تاريخ النشر: 2026-09-20 | 18:46
تاريخ النشر: 2026-09-20 | 18:46
في الخليل، لم يعد السلاح يظهر في المشهد الأمني للاحتلال باعتباره مجرد أداة قد تُستخدم في عملية ضد إسرائيل. خلال الأيام الأخيرة، تزامنت الاعتقالات والمداهمات والتفتيش مع عمليات أُعلن خلالها عن ضبط أسلحة وذخائر، فيما تكشف الوقائع السابقة أن الاهتمام بملف السلاح في المحافظة يمتد منذ سنوات إلى حيازة الأسلحة وتداولها، بل وإلى معدات يُشتبه في استخدامها في تصنيعها.
وفي أحدث تطورات الملف، أعلنت شرطة الاحتلال في 17 أيلول/سبتمبر ضبط رشاش من طراز MG-34 فوق سطح مبنى سكني في منطقة الخليل، مع نحو 100 طلقة من عيار 7.62 ملم. وقالت إن السلاح كان موجهاً باتجاه منشأة عسكرية، وإن العثور عليه جاء استناداً إلى معلومات استخبارية حول تجربة إطلاق حديثة له. والأكثر دلالة أن الشرطة قالت إن السلاح استُخدم في صراعات محلية بين فلسطينيين، واعتبرت وجوده خطراً يمكن أن يؤثر في الوضع الأمني في المنطقة.
هذه الواقعة تختصر جانباً أساسياً من قصة السلاح في الخليل: ليس كل سلاح تتم مصادرته مرتبطاً، وفق المعلومات المعلنة، بعملية ضد إسرائيل، لكن ذلك لا يعني أن الأجهزة الأمنية تعتبره خارج دائرة الخطر؛ إذ يمكن، وفق هذا المنظور، أن ينتقل لاحقاً إلى شخص أو جهة أخرى أو يدخل في سوق غير قانونية.
ماذا جرى خلال الأسبوعين الأخيرين؟
منذ بداية أيلول، شهدت محافظة الخليل سلسلة من عمليات الاقتحام والتفتيش والاعتقال.
في 1 أيلول، اعتقلت قوات الاحتلال ثلاثة فلسطينيين من المحافظة، بعد مداهمة منازل في المنطقة الجنوبية من مدينة الخليل وبلدة تفوح وتفتيشها.
وفي 8 أيلول، اعتقلت عشرة فلسطينيين خلال اقتحامات لمدينة الخليل وبلدة دورا، شملت حارة الجعبري وعدداً من أحياء دورا وقرى الطبقة والصرة وخرسا، وترافقت مع عمليات مداهمة وتفتيش واسعة.
وفي 14 أيلول، اعتقلت قوات الاحتلال فلسطينيين من بيت أمر ودورا، فيما أصيب شاب بالرصاص في بيت أولا، ونُصبت حواجز عسكرية على عدد من مداخل المدينة والبلدات والقرى.
وفي 15 أيلول، داهمت قوات الاحتلال عدداً من المنازل والمحال التجارية في شارع الإخوة بالمنطقة الجنوبية من الخليل، واعتقلت مواطنين واحتجزت عشرات آخرين وأخضعتهم لتحقيق ميداني، وفق ما أفادت به مصادر محلية لوكالة "وفا".
وفي 16 أيلول، اعتقلت قوات الاحتلال طفلاً يبلغ 15 عاماً وشاباً يبلغ 18 عاماً في المنطقة الجنوبية من مدينة الخليل، بعد احتجازهما لساعات، كما فتشت عدداً من المنازل وراجعت تسجيلات كاميرات مراقبة تابعة لمحال ومنازل في المنطقة، ونصبت حواجز على مداخل المدينة والبلدات والقرى والمخيمات.
لكن هذه الاعتقالات لا يمكن اعتبارها جميعاً مرتبطة بالسلاح؛ فالبيانات الفلسطينية المنشورة لا تقول إن كل من اعتُقل كان متهماً بحيازة سلاح أو الاتجار به. ولذلك، تقتضي القراءة الدقيقة الفصل بين التصعيد في عمليات الاعتقال والتفتيش وبين العمليات التي أُعلن رسمياً أنها أسفرت عن ضبط أسلحة أو وسائل قتالية.
السلاح الذي ضبطه الاحتلال في الخليل
الحالة الأبرز حتى 17 أيلول هي الرشاش MG-34 الذي عُثر عليه فوق سطح مبنى سكني في منطقة الخليل، إلى جانب نحو 100 طلقة. وبحسب شرطة الاحتلال، استُخدم السلاح في صراعات محلية بين فلسطينيين.
وهنا تبرز مفارقة مهمة: ربط السلاح بصراع محلي يعني أن مصادرته، وفق الرواية المعلنة، لم تأتِ فقط في سياق إحباط هجوم ضد إسرائيل، بل أيضاً في إطار التعامل مع وجود أسلحة غير قانونية يمكن أن تُستخدم داخل المجتمع نفسه.
وفي الوقت نفسه، لا يمكن تعميم هذه الحالة على جميع الأسلحة التي تُضبط في الخليل، فهناك حالات أخرى يعلن فيها الاحتلال صراحة عن الاشتباه في التخطيط لهجمات.
حالة مختلفة: اعتقال بدعوى التخطيط لهجوم
في 14 أيلول، أعلن جيش الاحتلال اعتقال فلسطيني في مدينة الخليل، وقال إن العملية استندت إلى معلومات من جهاز "الشاباك" تفيد، وفق روايته، بأنه كان يخطط لتنفيذ هجوم إطلاق نار ضد مدنيين إسرائيليين خلال فترة رأس السنة اليهودية.
والتمييز بين الحالتين ضروري: الأولى تتعلق بسلاح قالت شرطة الاحتلال إنه استُخدم في صراعات محلية، بينما الثانية تتعلق بشخص تتهمه السلطات بالتخطيط لعملية إطلاق نار. ولا ينبغي دمج الحالتين في توصيف أمني واحد، لأن طبيعة القضية والادعاءات المعلنة في كل منهما مختلفة.
الخليل ليست أمام حملة أولى
ما يحدث في أيلول ليس بداية الاهتمام بملف السلاح في الخليل.
ففي يناير2026، شهدت المحافظة عمليات اقتحام واعتقال وتفتيش في مناطق عدة، من بينها تفوح وترقوميا ودير سامت وبيت أمر ويطا، مع احتجاز عشرات المواطنين وإخضاع بعضهم لتحقيق ميداني.
وفي نوفمبر 2024، أعلن جيش الاحتلال مصادرة سبع مخارط في مدينة الخليل، وقال إنها تُستخدم في تصنيع وسائل قتالية.
وهذه النقطة مهمة، لأن التعامل مع ملف السلاح لا يتوقف عند الشخص الذي يحمل بندقية أو يحتفظ بمسدس، وإنما يمتد في بعض العمليات إلى المعدات التي يُشتبه في استخدامها في تصنيع الأسلحة.
وبذلك، فإن ملاحقة السلاح في الخليل ليست ظاهرة بدأت في أيلول 2026، بل هي نشاط تكرر في فترات مختلفة، وشمل الحيازة والتصنيع، إلى جانب الاعتقالات والبحث عن مطلوبين.
من بندقية في منزل إلى سلسلة كاملة
حين نتحدث عن السلاح، لا نتحدث فقط عن شخص يحمل بندقية، بل عن سلسلة أوسع يمكن أن تشمل الحيازة، والبيع والنقل، وتوفير الذخيرة، والتخزين، وورش التصنيع، إضافة إلى استخدام السلاح في النزاعات المحلية.
ويظهر هذا البعد بصورة أوضح في النشاط الأوسع بالضفة الغربية. ففي 17 أيلول، أعلن جيش الاحتلال أن قوات لواء الناحل فتشت خلال الأشهر الأخيرة أكثر من 1200 موقع، وحققت مع نحو 930 مشتبهاً، واعتقلت نحو 230 مطلوباً، كما عثرت على أكثر من 100 وسيلة قتالية، بينها بنادق M16 ومسدسات وأسلحة أوتوماتيكية وذخيرة.
وهذه الأرقام تخص النشاط الذي أعلنه الجيش في الضفة الغربية، ولا تمثل الخليل وحدها.
وتعكس هذه الأرقام، وفق الرواية العسكرية للاحتلال، مقاربة تتعامل مع السلاح باعتباره جزءاً من بنية أوسع يمكن أن تتيح تنفيذ عمليات، وليس مجرد قطعة سلاح منفردة.
لماذا يمتلك بعض الفلسطينيين السلاح أصلاً؟
لا يمكن تفسير حيازة السلاح داخل المجتمع الفلسطيني بسبب واحد، فهناك حالات ترتبط بنزاعات عائلية وشخصية، وأخرى بالحاجة إلى حماية المنازل والممتلكات، إضافة إلى التجارة وتحقيق أرباح مادية أو الارتباط بنشاط إجرامي.
وفي ظل واقع الاحتلال والاقتحامات والحواجز واعتداءات المستعمرين، قد يتولد لدى بعض الأفراد شعور بضعف الأمان، ويدفعهم ذلك إلى البحث عن وسائل للحماية الذاتية. لكن هذا السياق الاجتماعي لا يعني تبرير انتشار السلاح؛ فالسلاح الخارج عن إطار القانون يمكن أن يتحول من وسيلة يُفترض أنها للحماية إلى أداة تهديد للمجتمع نفسه.
هل يوجد قرار إسرائيلي بتوسيع حملة السلاح في الخليل؟
في المصادر الرسمية التي جرى الاطلاع عليها حتى 17 أيلول، لا تظهر وثيقة تعلن عن قرار مستقل باسم "حملة لجمع السلاح في الخليل".
لكن البيانات العسكرية الإسرائيلية خلال الفترة نفسها تُظهر أن ضبط الأسلحة ومعدات تصنيعها جزء من النشاط الأمني الأوسع في الضفة الغربية. ففي إحدى العمليات السابقة في نابلس، أعلن جيش الاحتلال ضبط وتدمير أكثر من 30 آلة قال إنها تستخدم في تصنيع الأسلحة، وهو ما يندرج ضمن مقاربة أوسع تستهدف، بحسب الرواية الإسرائيلية، البنية المرتبطة بإنتاج وتوفير وسائل القتال.
وعليه، فإن المعطيات المتاحة لا تكفي للقول بوجود حملة مستقلة جديدة في الخليل، لكنها تشير إلى استمرار التعامل مع ملف السلاح باعتباره أحد محاور النشاط الأمني للاحتلال في الضفة.
معادلة السلاح والأمن في الخليل
تكشف الوقائع المتاحة أن ملف السلاح في الخليل يتشكل من دوائر متقاطعة: دائرة مرتبطة بالنشاط المسلح والتخطيط لهجمات، ودائرة تتصل بسلسلة التصنيع والتجارة والنقل، ودائرة ثالثة تخص النزاعات والجريمة والحاجة إلى الحماية الذاتية داخل المجتمع.
ولهذا، فإن اختزال الظاهرة في بُعد واحد، سواء باعتبار كل سلاح موجهاً لمواجهة الاحتلال، أو باعتباره مجرد مشكلة اجتماعية داخلية، لا يعكس تعقيد المشهد. فبينما يعلن الاحتلال عن ضبط أسلحة واعتقال مشتبه بهم بالتخطيط لهجمات، يبقى انتشار السلاح خارج إطار القانون عاملاً يمكن أن يزيد المخاطر داخل المجتمع الفلسطيني نفسه.
وفي المقابل، فإن فهم أسباب انتشار السلاح لا يكتمل بالنظر إلى حامله وحده، بل يتطلب البحث في مصادره ومسارات وصوله، ومنظومة التجارة والتصنيع والنقل التي قد تقف خلف انتقاله من شخص إلى آخر.
فالقصة في الخليل لا تدور فقط حول من يحمل البندقية اليوم، ولماذا، بل أيضاً حول كيف وصلت إليه، ومن أين جاءت، وإلى أين يمكن أن تصل غداً.