تاريخ النشر: 2026-09-13 | 15:58
تاريخ النشر: 2026-09-13 | 15:58
تنفيذ ما فكرتُ فيه يحتاج لحدوث مُعجزة لضمان نجاحه بالكامل ، وإقناع الرئيس الهواري بومدين أن المغاربة المقيمين في بلده شيء آخر عكس ما يصفهم به في جلساته الحميمية ، قادرون متى شاؤوا وضع حد لما طفح على سطح يظهر للمتتبعين جسامة الهجمة المُخطَط لها لتستمر زمناً كافياً لترسيخ عداء متطوِّر يجعل من المغرب خطراً على الأمن القومي الجزائري ويجب التنغيص على وجوده مرحلة بعد أخري ولكل منها خطاب يناسب شعوب دول افريقية بعينيها بإضافة بعض الفرنسيين المتحمسين لإتباع ما يجعلهم أقرب للنظام الجزائري بتكتيك ابتدعته أجهزة فرنسية خاصة مهمَّتها الحصول على المعلومات من مصدرها مباشرة لتتعامل الدولة الفرنسية على ضوئها في استخلاص مواقف أحياناً مُعلنة تخدم مصالحها لا غير . الهواري بومدين مُغرم بالدعاية كان يميل لتقليد "ماوتسي تونغ" في هذا الشأن، بلغة يفهمها الشعب الجزائري دون اكتراث أغلبيته بالمصدر المقتبس منه مضامينها ، ، مع انحيازه تارة أخرى لطريقة "فديل كسترو" زعيم "كوبا" الشهير ، في تحريك الإعلام لترديد نفس الأسطوانة ، ليرتبط الشعب بحقيقة واحدة ، أن كوبا هي كاسترو ، وكاسترو هو كوبا ، ولا شي بينهما إلا استمرار تطبيق تعاليم العداء لأمريكا ، تماما كما شرع في انجازه الرئيس الجزائري تعميما لشعار : الهواري بومدين هو الجزائر ، والجزائر هي الهواري بومدين ، وما بينهما سو ى تطبيق تعاليم العداء للمملكة المغربية .
... بداية عزمتُ على تكسير التوجه الإعلامي الرسمي بإحياء لغة الضاد داخل الإذاعة الجزائرية ، فكان مسلسل "الشيطان" الذي ألفتُهُ لتنتجه نفس المؤسسة الإعلامية الهامة ، في حلقات ناطقة باللغة العربية ، الجامع كل الممثلات الجزائريات والممثلين الجزائريين العاملين في ذاك الجهاز، والمخصَّص له ميزانية تتمشَّى ومتطلبات نجاحه ، وآليات لتسجيل مؤثراته الصوتية الروسية الصنع التي وفَّرها "استديو" شارع لاَ رُوشْ بإدارة الأستاذ أحمد بولعواد ، وإسناد مسؤولية الإخراج للأستاذ "الكيطاري" التونسي الجنسية . في تقرير سري تمكَّنتُ من قراءته بوسائلي الخاصة ، رفعه جهاز المخابرات الجزائرية لرئاسة الجمهورية ، ما تشير إليه بعض الفقرات التالية المترجمة عن الفرنسية نقف على ما يلي :
" مسلسل "الشيطان" لكاتبه المغربي مصطفى منيغ جعل العديد من شوارع العاصمة تبدو شبه فارغة خلال ساعة إذاعته ، ويشكِّل الأمر ظاهرة أعادت للإذاعة الوطنية قوة الحضور الإعلامي بشكل ملفت للنظر . المسلسل سياسي في الدرجة الأولى يهدف لتغيير العقلية المسيطرة بأخرى أكثر ملاءمة مع جزائر الديمقراطية والتمتع بالمساواة بعد كفاحها لطرد المستعمر وحجم التضحيات الجسام البالغة المليون ونصف المليون من شهداء خيرة الشعب الجزائري ..."، حقيقة لم يكن هذا معبراً في العمق عن الفكرة الأساسية المشيّدة للبناء الدرامي المُصور بإيحاءات فنية مندسَّة بأسلوب مبتكر جديد خلف حوار يحتاج لذكاء المتلقي حتى يفهمَ المكنون عن الحالة الإدارية للنظام في الجزائر" . لذا بقي السؤال يُطرح بعد الانتهاء من إذاعة المسلسل في حوارات مفتوحة مع مثقفين وبخاصة المسرحيين منهم ، عن مقاصد المسلسل بتقديم شبح غير مرئي متحكم في كل شيء . لم يقتصر الأمر عند هذا الحد بل بلغ ما شجعني على الاستمرار في تنفيذ خطتي التي يحتاج نجاحها إلى حدوث معجزة كما ذكرت سابقا ، فبعد انتهائي من مناقشة مطولة مع الأستاذ الشيخ الدحاوي ذي المرتبة الموقرة والحضور الوازن داخل الإذاعة و والتلفزة الجزائرية ، تخص المسلسل الجديد "الحقيبة السوداء" الذي رغبت في تقديمه لإذاعة وهران تحت إشراف مديرها ، رغبتُ في احتساء كوب قهوة ، اتجهت للمصعد الرئيسي وضغطت على زر التوقف ، ولما فُتح الباب لم تصدق عيناي ما ترى ، الرئيس الهواري بومدين مرفوقاً بآخرين يشير إليَّ بالدخول ومصاحبتهم حيت مقهى ومطعم المؤسسة ، وهناك طلب منى الجلوس معهم وسط استغراب الحاضرين ليسألني : ماذا تقصد بالشيطان في مسلسلك ، لقد تتبعتُ حلقاته بالكامل فلم اعثر على أثره هل اعرف من يكون بواسطتك كمؤلف للعمل ؟.أجبته بهدوء واختصار لم يكن يتوقعه : قد يكون الآن بيننا ، ولا أحد يعرفه . نهض وانصرف وهو يوجه لي الكلام : سنلتقي وبصحبتي الشيطان مقيّد اليدين .(يتبع)
وجدتُ الجزائر في تلك الحِقبة امرأة دَهَنَت بالنَّفط شعرها ، لتجلب أطماع الراغبين في ودِّها ، بمقابل يطمعون في الحصول عليه منها ، براميل من الذهب الأسود ذي الرائحة الناشرة إغراءها ، لصيد مواقف تقبل بأي طلعة منها ، صوب ما تريد داخل القارة السوداء الخاضعة لتيار ثورات تنفض بها غبار ما تحياه من انتكاسات اقتصادية خانقة تقضّ مضاجع حكامها ، امرأة أدخلت طموحها لبرنامج تجميل سطَّره "الهواري بومدين" ينأى عن تَرِكَةِ مَن سبقه للزعامة لغاية التخلص النهائي القطعي من الفكر الناصري ، الذي اعتمده أحمد بنبلة مهيمناً على بلاد تريد فرنسا أن تبقى في محيط ثقافتها حتى في الجزء المؤيد لسياستها الخارجية القائمة على تفريق شمل العرب من المحيط إلى الخليج بدافع فرّق تسود ليبقى الجميع طوع بنانها . امرأة أهملتها قساوة العادات المحافظة على مبادئ لا يكتمل جمال الأنثى إلا بها ، غير الحياء المُبالغ فيه نفاقاً الملجّم للأفواه المكسِّر أي محاولة للتعبير عن رأيها ، لتبقى منعزلة طائعة للأوامر منتجة لأولادها ، أكانت مع عمرو أو زيد لا مشكلة لها ، صابرة على توجيه كبراء الأسرة في سالف كمستقبل عمرها ، ما دام الاستعمار الفرنسي جاثم على قلبها وقلوب أولياء أمورها . بعد الاستقلال وجدت مصيرها متغيّر فما استطاعت كَتْم فرحتها، حيث خرجت للدنيا مبعثِرة طاقاتها ، على هذا وذاك تلبية لهوى صاحب كرسي تربَّع فوقه ليسلب كل حقوقها ، بأسلوب نفَّذه بالتدريج ليلهيها ، ولمَّا وصل الأمر لمعاداة المغرب شعرت أنه طاعن ظهرها ، بخنجر ما فكّرت رفعه على وجه مَن كان أيام مِحنها الطوال قبل وبعد استقلالها ، أفضل وأخلص وأقوى سندٍ لها .
... تجولتُ بما يكفي لأقارن ما جئت به من معلومات وما استطعتُ إضافته في عين المكان موسِّعاً آفاق تحرُّكي المريح وصولاً لانجاز ما عزمتُ النيّة على انجازه مهما اعترضت تقدمي من عثرات ، قاطعاً المراحل بسرعةٍ لضيق تاريخ الفترة المنتهية بالشهادة فالرحيل عن هذه الدنيا ، أو تمكين الرئيس الهواري بومدين من فرصة تغيير موقفه من المغرب ، علما أن خوض مثل المعارك داخل الجزائر لا يسلم من مخاطر الفشل فتحمُّل أبشع أنواع العقاب المصحوب بالانتقام الأعمى المنعدم الشفقة أو الرحمة ، لكن التأنِّي المُحكم الارتباط بذكاء التنقُّل بين الوقت المناسب والمكان الأنسب ، يؤهل الاستمرار تحت نفس الغطاء ، لدرجة الشعور بالارتياح ، مع التغلُّب على الغرور "هدية الطبيعة لذوي النفوس الضعيفة" كما وصفته الأديبة الفرنسية "جورج ساند" ، و التمكن من قناعة لا تقل أهمية ، أن الذكي من يقر بوجود من هو اذكي منه بكثير ، خاصة وجهاز المخابرات التابع لأوامر الهواري بومدين يتوفر على عناصر قوية التدريب مزودة بآخر الآليات التقنية ابتكاراً الحاسبة على الهدف المشكوك فيه حتى الأنفاس ، أما العملاء الخارجين من دائرة الضوء ، فمصيبة أخرى تحتاج لجهدٍ استثنائي لتفادي شرورها الجزئية كالكلية .
... بعد مسلسل "الشيطان" واللقاء الصدفة الذي تمَّ بيني والرئيس الهواري بومدين ، أصبحتُ جذ معروف بين شرائح عدة من المجتمع في العاصمة ووهران وغيرهما من المدن الكبرى ، من تلك الشرائح نخب ميادين شاغلة وظائف مهمة في الدولة ، والمنضوية بعضها تحت لواء جمعيات ، أكانت ثقافية التوجه فنية الميول ، أو سياسية تحاول الإقلاع بمنظور مؤيد للنظام ، باستثناء أقلية معارضة بقيت وفية لأحمد بنبلة الموضوع في اقامة جبرية منعزلا عن العالم بأمر شخصي من صديق دربه الهواري بومدين .
ذات صباح اتصل بي أحد مساعدي المدير العام للإذاعة والتلفزة الجزائرية طالبا مني مرافقته للوقوف على أمر يخصني ، لبيت الأمر بكل سرور وتبعته لغاية مكتب أدخله لأول مرة يمثل محور تلك المؤسسة بواسطة مدير متمتع بصلاحيات تنفيذية مرتبطة بكل الاختصاصات الإعلامية الملونة بإرادة رئيس دولة ، يريد بواسطتها أن يكون الكل في الكل 24 ساعة على 24 ساعة ، وما يتطلبه الفاعل من مجتهدين ومبتكرين وأصحاب أفكار تبسط المطلوب بما يقرّب لعقول المواطنين ، بما يُذاع صوتاً أو يُرى صورةً ما يبذله الرئيس من مجهود لخلق دولة معاصرة قوية تليق بجزائر القرن العشرين الذائعة الصيت لدى المحافل الثورية عبر العالم ، ذات الكلمة المسموعة وبخاصة في دول عدم الانحياز والعديد من الأقطار الأسيوية وبعض الدول العربية ، بتحفظ يخفي ما يقلل من عدم اهتمام بالأخيرة لأسباب سأتطرق إليها لاحقا . رحَّب بي السيد المدير بكلمة مدح جعلتني أتأكد أن مسلسل "الشيطان" أدى أعظم دور خدمة للشخصية التي أصبحتُ مميَّزاً بمكانتها في عالم الكتابة الهادفة للتأثير الإيجابي على المجال السياسي صلب تدبير الشأن العام في بلد حديثة العهد بالاستقلال ، طبعاً السيد المدير لم يقتصر على إبداء رأيه في عملي السريع التقدم لما أحظى به من تقدير مُشرِّف ، بل نقل لي رغبة الرئيس الهواري بومدين أن أتولَّى إنتاج برامج تهدف شرح مضامين الثورات الثلاث المصاحبة انبعاث نظام جديد ، ينقل جزائر الحاضر إلى جزائر المستقبل ، بواسطة شجرة تدبير متكامل التنظير والتطبيق ، بفروع ثلاثة : الثورة الثقافية ، والثورة الصناعية ، والثورة الفلاحية ، وقد كُلّف أن يزودني بكل الدراسات المعمولة من طرف خبراء ، كل في مجال تخصُّصه وأيضاً ملاحق تفصيلية مع وثائق أخرى تكميلية ، المطلوب مني قراءة كل مضامين مثل الملف الضخم الذي وضعه بين يداي للخروج منه بمشاريع برامج تذاع صوتا وصورة وفق ترتيبات زمنية سنحددها فيما بعد ، المهم أمامي أسبوعا واحدا لا غير ابتداء من الآن كي نلتقي في اجتماع خاص للاطلاع على نتاج اجتهادي في الموضوع ، وأخيرا أبلغني بوضع الإدارة كل احتياجاتي المادية وغيرها تصلني أولا بأول ، وإن احتجتُ لإضافات أخرى ما عليَّ إلاَّ الاتصال به شخصياً ، مماَّ يجعل إقامتي مريحة وتنقلاتي مهما كانت الوِجهة فورية ، وقبل أن يودّعني بأدب جم ، التمس مني أن أبقِي الموضوع برمته في طي الكتمان وشروط السرية المُطلقة. (يتبع)