الأصدقاء الأعزاء متابعي أمد للإعلام .. هناك عملية نقل من مطور لآخر ما قد يؤثر على نشر الأخبار لفترة قصيرة! ...

مخيم جنين.. مخيم البطولة

مخيم جنين.. مخيم البطولة

تاريخ النشر: 2023-02-05 | 08:49

لا تزيد مساحة مخيم جنين عن كيلو متر مربع واحد، بينما يربو عدد سكانه على سبعة عشر ألفا من اللاجئين الذين هُجروا من منطقة حيفا وقرى جنين المحتلة عام 1948، مثل قرى زرعين والمنسي والمزار ونورس والنغنغية وإجزم، وعين حوض والخضيرة وصبارين. وعلى الرغم من صغر مساحته، إلا أن رمزية المخيم تجاوزت حدود المكان والزمان والأرقام الإحصائية، واستقرت عميقا في وجدان الشعب الفلسطيني وسجلّ نضالاته المجيد. بل إنها تجاوزت حدود الأراضي الفلسطينية المحتلة، فبات المخيم نموذجا عالميا وإنسانيا لقدرة الكف على مناطحة المخرز، وانتصار الدم على السيف.

أتاحت لنا جولة نظمها مجلس منظمات حقوق الإنسان الفلسطينية التعرف عن كثب على الناس، وعلى تفاصيل المجزرة المروعة التي ارتكبتها قوات الاحتلال صباح 26/1/2023 فأوقعت عشرة شهداء وعددا كبيرا من الجرحى. استمعنا إلى شهادات ذوي الضحايا والأطباء وطواقم الإسعاف وممثلي المؤسسات، وقصص الألم والقهر والبطولة. هنا ينطبق القول الشائع " الرؤية ليست مثل السمع"، فمن يسمع الأخبار من بعيد ومن اعتاد على إحصاء المذابح والانتهاكات والنظر إليها كأرقام ليس كمن يعاين الواقع على الأرض ويستمع لممثلي المؤسسات ولابنة الشهيدة، والطبيب الذي أشرف على استقبال الشهداء ومعالجة الجرحى، والطفل الذي ما يزال مسكونا بالرعب الذي شاهده بأم عينه.

تضافرت عوامل عديدة لتنسج قصة البطولة الحية والمستمرة، من بينها التاريخ المباشر لمحافظة جنين في الثورة الفلسطينية الكبرى، وخصوصا حركة الشيخ الشهيد عز الدين القسام الذي خاص معركته الأخيرة واستشهد في أحراش يعبد، والمعارك الضارية التي خاضها الجيشان الأردني والعراقي لحماية جنين وإنقاذها من الاحتلال عام 1948 حيث ما زالت قبور الشهداء شاهدة على ذلك. ثم حجم القهر والألم الذي حمله الناجون من القرى المهجرة ومذابح النكبة معهم وأورثوه إلى أبنائهم الذين ما زالوا يحفظون تفاصيل قراهم السليبة، الباقية أراضيها وأطلاها على مرمى النظر. ومن العوامل الحديثة مناخ الوحدة الوطنية الراسخة التي تجسدت في أبهى صورها خلال معركة مخيم جنين البطولية في الانتفاضة الثانية في نيسان 2002، فذكريات هذه المعركة ودلالاتها قدمت دليلا عمليا حاسما على أهمية الوحدة الوطنية، التي أثبتت المعركة والمعارك الكثيرة التالية، أنها ليست مجرد شعار، بل قوة مادية ومعنوية هائلة. كما كان مخيم جنين، ومحافظة جنين حاضرين بقوة مميزة في الملحمة الأسطورية لعملية التحرر الذاتي لأسرى سجن جلبوع، ثم في تشكّل أنوية الموجة الجديدة لعمليات المقاومة خلال العام الماضي والتي بدأت في جنين وانتشرت إلى نابلس وباقي محافظات الضفة، وكانت وما زالت تؤرّق الاحتلال وتقض مضاجع قادته الذي يصرون على النظر إليها كظاهرة أمنية يمكن استئصالها بالاغتيالات والاعتقالات، ولا يستطيعون رؤية الجانب الوطني في هذه الظاهرة، من حيث كونها تعبيرا عن توق شعب رازح تحت الاحتلال للحرية.

وبسبب رمزيته التي تمثل تحديا استراتيجيا للمحتل الساعي إلى إخضاع الفلسطينيين، واجتثاث أي حالة مقاومة أو اعتراض على سياساته ومخططاته، كان مخيم جنين هدفا دائما لعشرات عمليات الاجتياح والإعدامات الميدانية.

في كل عائلة شهيد، وفي كل زاوية معركة، وفي كل زقاق قصة بطولة يرويها الكبار ويتفتح وعي الصغار عليها. هنا استشهدت ماجدة عبيد، وعلى مدخل الحارة أعدم وسام أبو جعص وداست المركبة العسكرية جثمانه، وهذه أنقاض منزل الصايغ الذي قُصف بقذائف الأنيرجا "الحارقة" فدُمّر واستشهد كل من كانوا فيه، وهناك ودعت أم العبد الشهيد عز الدين صلاحات صديق ابنها الشهيد جمال، وغطته بالكوفية وغنت له ما تغنيه الأمهات لأبنائهن الشهداء. وعلى الجدران تزدحم صور الشهداء: شبابا في عمر الورد، أمهات وأطفالا، معلمين وأطباء وعمالا وطلبة، بين هؤلاء ثمة مكان مميز للشهيدة شيرين أبو عاقلة التي يعتبرها أهل المخيم منهم، وبسرعة احتلت صورة خيري علقم مكانتها بين شهداء المخيم إلى جانب صورة عدي التميمي، وعند مدخل المخيم صنع فنانون محلّيّون من بقايا القذائف والقنابل مجسما لحصان في مشهد ينطق بالمفارقات المأساوية، كيف يُنتج الضحايا من أدوات الموت عملا جماليا؟ وحتى لا يذهب الناظر بعيدا في خياله تُذكّره صور الشهداء التي تزنر دوار الحصان بالحقيقة التي ما زالت ترعف دما.

أكثر من 300 جندي شاركوا في تنفيذ المجزرة الأخيرة، خلافا لغرف الرقابة والسيطرة المركزية التي أشرف عليها قادة دولة الاحتلال وجنرالاتها، تحكُّم مطلق بالاتصالات والطرق والمُسيرات والمروحيات، وقوات إضافية كانت في حالة تأهب حول المخيم وفي المعسكرات القريبة.

التدمير شبه الكامل للمخيم خلال معركة 2002 لم يفلح في مسحه عن خريطة المقاومة. وألم الفقدان الذي يتقاسمه أهل المخيم ويتشاركونه زاد من تماسكهم وتلاحمهم، بل زاد من تمسكهم بحقوقهم. تُلخِّص الناشطة فرحة أبو الهيجا عضو اللجنة الشعبية للمخيم المعادلة بالقول "لقد سلبونا أرضنا وممتلكاتنا، ودمروا بيوتنا، لكنهم لم يسلبوا إرادتنا".

البطولة ليست مجرد حالة عاطفية ومشاعر متأججة في الصدور، فالمخيم بحاجة إلى عوامل صمود مادية، وإلى خدمات طبابة وتعليم وبنية تحتية، وعناية بالأطفال والشيوخ والأشخاص ذوي الإعاقة، وسائر الخدمات الاجتماعية، إلى جانب ترميم وإصلاح ما دمره الاحتلال. وفي ضوء التقليصات المستمرة للخدمات التي تقدمها وكالة الغوث (الأونروا) وتطال الخدمات الأساسية، وعدم شمول بعض خدمات السلطة للمخيمات، ثمة حاجة مُلحّة لإسناد المخيم وتوفير مقومات الصمود عبر حملة وطنية محلية وخارجية تتعاون فيها المؤسسات الرسمية مع مؤسسات المجتمع المدني وروابط الجاليات ولجان التضامن مع فلسطين.

مخيم جنين، بشهدائه وجرحاه وأسراه وأطفاله وعموم سكانه هو المخيم الذي صوّب البوصلة، فرفع روحنا المعنوية، وانتشلها من وهدة اليأس إلى آفاق الأمل والتفاؤل بالحرية والاستقلال طالما أن لدينا شعبا لا يلين كما هم أهل مخيم جنين.

×
أخبار
رئيس ورزاء قطر: إسرائيل تتصرف بتهور ولا تلتزم بتعهداتها وتواصل القتل  وثائقي "نازا" يثير سجالاً حاداً داخل إسرائيل حول آليات الاستهداف والذكاء الاصطناعي في غزة استراتيجية واشنطن في الصومال: تأمين الممرات البحرية على حساب الاستقرار الوطني دراسة: الحرب في الخليج تكشف حدود البدائل وتدفع نحو "هندسة تعدد المسارات" التمويل القطري لجامعة كورنيل يصل لـ 3.38 مليار دولار بعد كشف عقود جديدة من الوساطة إلى هندسة الاستقرار: لماذا يتصدر السودان أولويات الرياض؟ ترامب يكشف عن اتفاق مع الحوثيين.. ويعلن انفتاحه على لقاء الرئيس الإيراني المونيتور: نتنياهو يسعى لتوظيف التهديد الحوثي لدفع التطبيع مع السعودية قبل الانتخابات المتطرف بن غفير يقتحم المسجد الأقصى بحماية قوات الاحتلال.. والأوقاف تستنكر دعوات لواشنطن لبناء "خريطة معمارية" لتتبع شبكات تمويل الإخوان المسلمين وحماس جيش الاحتلال يعدم شابا في جنين ويعتقل آخر في رام الله - فيديو وصور تقرير يكشف تضاربًا بين السجلات الداخلية والبيانات العامة لضحايا الجيش الأمريكي في حرب إيران السيسي خلال استقباله مدير المخابرات الأمريكية: نرفض أي اعتداءات على الدول العربية وندعم اتفاقاً شاملاً مع إيران الصحة: ارتفاع ضحايا حرب الإبادة على قطاع غزة إلى 73,910 شهيدا ألمانيا: انتخابات في ولايتين تهدد بإحداث صدمة جديدة لميرتس خانيونس: مستشفى الكويت الميداني يعلن التوقف عن العمل في جميع الأقسام باستثناء الطوارئ هرتسوغ والجريمة المركبة! جيش الاحتلال وفرق الإرهاب الاستيطاني تنفد حملة اقتحامات اعتقالات واسعة في القدس والضفة الإمارات توضح رسميا ما حدث قبل 7 أكتوبر حول اتصال بن زايد مع نتنياهو رضائي يحدد 7 شروط إيرانية لعودة المفاوضات مع أمريكا ترامب يقطع إجازته ويعود للبيت الأبيض وسط تحذيرات من تصعيد محتمل استطلاع: غالبية الناخبين اليهود في أمريكا قلقون من تأجيج نتنياهو لمعاداة السامية تقرير: الحرب على إيران تمنح موسكو مكاسب استراتيجية وتكشف أزمة الذخائر الأمريكية 3 قراءات تاريخية توضح أسباب رسوخ صعود حزب "البديل" في شرق ألمانيا خلافات داخلية تهدد آمال الديمقراطيين في استعادة الكونغرس في أميركا صحيفة: الثورة التي يتعين على إسرائيل إدراكها قبل فوات الأوان الطيبي يلوح بخطوات برلمانية حاسمة لإسقاط ائتلاف نتنياهو الحاكم "هيئة الجدار": 14 هجوماً للمستوطنين الإرهابيين منذ صباح السبت خبراء من الحرس الثوري زاروا باب المندب لبحث تركيب رادارات تركيا تلغي ترخيص "بنك ملت" الإيراني وتوقف رحلات "ماهان إير"

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط