الأصدقاء الأعزاء متابعي أمد للإعلام .. هناك عملية نقل من مطور لآخر ما قد يؤثر على نشر الأخبار لفترة قصيرة! ...

ها أنا شارد في تفاصيل الغياب..إنموذجا

ها أنا شارد في تفاصيل الغياب..إنموذجا

تاريخ النشر: 2023-03-20 | 12:17

النسيان هو الفناء الذي يترصد الذاكرة،بينما الذاكرة هي ذروة سنام النضال الإنساني تجاه الفناء الذي يترصد أنفاس الحياة فوق الأرض،قبل أن يودي بها الفناء الأخير إلى أرذل النسيان تحت الثرى،ولذا لا تتخلق الذاكرة إلا في رحم النسيان،ولا تولد إلا على مهد منه،بينما النسيان سياج أبدي مضروب حول كل جهات الذاكرة في متلازمة قدرية لا انفكاك لها ولا تراتبية تحكم طرفيها،إنما سجال أزلي بين سطوة المحو وأحلام البقاء!.

وعليه نقول إن اجتراح ذاكرة للأشياء هو الحيلة الإنسانية الأقدم لمجابهة النسيان،وهو جزء من صراع الإنسان الأبدي مع الفناء بمختلف أشكاله وتجلياته،والتي يعد النسيان ضمن صورها الأقسى،حتى ليبلغ به الحال أن يكون معادلا للموت ذاته،بل ربما عد الموت فناء رحيما إذا ما قيس بمواجع النسيان وفادح خساراته في كثير من الأحيان .وحين يكون العمل الإبداعي هو الناهض بمهام الذاكرة فإنه حتما يتحرك ضمن إطارين اثنين :الإطار الفني،والإطار التوثيقي،ويراوح بينهما بحرفية لا تكتفي بالأول فتكون محض إبداع لا أثر فيه لمكنون الذاكرة،ولا تتماهى بالآخر فتكون مجرد وثائق متلبسة حللا فضفاضة من الإبداع لا تمنحها شرعية الانتماء لمفهوم العمل الإبداعي الحقيقي .

هذه اللوحة الشعرية النازفة تطرح قضية نفسية قد تكون نتاج تجربة شخصية للشاعر أو هي معالجة لقضية ما.. ربما هزت مشاعر الشاعر التونسي القدير طاهر مشي..:

ها أنا شارد.. في تفاصيل الغياب

كل الأحلام رسمتها

في خارطة النسيان

يؤرقني ذلك الشرخ

مازال ينزف من ذاكرتي

عربد جرحي

وانشقت البسمة عن الشفاه

فمن يقاسمني الظلام

سأمضي وحيدا

كما كنت ملقى جريحا

على ناصية الوجع

فكيف أبوح

وأطرق باب النسيان الموصد

لا شيء ينقصني

فما تزال الأدران تسكن أوردتي

ووجعي

يتمادى

يقودني إلى حافة الجنون

شاردا في تفاصيل الغياب

والشوق يلتهم نبضي

يدمر مملكتي

فتمضي الأيام

خوالي

من يقاسمني الوجع

والآه تلو الآه

كما الطوفان تجرفني غريبا

لا أعرف نفسي

ولا نفسي تعرفني

لاشيء ينقصني

قافية القصيدة مشردة

كما أحلامي الموؤودة

 (طاهر مشي)

ربما يكون من اليسر بمكان أن نتبين مدى انسجام النص مع حقيقة كونه ذاكرة انطلاقا من بنيته الشكلية وإطاره الخارجي،على أن مقاربة تلك الحقيقة استنادا إلى حمولات النص ومضامينه،وانطلاقا من عمقه أمرا ليس باليسير، والتوصل إليه يتطلب إيغالا فيما يسيجه ذلك الإطار الخارجي بداخله من البنى اللغوية،وما تنطوي عليه من مضامين النص وطاقاته النفسية والعاطفية،وما استطاع أن يؤويه إلى عوالمه من دلالات، إيحاءات وأبعاد،وما تمليه عملية التذكر،ومدى حيوية تلك العملية إلى جانب الصهر الإبداعي لكل ذلك في قالب النص الذي اضطلع بمهمة شاقة توثق للإبداع وتبدع للتوثيق لتثمر ذاكرة تختزل بداخلها الشوارع ويمتزج فيها الزمان والمكان لتبقى شاهدا يتأبى على النسيان .

لم تخل القصيدة من بعض الانزياحات الدلالية والصور البلاغية التي تناثرت هادئة بين الأبيات التي هذبها الشاعر وأبدع في تطريزها..

كانت الصور تتسلسل طيعة غير مصطنعة وكأنها زبدة لمخيض الوجع الذي شكلها على مقاس معين ليستسيغها القارئ وهو يتتبع أبياتها بهدوء و..كأنه ينتظر مع الشاعر بصيصا من النور..

ومن البيت الأول تستوقفنا الموسيقى بتأثيرها الفعال في بلورة الحس الجمالي لهذا النص معتمدة على تلك الأصوات اللغوية المتناغمة لتُخرجَ ما اكتنف الحالة الشعورية المكتنزة على وتيرة واحدة لم ينطفئ أوارها من أول حرف إلى آخر كلمة وهذا بطبيعة الحال لا يكون إلا بالإيقاع الداخلي والخارجي الذي تؤسسه الحروف والكلمات وتشيده الدلالات والإيحاءات..

فطوبى للشعر بقلوب تعطي الأدب لوحات من جمال متفرد.

ختاما أقول :

الشاعر التونسي الكبير طاهر مشي..شاعر باذخ الحرف..يعرف من أين يورد الشعر..يمتطي صهوة الحرف ويحلق بالقصيد بأجنحةٍ من تميز..

الشاعر طاهر مشي أراه وأؤمن بأنه علامة فارقة في عالم الشعر الفصيح على صعيد الشعراء العرب بشكل عام وعلى صعيد شعراء الفصيح في بلادنا (تونس التحرير)

قاصرٌ هو الحرف عن الإمساك بكل خيوط إبداعك أيها الشاعر السامق..

وأتمنى أن أكون قد طرقت بعضاً من ملامح الجمال بين ربوع قصيدتك الخلابة الرائعة..

×
أخبار
جيش الاحتلال يعدم شابا في جنين ويعتقل آخر في رام الله - فيديو تقرير يكشف تضاربًا بين السجلات الداخلية والبيانات العامة لضحايا الجيش الأمريكي في حرب إيران السيسي خلال استقباله مدير المخابرات الأمريكية: نرفض أي اعتداءات على الدول العربية وندعم اتفاقاً شاملاً مع إيران الصحة: ارتفاع ضحايا حرب الإبادة على قطاع غزة إلى 73,910 شهيدا ألمانيا: انتخابات في ولايتين تهدد بإحداث صدمة جديدة لميرتس خانيونس: مستشفى الكويت الميداني يعلن التوقف عن العمل في جميع الأقسام باستثناء الطوارئ هرتسوغ والجريمة المركبة! جيش الاحتلال وفرق الإرهاب الاستيطاني تنفد حملة اقتحامات اعتقالات واسعة في القدس والضفة الإمارات توضح رسميا ما حدث قبل 7 أكتوبر حول اتصال بن زايد مع نتنياهو رضائي يحدد 7 شروط إيرانية لعودة المفاوضات مع أمريكا ترامب يقطع إجازته ويعود للبيت الأبيض وسط تحذيرات من تصعيد محتمل استطلاع: غالبية الناخبين اليهود في أمريكا قلقون من تأجيج نتنياهو لمعاداة السامية تقرير: الحرب على إيران تمنح موسكو مكاسب استراتيجية وتكشف أزمة الذخائر الأمريكية 3 قراءات تاريخية توضح أسباب رسوخ صعود حزب "البديل" في شرق ألمانيا خلافات داخلية تهدد آمال الديمقراطيين في استعادة الكونغرس في أميركا صحيفة: الثورة التي يتعين على إسرائيل إدراكها قبل فوات الأوان الطيبي يلوح بخطوات برلمانية حاسمة لإسقاط ائتلاف نتنياهو الحاكم "هيئة الجدار": 14 هجوماً للمستوطنين الإرهابيين منذ صباح السبت خبراء من الحرس الثوري زاروا باب المندب لبحث تركيب رادارات تركيا تلغي ترخيص "بنك ملت" الإيراني وتوقف رحلات "ماهان إير" هانتر بايدن: إسرائيل سمحت عمدًا بوقوع هجوم 7 أكتوبر لتنفيذ مخططاتها في غزة جمعية رجال الأعمال الفلسطينيين بقطاع غزة تجري انتخابات لمجلس الإدارة الجديد استطلاع: أغلبية الإسرائيليين والفلسطينيين يرون التعايش السلمي "مستحيلًا" مستشار فانس يستدعي محطات الخلاف التاريخية لتفنيد "خضوع" واشنطن لإسرائيل إسرائيل تبلغ بريطانيا بعدم دفع مخططات الاستيطان في E1 قبل الانتخابات صدمة النفط تتجاوز هرمز وتضع منظومة الطاقة العالمية أمام اختبار أوسع مؤسسات إعلامية أمريكية ترقض قرار ترامب حظر صحافييها من دخول البيت الأبيض الصحة: ارتفاع ضحايا حرب الإبادة على قطاع غزة إلى 73,910 شهيدا بعد 3 أعوام من الإبادة.. نصف مليون طالب بغزة يعودون للدراسة وسط الدمار "سنتكوم" تؤكد تسهيل العبور الآمن لمليار برميل نفط عبر مضيق هرمز

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط