الأصدقاء الأعزاء متابعي أمد للإعلام .. هناك عملية نقل من مطور لآخر ما قد يؤثر على نشر الأخبار لفترة قصيرة! ...

قراءة في رواية ذئاب منوية

قراءة في رواية ذئاب منوية

تاريخ النشر: 2025-08-07 | 19:50

أطياف بشرية تعددت أشكالها وأحجامها، مقيدة أعناقها، بينما تراوحت أقدامها في الارتفاع، فمنها ما بلغ حد الشنق، ومنها من يتربص به القدر استعداد لذلك ثمة سيدة ربما تتساءل عن مصيرها في العراء، وهناك، حصان، وطير، ومخلوقات أخرى. كل ذلك تجلل باللون الأسود خالطه بعض من خطوط بيضاء ربما لتمكن الرائي من لتمييز حقيقة الأمور! أو هل تعطي مسحة من أمل؟!

تلكم كانت تفاصيل غلاف الرواية الموسومة "ذئاب منوية" للراحل أحمد أبو سليم في طبعتها الثانية الصادرة عام 2024 عن دار الفينيق في عمان في نحو 220 صفحة من القطع المتوسط.

مهلا، فربما أثار هذا العنوان ظنونا عند طائفة من القراء، وربما بعض النقاد، فتأهب للنيل من هذا العمل أو إدانته بما لا ينبغي له دون أن يمضي في عمق العمل ويحاول فهم أبعاده الثقافية والنفسية، وقد أعجبني في هذا السياق ما ذهب إليه الأستاذ موسى أبو رياش حول رأي أحد النقاد الذي وصف العنوان بأنه "دعارة ثقافية" فقال في مقاله المنشور في جريدة"القدس العربي" الصادرة في نوفمبر 2016:

"فالذئب هو الحيوان الأكثر توظيفا في الأدب، والمنوية مصطلح بيولوجي متداول بين الجميع وفي الصفوف المدرسية. أما ما يوحيه العنوان، فهو مسؤولية القارئ"

بينما قال الكاتب على لسان علي بابا إحدى شخصيات الرواية :" جعلونا يا صديقي مجرَّد ذئاب منويَّة، تتصارع على بويضة واحدة، واحدة فقط، وأَقنعونا بأَنَّ الثَّاني خاسر مثل الأَخير."

ترى من هو الصادق الذي أشار إليه الكاتب وهو يمهد لهذا العمل ويهديه؟ وما هي حكاية القرى التسعة! والقرية العاشرة؟  والطرد ثم الإبادة، أنا لم أستطع المرور بهذه الكلمات دون ربطها بما جرى في فلسطين، أما الاعتراف بالشهداء فموضوع آخر متشعب ولعل فيه صورة من صور البحث عن الحقيقة،

أنتقل إلى المسرح الرئيس ويبرز مخيم الزرقاء، ولا بد من الإشارة إلى إنني أطل لأول مرة على مخيم الزرقاء والزرقاء كجزء من البعد الجغرافي لعمل أدبي، فكيف رسم أحمد أبو سليم صورة هذه المدينة في الرواية؟ يقول على لسان إدريس الإبن: "الزرقاء مدينة تغلي بالفقر والجوع والحرمان والتردد والتوحُّد والتفرُّد، مدينة الحزن، والكلاب الضالة، والجرذان، والخواء، الزرقاء أمست مدينة آيلة للسقوط".ص14

على حافة المقبرة يعيش إدريس الإبن "إدريس2" الذي اكتشف أنه لقيط هذا ما أكدته له جدته، وسوف يتولى السرد على مدى الرواية بالتبادل مع والده "إدريس1"، ويتشكل السرد حوارا في بعض مقاطع من الشهادتين. بقي أن أقول إن أول ما باح به إدريس الإبن كان مشهد عودته من الدير بصحبة الأب الراعي لهذا الدير "ميخائيل" ليبدأ حياته في "بيته".

المخيم، والسور، والمقبرة، وسكة الحديد، هل ثمة ما يوحي بلمحات من سيرة ذاتية؟ قد لا تخلو الرواية من معالم سيرة ذاتية ولكن مجمل مضمون الرواية يتعدى هذا، لست بصدد تلخيص الرواية فهي ليست قصة بطل ونهاية وحسب بل هي مشاهد لصراع ومصائر ومآلات.

فلسطين حاضرةفي الرواية بقوة، لانستطيع القول بأنها الصورة الخلفية ففي ذلك إضعاف للدور الذي شغلته عبر السرد، لعلها كانت مظلة لكل ما كان، حيثما كان حتى في أفغانستان التي أرسل إليها إدريس الإبن منفيا بمؤامرة من فتحي وربما بأمر من جعفر .

إدريس (الأب والإبن) كانتا الشخصيتان الرئيستان في الرواية، ولكل تجاربه وعذاباته، وجعفر وفتحي بدرجة أقل وإن لم يغيبا عن حكايات إدريس الإبن على وجه الخصوص. ثم "آذار" شريكة الروح لإدريس الأب وأم إدريس الإبن التي عذبته جدته بنكرانها ، و الأب ميخائيل، والجدة، ورقية الضحية التي لم تتوان عن استغلال إدريس، وعلي بابا الذي بات يعيش على هامش الحياة مع كأس العرق ولفافة الهيشي وناي الجدة أحيانا، وأمينة الأرملة الثكلى التي تعد نفسها بالانتقام من الذي غدر بزوجها، وأمل ومكيدتها، وعدد من رفاق في النضال وفي السجن. السجن! مسمى يقودنا إليه إدريس الإبن خلال حواره مع رقية:

"ماذا يفعل بالسجن رجل مثل جعفر؟"

"ما يفعله البشر بالسجون" تجيب رقية

كان للسجن في الرواية أشكال كثيرة؛ سجون لدول، منظمات، أشخاص وبينما كانت أفعال الشنق، والحجز لسنين، والتحقيق والتعذيب حاضرة بقوة وبقسوة، فقد سجل  "تحقيق العدالة" غيابا تاما. شكل السجن كمسرح الأحداث مساحة واسعة من السرد .وهنا تجلى بقوة سؤال حول "من يملك الحقيقة؟"

وجعفر ذلك الرعب الماثل من أول الرواية إلى آخرها، بانتمائاته  المشبوهة، و أدواره الشائنة، وممارساته الغارقة في الموبقات حتى أخسها وأدناها، ترى كم جعفر ضمت الثورة الفلسطينية في عصرها الحديث أو عصر ما بعد النكبة؟ كانت صورة جعفر في الرواية إقرارا وإدانة لهذا الجزء من الممارسات تصدى لها الكاتب بجرأة واضحة.

وحكاية الصندوق الأحمر وتنقلاته، وانشغال قادة الثورة بتفاصيله كان مثلا آخر لانشغالات أخرى كثيرة، شكلت تحد آخر وتصدٍ للبحث عن الحقيقة انبرى المؤلف للخوض فيه بشجاعة.   

كان إدريس الأب مثالا للبطولة في أدوار عديدة، وكان صاحب المبدأ عندما رفض الانحياز الفوري والآني لحركة الإنشقاق، وكان ضحية لمكيدة أمل، "وشتان ما بين معنى المكيدة والأمل ومدلولاتها"، تلك التي كلفته مايقارب نصف عمره في السجون .ثم مفاجأته بإبن يحمل تفاصيل كثير ويعاني من انفصام الشخصية ولعل أهم ما فيه أنه "كل ماتبقى له من "آذار"

معظم من تبقى من الشخصيات كانوا ضحايا، كان إدريس الإبن ضحية الجدة ومافعلته بالحقيقة من تزوير حول حفيدها، وكان ضحية لرقية التي استغلته جنسيا للبحث عن الحقيقة بطريقتها، وضحية لفتحي وجعفر، وكان الآخرون ضحايا بقدر متباين من المعاناة؛ رقية وأسعد، والزوجة التركية، وعلي بابا حتى فتحي على بشاعة أدواره بصفته صنيعة وإمعة لجعفر مع كل التفاصيل إلا إنه كان ضحية بطريقة ما، هل كان موته عند قلعة جانفي في أفغانستان بهذه الطريقة تحقيق للعدالة ضد كل من ظلم!؟ وهل كان انتقام أمينة على هذا النحو صورة أخرى لتحقيق العدالة؟!

يسجل للمبدع الراحل أحمد أبو سليم إلى جانب الجرأة في الطرح والتناول على أكثر من صعيد، تلك اللغة الشاعرية الرقيقة برغم قسوة المواضيع المطروحة وهذا التدفق السردي الذي شعرت به يتخذ طابعا مسرحيا يوشك فيه السارد وربما القارىء على الصعود للمسرح واعطاء الجمل والعبارات حقها من التعبير الصوتي.

برغم قتامة الصور وتعمق الأحزان عبر السرد بما اقتضاه الظرف إلا إن الكاتب لم يشأ أن يترك القارىء دون صورة جميلة فقد قال إدريس الإبن في دفاعه عن نفسه خلال لقائه الأول مع رقية: قال نقلا عن الأب ميخائيل:

"كلُّ كلمة جميلة، كل موسيقا تعيد عزف هذا الكون من جديد، كل أغنية، كل قصيدة، كل همسة روح، تضيف مساحة جديدة من الجمال إلى هذا الكون، وتجعل الظلمة تخطو خطوة إلى الوراء"

عمان في 03/08/2025.

 

   

×
أخبار
جيش الاحتلال يعدم شابا في جنين ويعتقل آخر في رام الله - فيديو تقرير يكشف تضاربًا بين السجلات الداخلية والبيانات العامة لضحايا الجيش الأمريكي في حرب إيران السيسي خلال استقباله مدير المخابرات الأمريكية: نرفض أي اعتداءات على الدول العربية وندعم اتفاقاً شاملاً مع إيران الصحة: ارتفاع ضحايا حرب الإبادة على قطاع غزة إلى 73,910 شهيدا ألمانيا: انتخابات في ولايتين تهدد بإحداث صدمة جديدة لميرتس خانيونس: مستشفى الكويت الميداني يعلن التوقف عن العمل في جميع الأقسام باستثناء الطوارئ هرتسوغ والجريمة المركبة! جيش الاحتلال وفرق الإرهاب الاستيطاني تنفد حملة اقتحامات اعتقالات واسعة في القدس والضفة الإمارات توضح رسميا ما حدث قبل 7 أكتوبر حول اتصال بن زايد مع نتنياهو رضائي يحدد 7 شروط إيرانية لعودة المفاوضات مع أمريكا ترامب يقطع إجازته ويعود للبيت الأبيض وسط تحذيرات من تصعيد محتمل استطلاع: غالبية الناخبين اليهود في أمريكا قلقون من تأجيج نتنياهو لمعاداة السامية تقرير: الحرب على إيران تمنح موسكو مكاسب استراتيجية وتكشف أزمة الذخائر الأمريكية 3 قراءات تاريخية توضح أسباب رسوخ صعود حزب "البديل" في شرق ألمانيا خلافات داخلية تهدد آمال الديمقراطيين في استعادة الكونغرس في أميركا صحيفة: الثورة التي يتعين على إسرائيل إدراكها قبل فوات الأوان الطيبي يلوح بخطوات برلمانية حاسمة لإسقاط ائتلاف نتنياهو الحاكم "هيئة الجدار": 14 هجوماً للمستوطنين الإرهابيين منذ صباح السبت خبراء من الحرس الثوري زاروا باب المندب لبحث تركيب رادارات تركيا تلغي ترخيص "بنك ملت" الإيراني وتوقف رحلات "ماهان إير" هانتر بايدن: إسرائيل سمحت عمدًا بوقوع هجوم 7 أكتوبر لتنفيذ مخططاتها في غزة جمعية رجال الأعمال الفلسطينيين بقطاع غزة تجري انتخابات لمجلس الإدارة الجديد استطلاع: أغلبية الإسرائيليين والفلسطينيين يرون التعايش السلمي "مستحيلًا" مستشار فانس يستدعي محطات الخلاف التاريخية لتفنيد "خضوع" واشنطن لإسرائيل إسرائيل تبلغ بريطانيا بعدم دفع مخططات الاستيطان في E1 قبل الانتخابات صدمة النفط تتجاوز هرمز وتضع منظومة الطاقة العالمية أمام اختبار أوسع مؤسسات إعلامية أمريكية ترقض قرار ترامب حظر صحافييها من دخول البيت الأبيض الصحة: ارتفاع ضحايا حرب الإبادة على قطاع غزة إلى 73,910 شهيدا بعد 3 أعوام من الإبادة.. نصف مليون طالب بغزة يعودون للدراسة وسط الدمار "سنتكوم" تؤكد تسهيل العبور الآمن لمليار برميل نفط عبر مضيق هرمز

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط