الأصدقاء الأعزاء متابعي أمد للإعلام .. هناك عملية نقل من مطور لآخر ما قد يؤثر على نشر الأخبار لفترة قصيرة! ...

نادية لطفي رحمها الله كانت هناك في بيروت المحاصرة

نادية لطفي رحمها الله كانت هناك في بيروت المحاصرة

تاريخ النشر: 2021-11-14 | 05:22

إبّان حصار شارون لبيروت، أوّل عاصمة عربية، بعد القدس، تجتاحها وتدخلها عنوة جحافل جيش الإعتداء الإسرائيلي، عام 1982، قال أبو عمّار، رحمه الله، بأنّ:

"وزير الخارجية العربي الوحيد" الذي زارنا في بيروت المحاصرة هو كلودوميرو مالميركا، وزير خارجية كوبا!!!

وقد إنتظر أبو عمار والقيادة الفلسطينية والمقاتلون الفلسطينيون المحاصرون المدافعون عن بيروت لمدة ثلاثة أشهر تقريبا، المدد والدعم العربي، من القريب ومن البعيد، ولكن "لقد أسمعت إذ ناديت حيّا ولكن لا حياة لمن تنادي".

"ويا وحدنا"، نُقلّع شوكنا بأصابعنا وأيدينا، ولتبقى أصابع الأشقاء العرب ملفوفة بورق السوليفان.

لقد وعد "معمّر القذافي" في بداية الإجتياح تزويد المقاومين الفلسطينيين بقوارب مُتفجّرة صغيرة وسريعة تصلح لمكافحة "لنشات دبور" الهجومية الإسرائيلية التي كانت "مرشومة" "تتحنّجل وتتمختر" على طول وعرض الشاطىء اللبناني المُحاصر، تقذف الحمم والموت والدمار.

حصار من البر والبحر والسماء. حصار لا ينزّ منه الماء ولا الهواء!!!.

لقد "تعشّمت" القيادة الفلسطينية التي تُدير حرب الإجتياح "خيرا" بأن يُرسل لها القذّافي هذه الزوارق "السحرية"، التي كان قد وعد بها، من أجل التخفيف من ضغط "العدو" المُعتدي على بيروت وشواطئها.

لكن جواب حضرة "العقيد" النهائي، حينذاك، حين طُلبت منه القيادة الفلسطينية المحاصرة، الوفاء بوعده، كان:

"إصمدوا وإنتحروا في بيروت؟؟؟!!!".

وصمدت القيادة وصمد المقاومون وصمد الفلسطينيّون واللبنانيّون ولم يلبّوا "نداء" العقيد لهم ولم ينتحروا!!!

مقابل مثل هكذا مواقف كالحة، "مائعة"، تثبيطيّة، لا إنسانية، لا قوميّة ولا عُروبية، جاء جواب:

"ملاك بصورة حورية نبتت وأينعت وأزهرت على شواطىء الإسكندرية وبور سعيد. سيدة جميلة، فنّانة مبدعة، نسمة حملتها النسائم القادمة من أرض الكنانة، من أرض سعد زغلول وجمال عبد الناصر، من أرض وادي النيل وضفاف ودلتا نهر النيل الخصيبة إلى بيروت المحاصرة، "الملفوفة" بالقذائف والحمم والنار وغزو الأشرار".

"هذا الملاك، هذه الحورية، هذة النسمة الشذيّة، هذا البسلم الشافي، هي نادية لطفي".

أبت على نفسها الحياة الرغيدة التي تتسربل بها، أبت على نفسها فراش الحرير التي تتدثّر به، أبت على نفسها النسيم العليل تتنشّقه، وإنضمّت إلى "ركب الأبطال المقاتلين المدافعين عن بيروت"، عن شرف بيروت، عن شرف الأمة العربية، عن شرف الأمة الإسلامية وعن جوار مهد سيدنا المسيح وأتباعه، موطن وثرى أوائل البحّارة الفنيقيين.

جاءت لتنتصر وتناصر المدافعين عن بيروت، لتعيش حياة الثوّار تحت وابل النار، لتنام في "إستحكامات" الثغور، على فراش من حصير، ولتستنشق رائحة البارود وغبار العمارات المهدّمة بفعل القنابل الفراغية المقذوفة من طائرات إف 16 الممهورة بنجمة داوود المُعتدية.

جاءت الى بيروت المحاصرة تتمنّطق بوشاح الكوفية الفلسطينية المُرقّطة بالأبيض والاسود، تلفّها على عنقها الوردي، ترتمي على كتفيها الجبليين، تسابق الزمان والمكان، وتحفر لها في الزمان مكانا ساميا، يرقى الى الخلود، ويجاور خلود دلال المغربي وسناء المحيدلي وآية الاخرس والأم تيريزا.

كانت جسورة كاللبؤة، تتحرّك كالفهد "قفزا" بين المواقع، في الفاكهاني ومحيط الجامعة وجسر الكولا والملعب البلدي وصبرا وشاتيلا والأسواق التجارية وشارع الحمراء والكورنيش، ومع "شعراء وكتاب الرصيف"، علي فودة وراسم أبوعلي. تحمل كاميرتها على كتفها وفي يديها تسجّل يوميات الحرب، مشاهدات العدوان، وتلفح بحضورها الجميل الأخّاذ وجوه وهامات المقاتلين بعبق من الزنبق والريحان والقرنفل البلدي العطري.

عايشت المقاتلين وأكلت وشربت وجاعت معهم في مواقعهم على محاور القتال في بيروت، في الأسواق التجارية حيث كانت الدبابات الغازية تتقدّم في اليوم مترا ونصف أو مترين من شدة وشراسة مقاومة أبطال الآر بي جي المدافعين.

كانت بيروت تحت الحصار لوحة سريالية متكاملة. غارات الطائرات المعتدية وقذائف البوارج من البحر وصواريخ وقذائف مدافع البر لجيش الإعتداء الإسرائيلي الزاحف كالجراد "يأكل" في طريقه البشر والشجر والحجر.

يقابله مقاتلون أفذاذ بسلاحهم الذي لا يمكن مقارنته مع سطوة وضخامة سلاح المعتدي، ولكن بعزيمة راسخة كالجبال وتصميم وإستعداد للتضحية تضاهي تصميم  الأبطال المدافعين عن ستاليغراد ولينينغراد وموسكو بقيادة الجنرال جوكوف في الحرب العالمية الثانية.

واستعداد وكفاءة أبطال الجيش الشعبي الفيتنامي وثوار الفيتكونغ الذين كنسوا قوات الاحتلال الأمريكية  من سايغون في حرب التحرير الفيتنامية بقيادة الجنرال الفذ جياب، وهروب السفير الأمريكي بطائرة هليوكبتر من على سطح السفارة الأمريكية في سايغون عام 1975.

سجلّت نادية لطفي بكاميرتها يوميات الحصار، عملت آلاف الصور وعشرات الفيديوهات.

صوّرت المقاتلين في مواقعهم وفي لحظات إشتباكهم مع المعتدي، رشاشات الكلاشنكوف في أيديهم وقذائف الآر بي جي على أكتافهم.

أفران تعمل بكامل طاقتها أربعا وعشرين ساعة تحت القصف والدمار، ونساء يطبخن على الحطب في الأزقة لإطعام المقاتلين والمدنيين.

عمارات مهدّمة وحجارة متطايرة وجثث متناثرة بفعل الغارات والحمم من الجو والبحر والبر على كل ما يتحرّك في بيروت وعلى كل ما هو سابت في بيروت.

محمود درويش كان هناك أيضا في الحصار، في بيروت التي يداهمها الموت والدمار كل لحظة. في بيروت التي تنتج البطولة والفداء كل لحظة.

هو بذاته أبدع من خلال عتمة إنقطاع التيّار الكهربائي وإنقطاع المياه وحرمانه من القهوة التي يعشقها في كثير من الاحيان. أنتج رائعته: "ذاكرة للنسيان، الزمان بيروت، المكان يوم من ايام آب، 1982".

ونظم فيما يلي رائعته الرائعة البديعة: "مديح الظل العالي".  

سألوا درويش:

"ماذا يصنع الشاعر في زمن الحرب؟"

أجاب:

"لا شيء. هم يصنعون". وأشار بيده الى المقاتلين المدافعين عن بيروت.

رحم الله محمود درويش الشاعر الفلسطيني المبدع، شاعر المقاومة، ناظم "سجّل أنا عربي".

ورحم الله نادية لطفي، الفنانة المبدعة والإنسانة الأبدع.

وإنّا لله وإنّا إليه راجعون.

كاتب ودبلوماسي فلسطيني   

×
أخبار
رئيس ورزاء قطر: إسرائيل تتصرف بتهور ولا تلتزم بتعهداتها وتواصل القتل  وثائقي "نازا" يثير سجالاً حاداً داخل إسرائيل حول آليات الاستهداف والذكاء الاصطناعي في غزة استراتيجية واشنطن في الصومال: تأمين الممرات البحرية على حساب الاستقرار الوطني دراسة: الحرب في الخليج تكشف حدود البدائل وتدفع نحو "هندسة تعدد المسارات" التمويل القطري لجامعة كورنيل يصل لـ 3.38 مليار دولار بعد كشف عقود جديدة من الوساطة إلى هندسة الاستقرار: لماذا يتصدر السودان أولويات الرياض؟ ترامب يكشف عن اتفاق مع الحوثيين.. ويعلن انفتاحه على لقاء الرئيس الإيراني المونيتور: نتنياهو يسعى لتوظيف التهديد الحوثي لدفع التطبيع مع السعودية قبل الانتخابات المتطرف بن غفير يقتحم المسجد الأقصى بحماية قوات الاحتلال.. والأوقاف تستنكر دعوات لواشنطن لبناء "خريطة معمارية" لتتبع شبكات تمويل الإخوان المسلمين وحماس جيش الاحتلال يعدم شابا في جنين ويعتقل آخر في رام الله - فيديو وصور تقرير يكشف تضاربًا بين السجلات الداخلية والبيانات العامة لضحايا الجيش الأمريكي في حرب إيران السيسي خلال استقباله مدير المخابرات الأمريكية: نرفض أي اعتداءات على الدول العربية وندعم اتفاقاً شاملاً مع إيران الصحة: ارتفاع ضحايا حرب الإبادة على قطاع غزة إلى 73,910 شهيدا ألمانيا: انتخابات في ولايتين تهدد بإحداث صدمة جديدة لميرتس خانيونس: مستشفى الكويت الميداني يعلن التوقف عن العمل في جميع الأقسام باستثناء الطوارئ هرتسوغ والجريمة المركبة! جيش الاحتلال وفرق الإرهاب الاستيطاني تنفد حملة اقتحامات اعتقالات واسعة في القدس والضفة الإمارات توضح رسميا ما حدث قبل 7 أكتوبر حول اتصال بن زايد مع نتنياهو رضائي يحدد 7 شروط إيرانية لعودة المفاوضات مع أمريكا ترامب يقطع إجازته ويعود للبيت الأبيض وسط تحذيرات من تصعيد محتمل استطلاع: غالبية الناخبين اليهود في أمريكا قلقون من تأجيج نتنياهو لمعاداة السامية تقرير: الحرب على إيران تمنح موسكو مكاسب استراتيجية وتكشف أزمة الذخائر الأمريكية 3 قراءات تاريخية توضح أسباب رسوخ صعود حزب "البديل" في شرق ألمانيا خلافات داخلية تهدد آمال الديمقراطيين في استعادة الكونغرس في أميركا صحيفة: الثورة التي يتعين على إسرائيل إدراكها قبل فوات الأوان الطيبي يلوح بخطوات برلمانية حاسمة لإسقاط ائتلاف نتنياهو الحاكم "هيئة الجدار": 14 هجوماً للمستوطنين الإرهابيين منذ صباح السبت خبراء من الحرس الثوري زاروا باب المندب لبحث تركيب رادارات تركيا تلغي ترخيص "بنك ملت" الإيراني وتوقف رحلات "ماهان إير"

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط