تاريخ النشر: 2026-09-13 | 16:51
تاريخ النشر: 2026-09-13 | 16:51
لم يعد الحديث عن عنف المستوطنين في الضفة الغربية مجرد حديث عن تجاوزات فردية أو اعتداءات متفرقة يقوم بها أفراد خارجون عن القانون. فالتطور الأكثر أهمية في الموقف البريطاني الأخير يتمثل في انتقال الخطاب الرسمي من إدانة عنف المستوطنين إلى توصيف ما يجري بأنه جزء من ممارسات تستهدف دفع الفلسطينيين إلى مغادرة أراضيهم، مع تحميل الحكومة الإسرائيلية مسؤولية سياسية عن دعم هذه الممارسات أو غض الطرف عنها.
وتكمن أهمية هذا التطور في أنه يضع قضية الضفة الغربية في إطار مختلف تماماً. فحين تستخدم دولة غربية كبرى تعبير “التطهير العرقي”، فإن المسألة لا تعود مجرد توصيف سياسي أو أخلاقي، بل تفتح الباب أمام بحث مجموعة من الأفعال التي يعرفها القانون الدولي باعتبارها جرائم، وفي مقدمتها التهجير القسري للسكان، والاضطهاد، والاستيلاء غير المشروع على الأراضي، وتغيير التركيبة السكانية للأرض المحتلة.
ومع ذلك، فإن الدقة القانونية تقتضي الإشارة إلى أن “التطهير العرقي” ليس جريمة مستقلة بذاتها في نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، ولا في اتفاقيات جنيف. وإنما هو مفهوم سياسي وقانوني وصفي يشير إلى سياسة تهدف إلى إزالة جماعة سكانية من منطقة جغرافية معينة بواسطة القوة أو التهديد أو وسائل الإكراه. أما الأفعال التي تتكون منها هذه السياسة، فقد تشكل جرائم حرب أو جرائم ضد الإنسانية، بحسب طبيعتها وسياقها والقصد وراء ارتكابها.
وهنا تكمن خطورة ما يحدث في الضفة الغربية، فالاحتلال لا يمنح المحتل حق تغيير السكان. حيث أن القانون الدولي الإنساني وضع قواعد واضحة للتعامل مع الأراضي المحتلة. واتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949، التي تحمي المدنيين في زمن الحرب والاحتلال، تحظر في مادتها التاسعة والأربعين النقل القسري للأشخاص المحميين من الأراضي المحتلة، كما تحظر على دولة الاحتلال نقل أجزاء من سكانها المدنيين إلى الأراضي التي تحتلها.
ولم يكن هذا النص مجرد قاعدة نظرية. فقد أصبح أحد أهم الأسس القانونية التي استند إليها المجتمع الدولي في اعتبار الاستيطان الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية المحتلة غير مشروع.
والأهم أن المحكمة الدولية، في رأيها الاستشاري الصادر في يوليو 2024، لم تتعامل مع الاستيطان باعتباره قضية منفصلة عن منظومة الاحتلال، بل ربطت بين الاستيطان والضم وتغيير التركيبة الديموغرافية للأرض المحتلة، وخلصت إلى أن استمرار الوجود الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية المحتلة أصبح غير قانوني، وطالبت بإنهائه في أسرع وقت ممكن.
وبذلك، فإن نقل السكان الإسرائيليين إلى الضفة الغربية لا يمكن النظر إليه باعتباره مجرد بناء أحياء سكنية جديدة. فعندما يقترن ذلك بمصادرة الأراضي الفلسطينية، وبناء الطرق والبنية التحتية، وتوسيع المناطق الخاضعة للمستوطنات، وإخلاء الفلسطينيين من أراضيهم، يصبح الأمر متعلقاً بمحاولة إعادة تشكيل الواقع الديموغرافي والسياسي للأرض المحتلة.
ربما تكون أخطر نقطة في هذه القضية هي مفهوم “البيئة القسرية”.
فالقانون الدولي لا يشترط دائماً أن يحمل جندي الفلسطيني من منزله بالقوة حتى يصبح الحديث عن التهجير القسري ممكناً. فإذا تعرض السكان إلى سلسلة من الإجراءات والاعتداءات والتهديدات والمصادرات وهدم المنازل ومنع الوصول إلى الأراضي الزراعية، بحيث تصبح الحياة الطبيعية والبقاء في المكان أمراً بالغ الصعوبة أو مستحيلاً، فإن السؤال القانوني ينتقل من: “هل طُرد الفلسطيني؟” إلى: “هل أُجبر على الرحيل؟”
وهنا يصبح عنف المستوطنين جزءاً من الصورة الأكبر في خلق البيئة القسرية. فالاعتداء على قرية فلسطينية، وتدمير المنازل أو الممتلكات، وإحراق المحاصيل، وقطع الأشجار، ومنع السكان من الوصول إلى أراضيهم، ثم ترك الجناة من دون محاسبة فعالة، ليست بالضرورة أحداثاً منفصلة. وإذا تكررت بصورة منهجية وأدت إلى إفراغ مناطق معينة من سكانها، فقد تصبح جزءاً من نمط يندرج ضمن التهجير القسري. وهذا ما يجعل مسؤولية الدولة مسألة لا يمكن فصلها عن مسؤولية الأفراد.
الحماية القانونية للفلسطينيين لا تستند إلى اتفاقية جنيف الرابعة وحدها. هناك منظومة واسعة من قواعد القانون الدولي لحقوق الإنسان، بما فيها العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، والعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، واتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز العنصري، واتفاقية حقوق الطفل، وغيرها من الصكوك الدولية التي تحمي الحق في الحياة والأمن، والملكية، والسكن، وعدم التمييز، وحرية التنقل، والحق في الحياة الأسرية، والحق في تقرير المصير.
والأهم أن أي احتلال لا يملك إلغاء هذه الحقوق. بل إن محكمة العدل الدولية أكدت أن التزامات إسرائيل كدولة إحتلال، وبموجب اتفاقيات حقوق الإنسان ذات الصلة تستمر هذه الإلتزامات في الأراضي التي تمارس فيها إسرائيل الولاية والسيطرة الفعلية، بالتوازي مع التزاماتها بموجب القانون الدولي الإنساني.
ومن هنا فإن أي سياسة تؤدي بصورة ممنهجة إلى حرمان الفلسطينيين من أراضيهم أو مساكنهم أو مصادر رزقهم، أو تعرضهم للعنف والترهيب بسبب هويتهم القومية، لا يمكن النظر إليها فقط باعتبارها قضية أمنية إسرائيلية داخلية. بل إنها قضية حقوق إنسان وقانون احتلال وقانون جنائي دولي في الوقت نفسه.
هناك طبقة قانونية أخرى أكثر عمقاً.
فالشعب الفلسطيني يتمتع، وفق القانون الدولي، بحق تقرير المصير.
وهذا الحق لا يعني فقط إقامة دولة في المستقبل، بل يعني أن السكان الأصليين للأرض لا يجوز حرمانهم بصورة منهجية من القدرة على تقرير مستقبلهم السياسي والاقتصادي والاجتماعي.
وعندما تستمر السيطرة العسكرية، ويتوسع الاستيطان، وتصادر الأراضي، ويجري تغيير الواقع الديموغرافي، وتُجزأ الأراضي الفلسطينية إلى مناطق منفصلة، فإن السؤال يصبح: هل لا تزال هذه الإجراءات مجرد ممارسات احتلال، أم أنها أصبحت وسيلة لمنع ممارسة الشعب الفلسطيني لحقه في تقرير المصير؟
محكمة العدل الدولية أجابت على هذا السؤال في رأيها الاستشاري لعام 2024 بوضوح بالغ، عندما ربطت بين سياسات إسرائيل وممارساتها وبين انتهاك حق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير.
وهذا يجعل الاستيطان ليس فقط مشكلة قانونية تتعلق بالأرض، وإنما مشكلة تتعلق بحق شعب كامل في تقرير مستقبله.
هنا دور المحكمة الجنائية الدولية.
حيث تنتقل القضية من مسؤولية الدولة إلى المسؤولية الفردية.
نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية يجرّم مجموعة من الأفعال التي يمكن أن تكون ذات صلة مباشرة بما يحدث في الضفة الغربية، من بينها النقل غير المشروع للسكان، والنقل أو التهجير القسري، والاضطهاد، وبعض صور الاستيلاء على الممتلكات والتدمير غير المشروع.
وهنا ينبغي عدم الخلط بين المسؤولية السياسية والمسؤولية الجنائية.
إذا ثبت أن الأفعال جزء من سياسة واسعة أو منهجية، وأن هناك أشخاصاً شاركوا في التخطيط أو التحريض أو التسهيل أو الأمر أو المساعدة، فقد تصبح المسؤولية الجنائية الفردية موضع بحث.
والأمر نفسه ينطبق على المسؤولين الذين يملكون القدرة على منع الجرائم أو معاقبة مرتكبيها، ثم يتعمدون الامتناع عن القيام بذلك، بحسب الوقائع التي يمكن إثباتها.
ولهذا فإن تصريحات الوزراء الإسرائيليين، والقرارات الحكومية، وخطط الاستيطان، وتخصيص الأراضي، والميزانيات، وأوامر الإخلاء، وطريقة تعامل الأجهزة الأمنية مع عنف المستوطنين، كلها يمكن أن تكون ذات أهمية في تحديد طبيعة السياسة المتبعة والمسؤولية عنها.
وهنا من المستوطن الفرد إلى سياسة الدولة. تكمن النقطة الأكثر حساسية في الموقف البريطاني.
لو أن لندن قالت إن “بعض المستوطنين يرتكبون جرائم”، لبقيت القضية في نطاق المسؤولية الفردية.
لكن عندما تتحدث الحكومة البريطانية عن ممارسات تهدف إلى تهجير الفلسطينيين، وتربط ذلك بموقف الحكومة الإسرائيلية، فإنها تقترب من سؤال أكثر خطورة:
هل نحن أمام عنف أفراد، أم أمام عنف يجد بيئة سياسية وقانونية وإدارية تسمح باستمراره؟
وهذا السؤال لا يمكن حسمه بالتصريحات وحدها، وإنما يحتاج إلى أدلة. لكنه سؤال مشروع قانونياً، خصوصاً في ضوء ما خلصت إليه محكمة العدل الدولية بشأن البيئة القسرية، والاستيطان، والضم، وتغيير التركيبة الديموغرافية.
المسألة لا تتوقف عند إسرائيل.
فالقانون الدولي لا يفرض التزامات على دولة الاحتلال وحدها، بل يضع أيضاً التزامات على الدول الأخرى.
فإذا كانت دولة ما تعلم أن واقعاً غير قانوني مستمر، فإن السؤال يصبح: هل تتعامل معه باعتباره واقعاً عادياً، أم تتخذ خطوات لمنع ترسيخه؟
وهذا يكتسب أهمية خاصة بعد رأي محكمة العدل الدولية لعام 2024، الذي أكد التزام الدول بعدم الاعتراف بالوضع غير القانوني الناشئ عن السياسات والممارسات الإسرائيلية، وعدم تقديم العون أو المساعدة في الإبقاء عليه.
ومن هنا يمكن فهم الإجراءات المتعلقة بالتجارة مع المستوطنات ليس باعتبارها مجرد عقوبة سياسية، وإنما باعتبارها محاولة لتطبيق مبدأ قانوني أوسع: عدم التعامل مع المستوطنات وكأنها جزء طبيعي أو مشروع من الإقليم الإسرائيلي.
ونخلص إلى أن خطورة التطورات الأخيرة لا تكمن في استخدام مصطلح “التطهير العرقي” وحده.
فالاسم السياسي لا يصنع الجريمة.
بل الجريمة تنشأ من الأفعال، والسياق، والقصد، والسياسة التي تجمعها.
لكن أهمية المصطلح أنه يضع هذه الأفعال داخل صورة واحدة: الاستيطان، ومصادرة الأراضي، وعنف المستوطنين، والتهجير، وعدم المحاسبة، وتغيير الواقع الديموغرافي.
وعندما تتقاطع هذه الممارسات، يصبح السؤال القانوني أكثر جدية:
هل نحن أمام مجموعة من الانتهاكات المنفصلة، أم أمام نمط من الأفعال قد يهدف، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، إلى جعل الوجود الفلسطيني في مناطق معينة من الضفة الغربية غير ممكن؟
إذا أثبتت الوقائع، وفق معيار الإثبات المنطبق أمام الجهة القضائية المختصة، وجود هجوم واسع النطاق أو منهجي موجّه ضد سكان مدنيين، وأن التهجير أو الاضطهاد ارتُكبا مع العلم بهذا الهجوم، فقد تثار مسؤولية جنائية فردية عن جرائم ضد الإنسانية، من دون أن يعني ذلك أن الوصف القانوني قد حُسم مسبقاً أو أن كل واقعة عنف تدخل تلقائياً في هذا النطاق. كما قد تثار، بحسب الوقائع والعناصر القانونية ذات الصلة، مسؤولية عن جرائم حرب، بما في ذلك النقل غير المشروع أو التهجير القسري، أو التدمير والاستيلاء غير المشروعين على الممتلكات. وتُحدَّد مسؤولية كل شخص على حدة، استناداً إلى أفعاله أو مساهمته المقصودة، أو حيث تنطبق الشروط القانونية، إلى قواعد المسؤولية عن الأمر أو التحريض أو المساعدة أو المساهمة، ولا تنشأ المسؤولية الجنائية لمجرد شغل منصب حكومي أو الانتماء إلى جماعة معينة.
وهنا تحديداً يصبح موقف بريطانيا مهماً.
فإذا بقي وصف “التطهير العرقي” مجرد بيان سياسي، فلن يغير كثيراً.
أما إذا تحول إلى سياسة دبلوماسية واقتصادية وقانونية تقوم على محاسبة المسؤولين، ووقف التعامل مع المستوطنات، وملاحقة الجرائم، ودعم آليات العدالة الدولية، فإننا نكون أمام انتقال حقيقي من لغة الإدانة إلى لغة المسؤولية.
وهذه هي النقطة التي ينبغي مراقبتها في المرحلة المقبلة.