الأصدقاء الأعزاء متابعي أمد للإعلام .. هناك عملية نقل من مطور لآخر ما قد يؤثر على نشر الأخبار لفترة قصيرة! ...

قصة - خِلْوة شَرعيّة ( المتوكل طه )

قصة - خِلْوة شَرعيّة ( المتوكل طه )

تاريخ النشر: 2017-02-12 | 15:37

هذه هي الحرب الثالثة على غزّة . والحرب تُعَرّي أهلها . وفي الحرب نصبح أُناساً آخرين . وما زلنا في هذه المدرسة ، التي تحوّلت إلى نُزلٍ كبير يضمّ أكثر من عشرين أُسْرة لاذت بها ، باعتبارها مدرسةً تابعةً لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين الدولية ( الأُونروا) ، وهذا قد يجعلها في منأى عن القصف والخسف والاستهداف .

لم يعد لدينا شموع لنوقِدها داخل الغرف ليلاً ، وربّما لم نعد بحاجة إليها ، فوَميض قصف الطائرات ، الذي يخبز العمارات والورش والمشافي ، كافٍ لأنْ يُحيلَ الليلَ إلى نهارٍ جهنّمي .

 ولم يتبقَ الكثير من الطعام ، غير صناديق البصل والبطاطا وأكياس الجزر ورُزَمِ الخبز الذي تيبّس .  أمّا الماء ، فقد تمّ قصف الخزّان الكبير ، ولم يتبقَ لدينا سوى ما احتوته الخزّانات الصغيرة الواقعة فوق حمّامات المدرسة ، لهذا فإن مَن يدخل ، لقضاء حاجته ، عليه ألا يستعمل الماء ، بل يكتفي بالمناديل الورقية ، التي نفدت .. فراحوا يستعينون بقطع القماش الممزّقة .

 وعندما كانت الطائرات تئزّ وتخترق الأجواء ، وتترك خلفها عواميد العجاج الأسود والغبار والدخان والدمار والركام والجثث المتناثرة ، كنّا نتجمّع حول بعضنا البعض ، كأننا بالتصاقنا والتحامنا نحمي أنفسنا من حمولة الجحيم . وكان من الطبيعي أن تنام النساء في غرف على المقاعد أو على فِراش خفيف ، فيما ينام الرجال في غرفٍ أخرى وفي الممرات .. هذا ، إذا استطاعوا أن يناموا ! فلا شاي ولا قهوة ولا سجائر ، إضافة إلى الخوف الذي يُهَجِّر النّعاس .

ولا أدري مَن الذي اقترح على نزلاء المدرسة فكرة صِلة الأرحام ! ؟

إذ اجتمع الرجال بعد أن أخرجوا الأطفال والفتيان إلى الساحة ، وعقدوا اجتماعهم الأوّل ، الذي تداولوا فيه ضرورة تكريس غرفة  ، لكي يختلي كلُّ رجل فيها مع زوجته ، لمدة نصف ساعة ، وتُعْرَف  بِغُرفة صِلة الأرحام .. وهكذا ، ليخفّفوا عن أنفسهم أثقال هذه الحرب الرّهيبة .

احتجّ بعضُهم لأنّ هذا ليس بالتوقيت المعقول ، وأن الظرف غير مناسب للمُعاشرة ، بل مَن لديه الرّغبة في أنْ يباضع امرأته تحت القصف ؟ وكيف سيقوم له قائم ؟

قال آخر : حتى وإنْ حدث هذا ، فمِن أين لنا بالماء لإزالة الجنابة ؟ فردّ عليه أحدهم : نتيَمَّم يا أخي ! 

ثم توجّه الرجال بحديثهم إلى الشيخ عثمان مؤذّن جامع المخيّم ، للوقوف على رأيه ؟

صمتَ الشيخُ ثمّ قال : لماذا لا نُسمّيها غرفة الخِلْوة الشرعية ، فإنّها تسمية " خِلْوِه كثير " .. وانفجر ضاحكاً ، وقهقه حتى كاد أنْ يسقط عن مقعده ، فضحك الرجالُ على ضحكه ، كأنّما انتابتهم عدوى جنون انفلات الضحك ! حتى إذا هدأوا ساد صمتٌ ثقيل ضارٍ ، لم تكسره سوى زخاتٌ متقطّعة بعيدة ، من رصاصٍ غليظ ، تبعته أصداء قصف وتهشيم وصراخ ، يمور بالفزع والاستغاثات المشروخة .

واستدرك الشيخ : إنّ هذا أقرب إلى التقوى وتحصين الذات ، وأجدها فرصة لكلّ واحدٍ ليفشّ خلقه في فِعْلٍ حلال ، ولا أرى مانعاً له ، بل إنّه الثَواب بعينه ..

فوقف الأستاذ عطا ، كأنه يخطب : يا إخوان ، إن العدوّ  يقتل المئات منّا يومياً .. وعلينا أن نُعَوّض هذا الخُسْران بمواليد جدد ، وسلاحنا الأكثر مَضاءً هو القنبلة  السُكّانيّة ! هم يريدون شطبنا وإلغاءنا ومحوَنا من الوجود .. ونحن سنبقى هنا ، نتكاثر ونتوالد ونملأ الدنيا صغاراً ، يكبرون لمواجهة هذه العدميّة الماحقة .. ولهذا فأنا أؤيّد بشدّة هذه الفكرة الوطنيّة الخلّاقة .

ونظر القوم إلى عبدالله المحامي ، فقال : يا جماعة ، منذ أسبوعين لم نستحمّ ولم تغتسل نساؤنا ، ألا تلاحظون روائح العَرق والإفرازات الخانقة والخراء الذي عبّأ الدنيا ؟ عداك عن الفضيحة التي سيلاحظها أولادنا .. والله إنّي أخجل مِن فعل ذلك !

وهنا هبّ حسام ، ولم يكن قد مرّ على زواجه شهر : يا عمّي ، لا حياء في الدّين ، ثم إن الواحد منّا لا بدّ له إلا أن يمارس إنسانيته ، مهما كانت الظروف .. ألم تسمعوا أنّهم يُحضِرون فِرقاً موسيقية إلى الجبهات ليُرَفّهوا عن الجنود المُقاتلين ! فلماذا لا نُرَفِّه عن أنفسنا .. ما المانع .. ها ؟ وقد تطول الحرب .. فماذا سنفعل ؟

وتساءل أبو غسان : طيّب إذا انقصفنا ونحن ..

ضحكوا .. فقال الشيخ عثمان : والله ستكون ميتة رائعة ! وقهقه .. ثمّ أردف : إن الموت مُقدَّرٌ ومحتوم ، ولا يدري الواحدُ متى تكون منيّته ، فالأعمارُ بيد الله سبحانه وتعالى .. ولا داعي للتشاؤم .

وبالتأكيد ، فإنهم لاحظوا أنّ عبدالله المُحامي يهزّ رأسه استنكاراً لما يُقال !

ما بكَ يا أخ عبدالله ؟ سأله أبو غسان ..

فأجاب : والأصوات !

أيّ أصواتٍ تعني ؟

قال : أصوات الغنج والرّهز والتأوّه والنّحيب .. فانفرطوا ضاحكين  ! ما أغضبَ المحامي ، وجعله يجلس وقد أدار ظهرَه لهم .. وهو يغمغم : ليس للخردوات أحاسيس ناعمة !

قال الشيخ عثمان : لدي فكرة !

ما هي يا شيخ ؟

أن تكون غرفة صِلة الأرحام في الطابق الثاني ، وتكون اللقاءات في النهار ، فعندها يكون الجميع في ساحة المدرسة ، وتتوه أصواتنا بين ضجيج القصف والصّخب المريع .

 مَن سيعلّق الجَرَس ؟

رفع حسام يده ، فصمت الجمْع تعبيراً عن موافقتهم .

 نادى حسام عروسَه ، فجاءت بكلّ ظلالها الوردية ، وهي لا تعلم السبب . وما كادا يضعان أقدامهما على أوّل درجة تصعد إلى الأعلى ، حتى هوت قنبلةٌ فجّرت معظم صفوف الطابق الثاني  .. فتدحرجا ، وانخسفت المدرسة ُ صراخاً ووَلْولةً ونداءات ودعوات ..

بعد ساعات ، اطمأنّوا أنّ الجميع  بخير . غير أنّ حسام حَلَفَ بالطَلاق ثلاثاً وأقْسَمَ  ؛ بأنه لن يُخَلِّف بعد اليوم !

 

 

 

 

 

 

 

×
أخبار
جيش الاحتلال يعدم شابا في جنين ويعتقل آخر في رام الله - فيديو تقرير يكشف تضاربًا بين السجلات الداخلية والبيانات العامة لضحايا الجيش الأمريكي في حرب إيران السيسي خلال استقباله مدير المخابرات الأمريكية: نرفض أي اعتداءات على الدول العربية وندعم اتفاقاً شاملاً مع إيران الصحة: ارتفاع ضحايا حرب الإبادة على قطاع غزة إلى 73,910 شهيدا ألمانيا: انتخابات في ولايتين تهدد بإحداث صدمة جديدة لميرتس خانيونس: مستشفى الكويت الميداني يعلن التوقف عن العمل في جميع الأقسام باستثناء الطوارئ هرتسوغ والجريمة المركبة! جيش الاحتلال وفرق الإرهاب الاستيطاني تنفد حملة اقتحامات اعتقالات واسعة في القدس والضفة الإمارات توضح رسميا ما حدث قبل 7 أكتوبر حول اتصال بن زايد مع نتنياهو رضائي يحدد 7 شروط إيرانية لعودة المفاوضات مع أمريكا ترامب يقطع إجازته ويعود للبيت الأبيض وسط تحذيرات من تصعيد محتمل استطلاع: غالبية الناخبين اليهود في أمريكا قلقون من تأجيج نتنياهو لمعاداة السامية تقرير: الحرب على إيران تمنح موسكو مكاسب استراتيجية وتكشف أزمة الذخائر الأمريكية 3 قراءات تاريخية توضح أسباب رسوخ صعود حزب "البديل" في شرق ألمانيا خلافات داخلية تهدد آمال الديمقراطيين في استعادة الكونغرس في أميركا صحيفة: الثورة التي يتعين على إسرائيل إدراكها قبل فوات الأوان الطيبي يلوح بخطوات برلمانية حاسمة لإسقاط ائتلاف نتنياهو الحاكم "هيئة الجدار": 14 هجوماً للمستوطنين الإرهابيين منذ صباح السبت خبراء من الحرس الثوري زاروا باب المندب لبحث تركيب رادارات تركيا تلغي ترخيص "بنك ملت" الإيراني وتوقف رحلات "ماهان إير" هانتر بايدن: إسرائيل سمحت عمدًا بوقوع هجوم 7 أكتوبر لتنفيذ مخططاتها في غزة جمعية رجال الأعمال الفلسطينيين بقطاع غزة تجري انتخابات لمجلس الإدارة الجديد استطلاع: أغلبية الإسرائيليين والفلسطينيين يرون التعايش السلمي "مستحيلًا" مستشار فانس يستدعي محطات الخلاف التاريخية لتفنيد "خضوع" واشنطن لإسرائيل إسرائيل تبلغ بريطانيا بعدم دفع مخططات الاستيطان في E1 قبل الانتخابات صدمة النفط تتجاوز هرمز وتضع منظومة الطاقة العالمية أمام اختبار أوسع مؤسسات إعلامية أمريكية ترقض قرار ترامب حظر صحافييها من دخول البيت الأبيض الصحة: ارتفاع ضحايا حرب الإبادة على قطاع غزة إلى 73,910 شهيدا بعد 3 أعوام من الإبادة.. نصف مليون طالب بغزة يعودون للدراسة وسط الدمار "سنتكوم" تؤكد تسهيل العبور الآمن لمليار برميل نفط عبر مضيق هرمز

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط