، مختلفين فى الأعراق واللغات واللهجات، أى أنهم مختلفون فى الثقافة الفرعية، التى يظل لها حضورها، ولها بصمتها على الثقافة الأصلية المستمدة من الإسلام، ومن ثم يكون لدينا فى البلد الواحد تجاور لأكثر من خطاب ثقافى إسلامى، باستثناء الذوبان الكامل الذى يمكن أن يحدث فى جماعات وتنظيمات إسلامية صغيرة عابرة للإثنيات واللغات واللهجات.

5 ـ اتساع مفهوم الخطاب الإسلامى عند الكثير من المفكرين والفقهاء المسلمين إلى درجة أن بعضهم يرى أنه خطاب يتميز بالسعة والشمول، بقدر سعة الإسلام وشموله.

6 ـ رحابة الإسلام نفسه فى المعنى والأصل، إذ إنه يعنى «إسلام الوجه لله سبحانه وتعالى»، بما يجعل الإنسان عبدا مطيعا مخلصا لربه، مؤمنا به وبوحدانيته، ومتوكلا عليه، يراعى وجوده فى كل قول يتلفظ به، وفى كل فعل يبدر عنه. كما أنه وبنص القرآن دين يسبق دعوة محمد صلى الله عليه وسلم، فأبو الأنبياء سيدنا إبراهيم «أول المسلمين»، بل إن الإسلام بمعناه المذكور سلفا، هو الدين منذ المنشأ، الذى نزل مع آدم إلى الأرض، بغض النظر عن الأسماء التى أطلقها البشر على الرسالات والدعوات، مثل الإبراهيمية واليهودية والمسيحية. فهذه الرسالات منبعها واحد، وجوهرها واحد، وأى مضمون أو شكل طرأ عليها وجعلها تنحرف عن هذا الأصل وذلك الجوهر، هو من صنع البشر، بالتأويل الخاطئ تارة، وبالاختلاق والكذب على الله تارة أخرى.

ومن ثم فإن الآية الكريمة التى تقول: «إن الدين عند الله الإسلام» (آل عمران: 19)... والأخرى التى تقول: «ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه» (آل عمران: 85) يجب أن تفهما فى ضوء هذا، فالدين واحد، والدعوات والرسالات السماوية متعددة، والأنبياء والرسل متعاقبون. وكل ما يقال عن الاصطفاء والاختيار مشروط بالأعمال والأعباء والواجبات والفرائض التى أمر الله تعالى بها عباده، فلا اليهود «شعب الله المختار» ولا «المسيحيون ملح الأرض ونور العالم» ولا المسلمون «خير أمة أخرجت للناس» بالإطلاق فى كل زمان ومكان، ومع أى فعل أو وضع أو ظرف.

7 ـ وجود ثنائية متعايشة بين الخاص والعام فى الأديان من دون تفرقة أو تمييز. فالمبشرون بالدعوات الدينية، يقولون فى مرحلة التمكن إن لديهم «منظومة قيمية» تنطبق على كل شعوب الأرض. أما فى أوقات الضعف، وحين يكون أصحاب هذه الدعوات مستهدفين من قبل الأغيار الأقوياء، يطلبون من هؤلاء ألا يدسوا أنوفهم فى شؤونهم، وألا يفرضوا عليهم ثقافة بعينها، ويحترموا خصوصيتهم، ويقروا بتعددية تسمح للجميع بأن يتمسكوا بمعتقداتهم، ويمارسوا طقوسهم الدينية والثقافية. وهذا لا يعنى أن عالمية الدعوة أمر غير واقعى أو مرتبطة بمرحلة التمكن فقط، بل يعنى فى المقام الأول أن هذه العالمية، الرامية إلى هداية البشر أجمعين، يجب أن تكون فى بناء العقيدة وتعلم العبادات أو أركان الدين، ولا يجب أن تتغول لتفرض نمطا ثقافيا محددا، فهذا فوق طاقتها، ولا طائل كبير من ورائه، إنما الجدوى تتحقق حين تركز الدعوة على منح الثقافات السائدة إطارا أخلاقيا عاما، لا يجور على التعدد والتنوع، ولا يقطع جذور مجموعة بشرية فى أى مكان.

لقد سارت الحضارة والثقافة فى تاريخ العرب والمسلمين فى خمسة خطوط توازت حينا، وتلاقت حينا، سار المتكلم والأصولى والفيلسوف والمتصوف والأديب فى رحاب الحضارة العربية الإسلامية على مدار سبعة قرون، وكل منهم لا يلغى الآخر، حتى لو ناصبه العداء بعض الوقت، فرغم مماحكات ومشاحنات الأفراد المنتمين إلى هذه المسارات الخمسة، بفعل الغيرة والضغينة والصراع على عقول الناس وقبلهم حجر السلطان، فإن المجتمع ظل حاضنا للكل، وحريصا بشكل آلى وعفوى متجدد على أن يُبقى الجميع موجودين، ويتدفق عطاؤهم بغير انقطاع، ولولا هذا الحرص ما وصلت إلينا كتب المختلفين مع التيار الذى تغلب، وهو ما يسمى «أهل الأثر» أو «أهل الحديث».

ففى القرن الثالث الهجرى اشتد الصراع بين «أهل الأثر» و«المعتزلة» و«الأشاعرة»، وانتهى بعد صعود وجيز للمعتزلة إلى انتصار كاسح لأهل الأثر، وهو ما دفع بسببه المسلمون، ولا يزالون، الكثير من الأثمان، يضاف إلى الثمن الذى دفعوه جراء ضيق المعتزلة أنفسهم، وقت تسيدهم، بالمختلفين معهم والسعى إلى إزاحتهم. لكن عموم الناس تلقوا ما تناثر على رؤوسهم جراء هذه المعركة بطيب خاطر، وتركوا المحترفين فى إنتاج الخطابات السلفية والفلسفية والصوفية والأدبية فى خصام وتعارك، آمن بعضهم فى نهاية المطاف بأن الحياة تتسع للمختلفين معهم، بينما ظل البعض على ضيقه بكل من لا يخضع له بالقول والفعل.

عن المصري اليوم

×
أخبار
المتطرف بن غفير يقتحم المسجد الأقصى بحماية قوات الاحتلال.. والأوقاف تستنكر دعوات لواشنطن لبناء "خريطة معمارية" لتتبع شبكات تمويل الإخوان المسلمين وحماس جيش الاحتلال يعدم شابا في جنين ويعتقل آخر في رام الله - فيديو تقرير يكشف تضاربًا بين السجلات الداخلية والبيانات العامة لضحايا الجيش الأمريكي في حرب إيران السيسي خلال استقباله مدير المخابرات الأمريكية: نرفض أي اعتداءات على الدول العربية وندعم اتفاقاً شاملاً مع إيران الصحة: ارتفاع ضحايا حرب الإبادة على قطاع غزة إلى 73,910 شهيدا ألمانيا: انتخابات في ولايتين تهدد بإحداث صدمة جديدة لميرتس خانيونس: مستشفى الكويت الميداني يعلن التوقف عن العمل في جميع الأقسام باستثناء الطوارئ هرتسوغ والجريمة المركبة! جيش الاحتلال وفرق الإرهاب الاستيطاني تنفد حملة اقتحامات اعتقالات واسعة في القدس والضفة الإمارات توضح رسميا ما حدث قبل 7 أكتوبر حول اتصال بن زايد مع نتنياهو رضائي يحدد 7 شروط إيرانية لعودة المفاوضات مع أمريكا ترامب يقطع إجازته ويعود للبيت الأبيض وسط تحذيرات من تصعيد محتمل استطلاع: غالبية الناخبين اليهود في أمريكا قلقون من تأجيج نتنياهو لمعاداة السامية تقرير: الحرب على إيران تمنح موسكو مكاسب استراتيجية وتكشف أزمة الذخائر الأمريكية 3 قراءات تاريخية توضح أسباب رسوخ صعود حزب "البديل" في شرق ألمانيا خلافات داخلية تهدد آمال الديمقراطيين في استعادة الكونغرس في أميركا صحيفة: الثورة التي يتعين على إسرائيل إدراكها قبل فوات الأوان الطيبي يلوح بخطوات برلمانية حاسمة لإسقاط ائتلاف نتنياهو الحاكم "هيئة الجدار": 14 هجوماً للمستوطنين الإرهابيين منذ صباح السبت خبراء من الحرس الثوري زاروا باب المندب لبحث تركيب رادارات تركيا تلغي ترخيص "بنك ملت" الإيراني وتوقف رحلات "ماهان إير" هانتر بايدن: إسرائيل سمحت عمدًا بوقوع هجوم 7 أكتوبر لتنفيذ مخططاتها في غزة جمعية رجال الأعمال الفلسطينيين بقطاع غزة تجري انتخابات لمجلس الإدارة الجديد استطلاع: أغلبية الإسرائيليين والفلسطينيين يرون التعايش السلمي "مستحيلًا" مستشار فانس يستدعي محطات الخلاف التاريخية لتفنيد "خضوع" واشنطن لإسرائيل إسرائيل تبلغ بريطانيا بعدم دفع مخططات الاستيطان في E1 قبل الانتخابات صدمة النفط تتجاوز هرمز وتضع منظومة الطاقة العالمية أمام اختبار أوسع مؤسسات إعلامية أمريكية ترقض قرار ترامب حظر صحافييها من دخول البيت الأبيض الصحة: ارتفاع ضحايا حرب الإبادة على قطاع غزة إلى 73,910 شهيدا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط