الأصدقاء الأعزاء متابعي أمد للإعلام .. هناك عملية نقل من مطور لآخر ما قد يؤثر على نشر الأخبار لفترة قصيرة! ...

غزة التي سرقوا منها الحزن....!

غزة التي سرقوا منها الحزن....!

تاريخ النشر: 2026-04-05 | 12:54

لم تعد الإبادة هنا مجرّد آلة قتل؛ لقد أصبحت مشروعاً لإعادة تعريف الإنسان نفسه. فهي لا تكتفي بإزهاق الأرواح، بل تمضي أبعد من ذلك: تقتل المعنى الذي يجعل الموت مأساة، والحزن فعلاً إنسانياً، والذاكرة ملاذاً أخيراً للناجين. كما أنها لم تعد حدثاً يقع في الزمن؛ لقد صارت زمناً كاملاً نعيش داخله. هي لا تقتلنا دفعةً واحدة، بل اختارت قسوةً أكثر دقة: أن تُبقينا أحياء بما يكفي لنشهد تآكل إنسانيتنا ببطء. لم تسرق الحياة فقط، بل سلبت منا القدرة على الحزن، كأنها قررت أن تحرم الضحية حتى من حقها الأخير في الاعتراف بالألم.
في الماضي، كان الموت كارثة شخصية، شرخاً واضحاً في القلب. كنا نعرف كيف نحزن: نقف طويلاً أمام الراحلين، نحدّق في وجوههم للمرة الأخيرة، نستعيد أصواتهم، نفاوض الذكريات كي تؤجل الغياب. كان البكاء طقساً يعيد ترتيب العالم بعد انهياره، وكانت الدموع شكلاً من المقاومة الهادئة ضد العدم، كما كان يحتاج إلى صمتٍ طويل، إلى وجوهٍ تتقاسم الدموع، إلى ذاكرةٍ تُعاد سردها كي لا يختفي الراحل تماماً. 
كان الحداد إعلاناً بأن الحياة، رغم انكسارها، ما زالت تملك معنى يستحق الدفاع عنه. أما الآن، فقد انهارت طقوس الحزن كما انهارت البيوت؛ لم يعد هناك وقت لنظرة وداع، ولا مساحة لاستيعاب الغياب. صار الإنسان يودّع أحبّته وهو يركض نحو نجاةٍ مؤقتة، كأن الحياة تطالبنا بالخيانة القسرية لمشاعرنا كي نستمر.
أما الآن، فقد أصبح الموت أسرع من الذاكرة. لا وقت للوداع، لا متّسع للذهول، ولا فرصة كي يكتمل الألم. تتوالى الخسارات حتى يفقد القلب قدرته على التمييز بين اسمٍ وآخر، بين وجهٍ وآخر، بين مأساةٍ وأخرى. صار الموت وفيراً إلى درجة أنه ألغى فرادته، وحين يفقد الموت فرادته يفقد الحزن معناه.
نحن لا نعيش الحزن؛ نحن نختنق به دون أن نشعر. كأن الروح، دفاعاً عن نفسها، أغلقت أبواب الإحساس. أصبح التبلّد شكلاً غامضاً من النجاة، لا هو حياة تُعاش، ولا موت يُنهي العذاب. نمشي بين الركام كمن يسير داخل حلمٍ ثقيل، نرى الفقد يتكرر حتى يتآكل إدراكنا له. لم نعد نبكي لأن الدموع نفسها لم تعد تعرف على من تسقط.
الإبادة هنا لم تقتل الأجساد فقط، بل عطّلت الزمن الداخلي للإنسان. سلبتنا القدرة على التوقّف، على التأمل، على الحداد. جعلتنا كائنات مؤجلة المشاعر، نحمل حزناً هائلاً بلا منفذ، كبحرٍ حُبس داخله الموج. الحزن صار هواءً يومياً: غير مرئي، غير قابل للانفجار، لكنه يملأ الرئتين بثقلٍ لا يُحتمل.
نعيش مفارقة وجودية قاسية: نحن غارقون في الفقد إلى درجة أننا لم نعد قادرين على الشعور بالفقد. لم تعد الكارثة ما يحدث لنا، بل ما يحدث داخلنا بصمت؛ ذلك الفراغ الذي يتمدد حين يعجز الإنسان عن الحزن، وحين يصبح الألم عادياً إلى حدّ فقدانه لمعناه.
ربما هذه هي الذروة الأكثر وحشية للإبادة: أن تُحوّل الإنسان إلى شاهدٍ بارد على مأساته، أن تسلبه حتى امتياز الانهيار. أن يبقى القلب نابضاً، لا لأنه يريد الحياة، بل لأنه لم يُمنح فرصة التوقف.
نحن جيلٌ لم يُسمح له بالحداد. جيلٌ اختُطف من الحياة قبل أن يفهم ما الذي فقده. نمشي بين الركام حاملين موتانا داخلنا، بلا جنازاتٍ كافية، بلا قبورٍ تتّسع للأسماء، بلا دموعٍ تليق بكل هذا الغياب. الحزن هنا لم يختفِ؛ لقد تضخّم حتى خرج عن اللغة، عن البكاء، عن القدرة البشرية على التعبير.
وهنا تبلغ الإبادة ذروتها الفلسفية: حين يتحول الإنسان من كائنٍ يشعر بالألم إلى كائنٍ يراقب ألمه من الخارج. حين يصبح البقاء نفسه عبئاً أخلاقياً، لأن النجاة تعني أن تشهد موت العالم قطعةً قطعة دون أن تملك حق الانهيار.
لم تعد المأساة أننا نموت؛ المأساة أننا نعيش بعد كل هذا، بلا يقينٍ أننا ما زلنا أحياء من الداخل.
نأكل، نمشي، نتنفس… لكن شيئاً جوهرياً فينا توقّف بصمت، فنحن لا نحيا بعد الآن، بل نستمر... ولا نحزن، بل نحمل حزناً متجمداً يشبهنا: حاضرٌ في كل شيء، وغائبٌ عن كل إحساس.
إنها اللحظة التي يصبح فيها البقاء نفسه نوعاً من الفقد، ويغدو الإنسان غريباً عن ذاته، كأن جزءاً منه قد دُفن بصمت، بينما الجسد يواصل السير فوق أرضٍ لم تعد تعرف معنى الحياة ولا معنى الموت.
لقد نجحت الإبادة في ما هو أخطر من القتل: لقد جعلتنا نعتاد الكارثة، وجعلت الحزن نفسه يفقد صوته، حتى صار الإنسان هنا لا يبكي الموت… بل يبكي عجزه عن البكاء، وذلك، ربما، هو الشكل الأكثر رعباً للفناء:
أن يبقى الجسد واقفاً، بينما الروح تنسحب منه ببطء، دون صرخةٍ أخيرة، ودون جنازة... إنهم فعلا سرقوا منا الحزن ...!
 

×
أخبار
المتطرف بن غفير يقتحم المسجد الأقصى بحماية قوات الاحتلال.. والأوقاف تستنكر دعوات لواشنطن لبناء "خريطة معمارية" لتتبع شبكات تمويل الإخوان المسلمين وحماس جيش الاحتلال يعدم شابا في جنين ويعتقل آخر في رام الله - فيديو تقرير يكشف تضاربًا بين السجلات الداخلية والبيانات العامة لضحايا الجيش الأمريكي في حرب إيران السيسي خلال استقباله مدير المخابرات الأمريكية: نرفض أي اعتداءات على الدول العربية وندعم اتفاقاً شاملاً مع إيران الصحة: ارتفاع ضحايا حرب الإبادة على قطاع غزة إلى 73,910 شهيدا ألمانيا: انتخابات في ولايتين تهدد بإحداث صدمة جديدة لميرتس خانيونس: مستشفى الكويت الميداني يعلن التوقف عن العمل في جميع الأقسام باستثناء الطوارئ هرتسوغ والجريمة المركبة! جيش الاحتلال وفرق الإرهاب الاستيطاني تنفد حملة اقتحامات اعتقالات واسعة في القدس والضفة الإمارات توضح رسميا ما حدث قبل 7 أكتوبر حول اتصال بن زايد مع نتنياهو رضائي يحدد 7 شروط إيرانية لعودة المفاوضات مع أمريكا ترامب يقطع إجازته ويعود للبيت الأبيض وسط تحذيرات من تصعيد محتمل استطلاع: غالبية الناخبين اليهود في أمريكا قلقون من تأجيج نتنياهو لمعاداة السامية تقرير: الحرب على إيران تمنح موسكو مكاسب استراتيجية وتكشف أزمة الذخائر الأمريكية 3 قراءات تاريخية توضح أسباب رسوخ صعود حزب "البديل" في شرق ألمانيا خلافات داخلية تهدد آمال الديمقراطيين في استعادة الكونغرس في أميركا صحيفة: الثورة التي يتعين على إسرائيل إدراكها قبل فوات الأوان الطيبي يلوح بخطوات برلمانية حاسمة لإسقاط ائتلاف نتنياهو الحاكم "هيئة الجدار": 14 هجوماً للمستوطنين الإرهابيين منذ صباح السبت خبراء من الحرس الثوري زاروا باب المندب لبحث تركيب رادارات تركيا تلغي ترخيص "بنك ملت" الإيراني وتوقف رحلات "ماهان إير" هانتر بايدن: إسرائيل سمحت عمدًا بوقوع هجوم 7 أكتوبر لتنفيذ مخططاتها في غزة جمعية رجال الأعمال الفلسطينيين بقطاع غزة تجري انتخابات لمجلس الإدارة الجديد استطلاع: أغلبية الإسرائيليين والفلسطينيين يرون التعايش السلمي "مستحيلًا" مستشار فانس يستدعي محطات الخلاف التاريخية لتفنيد "خضوع" واشنطن لإسرائيل إسرائيل تبلغ بريطانيا بعدم دفع مخططات الاستيطان في E1 قبل الانتخابات صدمة النفط تتجاوز هرمز وتضع منظومة الطاقة العالمية أمام اختبار أوسع مؤسسات إعلامية أمريكية ترقض قرار ترامب حظر صحافييها من دخول البيت الأبيض الصحة: ارتفاع ضحايا حرب الإبادة على قطاع غزة إلى 73,910 شهيدا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط