الأصدقاء الأعزاء متابعي أمد للإعلام .. هناك عملية نقل من مطور لآخر ما قد يؤثر على نشر الأخبار لفترة قصيرة! ...

فلسطين والقلم وما يَسْطُرُون

فلسطين والقلم وما يَسْطُرُون

تاريخ النشر: 2026-07-19 | 11:24

عائد زقوت
عائد زقوت
ليس الاستبداد وحده ما يهدد الشعوب، ولا الهزائم العسكرية أو المعنوية فحسب؛ بل من أخطر ما تواجهه الأمم أنْ يتحوّل أصحاب القلم والمنابر الوعظية والإعلامية، ورواد الفضاء الرقمي إلى أدوات تبرير وتسويغ، لا أدوات وعي وبصيرة، فيتجندوا للدفاع عن اجتهادات وقرارات القيادات القائمة ورؤاها، وعن مصالحهم الخاصة، بدل الدفاع عن الحقائق والثوابت والقِيم، خدمةً للمصلحة الحزبية أو الفئوية مهما بلغت الكلفة السياسية والأخلاقية لذلك. لم تدرك هذه الفئة أنّ القلم الذي أقسم الله به ليس قيمة في ذاته، وإنما بما يخطه من معانٍ، وبما يحرره من وعي، وبما يصوغه من إدراك تتوارثه الأجيال جيلًا بعد جيل. فالأوطان لا تُبنى بالقوة العسكرية، ولا بالمؤسسات العمرانية وحدهما، بل بمن يراجع أخطاءها، ويصون ذاكرتها، ويحفظ كرامتها، ويمنح الأجيال القدرة على فهم تاريخها والتفكير في حاضرها واستشراف مستقبلها. ولم يكن القلم يومًا أداةً للتأريخ أو التعبير المجرد، ولا وسيلةً لتزييف الوعي أو تسويغه من أجل البقاء؛ بل كان فعلًا نقديًا ينهض على المساءلة، وحماية الحقيقة، وصون الوعي العام من الانزلاق نحو التبرير. وفي الحالة الفلسطينية التي تعيش ترديًا متدحرجًا في ظل الحرب المستمرة في غزة، تتجلى هذه الإشكالية في صورتها الأكثر تعقيدًا وحِدّة، حيث تتقاطع المأساة الممتدة مع انسداد سياسي شبه مُؤسَّس، وتختلط الحقيقة بالاصطفاف، وتتحوّل الحرب إلى كاشف لانكشافات أعمق في بنية الفعل السياسي وآليات إنتاج الخطاب. فبين تعثر مسارات التسوية، وانسداد أفق السلطة القائمة في الضفة، ومنطق المقاومة المسلحة المجردة من المنطق في غزة، وتعدد مراكز القرار الفعلية، وتضارب متزايد بين الحسابات الفصائلية والمصلحة الوطنية الجامعة، يتآكل مفهوم "المصلحة الوطنية" ذاته لصالح منطق تنافسي تُدار فيه السياسة بوصفها إدارة للبقاء لا صناعة للمستقبل. وتظهر في هذا السياق أربع مسلمات سياسية تراكمت عبر الزمن وأسهم الخطاب العام في تثبيتها: الأولى، تحوّل الخطاب السياسي من "بناء دولة" إلى "إدارة الصمود"، مع تحويل الإنجاز السياسي إلى سردية نصر رمزي بعد كل جولة صراع. والثانية، ترسخ خطاب النصر بما أفرزه من دورات صراع متكررة دون استراتيجية خروج واضحة أو أفق تراكمي. والثالثة، إدارة الانقسام بوصفه واقعًا قابلًا للتعايش بدل اعتباره خللًا بنيويًا في النظام السياسي الفلسطيني. والرابعة، تأجيل الحسم في قضايا التمثيل والشرعية عبر تعطيل الاستحقاقات السياسية الدورية، والاستمرار في السير في الساقية الدائرية. وفي ظل هذه المسلمات، لا يعود القلم عنصرًا محايدًا في توصيف الواقع، بل يدخل في قلب الصراع على تشكيل الوعي: إمّا أنْ يظل وفيًّا للحقيقة بوصفها كلفة سياسية عالية، أو ينزلق ــ بدرجات متفاوتة من الوعي أو التبرير ــ إلى إعادة إنتاج خطاب وفق نظرية التكيّف المتعاظم؛ حيث يُكيّف الأزمة بدل أن يُفككها، ويعيد ترتيبها لغويًا بدل مواجهتها بنيويًا. الكتابة الحقيقية في هذه اللحظة تتطلب الاعتراف بأنّ بعض الخيارات الاستراتيجية أسهمت في تعميق المأساة، وأنّ استمرار تبريرها ليس وفاءً للشهداء، بل تحميلٌ للأجيال القادمة كلفة استمرار الانسداد. غير أنّ هذا التشخيص الداخلي لا يُلغي طبيعة الصراع البنيوي والوجودي الذي تمثله إسرائيل، بل يضعه في سياقه المركّب، حيث يتداخل الخارجي بالداخلي في إنتاج المأزق الفلسطيني المستمر، وتتشابك حدود الفعل الوطني مع حدود الانقسام الداخلي في لحظة استنزاف تاريخية مفتوحة. الخطر الحقيقي لا يبدأ عندما تُكمَّم الأفواه بالسَّجن أو بالاغتيال المادي والمعنوي، ولا عندما تُوصد أبواب التفكير والتعبير، بل عندما يصبح الصمت أكثر راحة من السؤال، والطاعة فضيلة أعلى من قول الحقيقة، ويتحوّل الخوف إلى ثقافة عامة تحكم العقول والضمائر؛ عندئذٍ لا تكون المأساة في غياب القلم، بل في تحوله إلى أداة طمأنة كاذبة للواقع بدل أنْ يكون أداة مساءلة له. هنا لا يعود الصراع بين الحقيقة والبقاء صراعًا ظرفيًا، بل يتحوّل إلى سؤال سياسيّ وجودي: هل تُدار الكتابة بوصفها أداة كشف للواقع، أم بوصفها آلية لإدامة التوازنات القائمة؟ وهل البقاء، حين ينفصل عن الحقيقة، يظل شكلًا من أشكال الحياة، أم يتحوّل إلى مجرد استمرار فارغ يعيد إنتاج الانهيار بصيغة قابلة للتعايش؟، يُنظر فيها إلى الشعوب ككائنات ناجية لا كذواتٍ حرة. إنّ ما تكشفه اللحظة الفلسطينية الراهنة ليس فقط أزمة سياسة، بل أزمة معنى: معنى القلم، ومعنى الحقيقة، ومعنى أنْ يُكتَب تاريخ شعب يعيش تحت ضغط الفقد والانقسام والحرب. وفي مثل هذه اللحظة، لا يعود السؤال: من يكتب عن فلسطين؟ بل: بأي منطق تُكتب فلسطين أصلًا؟ إنّ أخطر ما تواجهه هذه اللحظة ليس أنْ تُهزم الرواية، بل أنْ تتحول الرواية نفسها إلى أداة إدارة للهزيمة؛ تُعاد صياغتها بما يكفل بقاء الفاعلين لا بقاء الحقيقة، ويُعاد تدويرها بما يضمن استمرار المواقع لا تصحيح المسار. وحينها لا يعود القلم شاهدًا على الواقع، بل شريكًا في تثبيته كما هو، حتى لو كان هذا الواقع في جوهره شكلًا ممتدًا من الانكشاف. في مثل هذا السياق، لا تكون الخيانة فعلًا صاخبًا يمكن رصده، بل انزياحًا هادئًا في وظيفة الكلمة: من مساءلة الفاعلين السياسيين إلى تبريرها، ومن تفكيك الأزمة إلى تأبيدها، ومن الدفاع عن الحقيقة إلى التعايش مع انحرافها. وهنا تحديدًا لا تُقاس خطورة القلم بما يكتبه، بل بما يتواطأ على عدم قوله. وحين تتداخل الحقيقة مع البقاء، لا يخسر الإنسان أدواته فحسب، بل يخسر قدرته على التمييز بين ما يُبقيه حيًا وما يجعله مجرد شاهد على حياة تُدور في الفراغ.
×
أخبار
ميلوني تعلن إجراءات جديدة في المدارس الإيطالية بينها حظر النقاب هرتسوغ كان يعرف ما الذي يفعله عندما أصدر عفوًا عن عزاريا قبل أقل من 40 يومًا من الانتخابات رئيس ورزاء قطر: إسرائيل تتصرف بتهور ولا تلتزم بتعهداتها وتواصل القتل  وثائقي "نازا" يثير سجالاً حاداً داخل إسرائيل حول آليات الاستهداف والذكاء الاصطناعي في غزة استراتيجية واشنطن في الصومال: تأمين الممرات البحرية على حساب الاستقرار الوطني دراسة: الحرب في الخليج تكشف حدود البدائل وتدفع نحو "هندسة تعدد المسارات" التمويل القطري لجامعة كورنيل يصل لـ 3.38 مليار دولار بعد كشف عقود جديدة من الوساطة إلى هندسة الاستقرار: لماذا يتصدر السودان أولويات الرياض؟ ترامب يكشف عن اتفاق مع الحوثيين.. ويعلن انفتاحه على لقاء الرئيس الإيراني المونيتور: نتنياهو يسعى لتوظيف التهديد الحوثي لدفع التطبيع مع السعودية قبل الانتخابات المتطرف بن غفير يقتحم المسجد الأقصى بحماية قوات الاحتلال.. والأوقاف تستنكر دعوات لواشنطن لبناء "خريطة معمارية" لتتبع شبكات تمويل الإخوان المسلمين وحماس جيش الاحتلال يعدم شابا في جنين ويعتقل آخر في رام الله - فيديو وصور تقرير يكشف تضاربًا بين السجلات الداخلية والبيانات العامة لضحايا الجيش الأمريكي في حرب إيران السيسي خلال استقباله مدير المخابرات الأمريكية: نرفض أي اعتداءات على الدول العربية وندعم اتفاقاً شاملاً مع إيران الصحة: ارتفاع ضحايا حرب الإبادة على قطاع غزة إلى 73,910 شهيدا ألمانيا: انتخابات في ولايتين تهدد بإحداث صدمة جديدة لميرتس خانيونس: مستشفى الكويت الميداني يعلن التوقف عن العمل في جميع الأقسام باستثناء الطوارئ هرتسوغ والجريمة المركبة! جيش الاحتلال وفرق الإرهاب الاستيطاني تنفد حملة اقتحامات اعتقالات واسعة في القدس والضفة الإمارات توضح رسميا ما حدث قبل 7 أكتوبر حول اتصال بن زايد مع نتنياهو رضائي يحدد 7 شروط إيرانية لعودة المفاوضات مع أمريكا ترامب يقطع إجازته ويعود للبيت الأبيض وسط تحذيرات من تصعيد محتمل استطلاع: غالبية الناخبين اليهود في أمريكا قلقون من تأجيج نتنياهو لمعاداة السامية تقرير: الحرب على إيران تمنح موسكو مكاسب استراتيجية وتكشف أزمة الذخائر الأمريكية 3 قراءات تاريخية توضح أسباب رسوخ صعود حزب "البديل" في شرق ألمانيا خلافات داخلية تهدد آمال الديمقراطيين في استعادة الكونغرس في أميركا صحيفة: الثورة التي يتعين على إسرائيل إدراكها قبل فوات الأوان الطيبي يلوح بخطوات برلمانية حاسمة لإسقاط ائتلاف نتنياهو الحاكم "هيئة الجدار": 14 هجوماً للمستوطنين الإرهابيين منذ صباح السبت

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط