الأصدقاء الأعزاء متابعي أمد للإعلام .. هناك عملية نقل من مطور لآخر ما قد يؤثر على نشر الأخبار لفترة قصيرة! ...

عزلتي وشُبهة الكورونا الوقاية بين المسؤولية الفردية و العامة

عزلتي وشُبهة الكورونا الوقاية بين المسؤولية الفردية و العامة

تاريخ النشر: 2020-03-15 | 16:44

عدت للبلاد من لندن فجر يوم الثلاثاء الثالث من آذار أي قبل حوالي أسبوعين من اليوم ، عند نقطة الحدود سألني ضابط الجوازات؛ هل كنت في إيطاليا، أجبت باقتضاب : لا أنا قادم من لندن، فتابع هل كنت في الصين ، بذات الاقتضاب أجبت :لا.، فاستطرد انتبه إن الأمر خطير و أعاد لي جواز السفر و بطاقة المرور . للحظة كنت سأطلب المساعدة بأنني أشعر بارتفاع درجة الحرارة ، و ربما ما منعني هو رغبة جامحة للعودة للبيت، و الثاني ألَّا أبدو كمن يطلب من مستعمره مساعدة طبية أو وقائية و لم أكن متأكداً كيف ستكون ردة فعله ، فهذه مسؤولية الصحة الفلسطينية عني كمواطن فلسطيني ، و بعد قليل سأكون تحت مسؤوليتها ، سيما أنني لست متأكداً من طبيعة جدية الاجراءات ،فلم يتم فحص درجة حرارة المسافرين كما قرأت و شاهدت ڤيديوهات في مطارات أخري بما فيها دول عربية كدبي على سبيل المثال،  و اكتفوا بمن يطلب المساعدة، كما أعلن طاقم طائرة البريتيش إيرويز ، ذلك كله كان أيضاً بفعل تردد ناجم عن أن الحرارة و الإرهاق و الرشح الذي يتصاعد معي ربنا ناجم عن نزلة برد أصبت بها قبل يومين من سفري و يبدو أنها كانت صعبة و تفاقمت في الطائرة رغم نومي طول ساعات الرحلة.

وصلت البيت و قررت عزل نفسي طوعاً في غرفة منفردة بانتظار تشخيص أكثر دقة ، في العاشرة صباحاً اتصلت بطبيبي  الصديق و الرفيق العزيز د. زيد أبو شاويش ، و الذي هو بمثابة طبيب خاص أستشيره بثقة و بكل شئ و بانفتاح لا أجرؤ عليه مع أي طبيب أو انسان آخر، فاستجوبني بكل ما يخطر على البال من أسئلة ، و وجهني بعدد من الإرشادات و بعض الأدوية الخافضة للحرارة و المحسنة للمناعة ، دقائق بعدها اتصل شقيقي د. بهاء، و فوراً أحضر ما هو مطلوب من الأدوية المدعمة للمناعة و خاصة ڤيتامين سي و الزنك و ڤيتامين D بجرعات الحد الأقصى المسموح ، كما كانت زوجتي قد أحضرت بعض الأدوية بما في ذلك مضاد حيوي بناء على طلب طبيبة أخصائية قريبة لنا عندما تبين أن احتقان الحلق ربما ناجم عن إلتهاب .

و أبقيت نفسي في العزل الطوعي .في اليوم التالي تلقيت اتصالاً من مدير الطب الوقائي في رام الله الذي كرر سؤال ضابط الحدود هل أنت عائد من إيطاليا ؟ أنا : كنت في لندن و عدت قبل يومين، و لكنني أعاني من أعراض درجة الحرارة و تصل الى 38.5 و تنخفض فقط بالباراسيتامول ثم تعود و ترتفع ، و أوضحت له الاعراض الأخرى  الصداع و الاحتقان و الضعف العام.

و أبلغته أنني عازل نفسي بشكل صارم و سألت : هل يمكن اجراء الفحص و أين فأجابني : نحن نتصل الآن فقط بخصوص العزل و ليس الفحص و إذا تقرر اجراء الفحص سنحضر لك إلى المنزل، و نبه بأن لا أذهب لأي مكان ، و أكد بأنه و دائرة الطب الوقائي ستتواصل معي.

مر يومين و أنا في حالة عزل طوعي و إجراءات ذاتية مشددة و علاجات مدعمة للمناعة ، و أخرى خافضة للحرارة و سوائل ساخنة عشبية " البابونج ، اليانسون ، القرفة ، الزنجبيل ، الليمون ، ماء الثوم و خل الثوم ، و الحمضيات بمختلف أنواعها "،،حتي يوم الجمعة لم يتصل الطبيب أو أحد من دائرة الطب الوقائي ، كما ذكر لي ، و أنا في وضع  يزداد صعوبة  و على ذات الحال دون تحسن ، و بدأ يتسرب لي القلق بأن الأمر قد يبدو أنه أكثر من نزلة برد شديدة أنا معتاد عليها ، سيما أن الصداع لم يعد يطاق  مترافقاً مع ارتفاع ملحوظ في درجة الحرارة ، و كنت اطلعت على مخاطر هذا الڤايروس للذين يعانون من أمراض مزمنة كالسكري و القلب ، سيما أنني و في التاسع و العشرين من شباط و أثناء ممارسة الرياضة الصباحية حيث كنت مقيم في لندن تعرضت لوعكة صحية أجبرتني على تمضية يوم كامل لاجراء فحوص شاملة و تخطيط عدة مرات  للقلب و الشرايين و فحص كيمياء و أنزيمات الدم عندما يكون اشتباه بجلطة و أشعة الرئة ذلك كله  في مستشفى St. Mary’s في لندن التابع ل Imperial college Healthcare.

بادرت بعد عدة أيام بالاتصال بمدير الطب الوقائي و شرحت له وضعي  ، و كررت سؤالي بأنني أشعر بذات الأعراض فهل من إمكانية لاجراء الفحص . تحدث بلطف شديد و أظهر بكلامه مسؤولية عالية و وعدني بأن يسأل المسؤولين و يعود لي ؛ نصائح شقيقي و صديقي الطبيب كانت بتكثيف الاجراءات و الالتزام بأدوية الوقاية الذاتية و مراقبة الحرارة.

لم يعاود الطبيب المختص في دائرة الصحة بالاتصال كما وعدني ، و بدأت أسيطر على حالتي الصحية بنفسي متبعاً الاجراءات و التوجيهات.

مساء السبت7-3 بدأت الحرارة تستقر بمعدلها الطبيعي37” +0.5 أو -0.5 درجة” . الأمر الذي ترافق مع اختفاء الصداع تدريجياً في الايام التالية ، و بدأ جسمي يستعيد حيويته . مع استمرار كل إجراءات العزل الطوعي،وإجراءات تغذية صارمة و أدوية مدعمة للمناعة . مرتين خرجت منفرداً في اليوم العاشر و الحادي عشر للمشي تحت شمس قوية مع أخذ الاحتياطات الواجبة للوقاية الذاتية سيما عدم الاحتكاك أو الاختلاط أو الاقتراب من أحد . اليوم هو الرابع عشر لحجزي الذاتي و الالتزام بالرعاية الطبية و الغذائية الصارمة . تجاوزت مرحلة الأعراض التي تؤشر لحالة الخطر ،و أظنني تعافيت تماماً أو إلى حد كبير  ، ولكن دون الإجابة على سؤال هل ما مريت به كان إصابة بڤايروس الكورونا أم أنها إنفلونزا موسمية و نزلة برد شديدة و لكنها عابرة ، و هل انتهى الخطر أم لا ؟ حاولت بالامس الاتصال  بمدير الطب الوقائي و رد علي رقم الهاتف المسجل لدي زملاؤه و شرحت لهم ما هو معلوم لمديرهم ،  و أكدوا لي  أنهم سيعلموه بما أخبرتهم عن تطور الحالة ، لم يعد لي بعد ، اتصلت مرة ثانية ، و سأتصل مرة أخرى موضحاً و مستفسراً و ليس معاتباً ،لأنني ادرك صعوبة إمكانيات النظام الصحي الفلسطيني و و ضغط اللحظة بفعل حجم الأعباء المتزايدة عليه يومياً .

فجوهر الوقاية هي مسؤولية فردية مع أن للمواطنين المشتبه بإصابتهم حق أن تجرى لهم الفحوصات المخبرية ، و أيضاً أن يجري التأكد من مدى سلامة إجراءات الوقاية الذاتية التي يتبعونها . الأمر الذي لا يقل أهمية عن ممارسة العزل و الوقاية الذاتية و الاهتمام الدقيق بكل وسائل النظافة هو دور الأسرة ،؟فزوجتي و التي أخذت معي كل احتياطات العزل الذاتي الخاص بها ، و مع انها كانت تحاول ابعاد القلق من الڤايروس و رفع المعنويات ، إلا انها كانت عوناً بأخذ إجراءات عزل ذاتية موازية و بذات الصرامة و الحرص على تعقيم المنزل و الغرفتين المعزولتين اللتين نقيم بهما على انفراد و حماميهما المنفصلين ، فدرهم الوقاية هو السلاح الوحيد لحماية أنفسنا و هو خير من قنطار علاج ، و الذي للأسف هو غير متوفر عالمياً حتى الآن. أيام عصيبة مرت و ربما أصعب و أقسى منها لم تأتي بعد ؛ العزل البيتي يبدو قاسياً و لكنني أظنه فرصة إنسانية لتتأمل زوايا بيتك و تشعر بدفء كل مكوناته و ذكرياته الجميلة التي جمعتك فيه مع زوجتك و أبنائك و أصدقائك و ضيوف بيتك، افتقدت خلال هذه الأيام جدية إبني مجد و صرامته و حنان ابنتي رغد و بسمتها الصباحية، و ظلت ترافقني جدية إجراءات نائلة و عفويتها و أخذ الأمور ببساطة و دون قلق زائد أو تهويل غير مطلوب . افتقدت مكتبي كما افتقدت صحبة التريكس و الطرنيب التي كنا نقتل بهما سوياً الملل و الوقت في زمن احالة شعب و كفاءاته لقائمة و واقع انتظار الآتي المجهول، و لكنه معلوم تماماً، بحالة من الشلل في كل شئ و خاصة ما هو مطلوب من إجراءات طوارئ سياسية فالخطر الوطني وجودي ، و إن غطت عليه حالة وباء الكورونا. أعادتني أيام و ساعات العزلة للكتابة و القراءة و الاستمتاع بالموسيقى و مشاهدة أفلام الأوبئة و الجائحة البشرية و السلوك الانساني في تلك السنوات ، و كيف يجمع السلوك الانساني بين أنانيات غريزة الخلاص الفردي و أهمية وعي الانتماء للجماعة و الحرص على الانتصار الجمعي ؛ جيلنا لم يعش سنة الثلجة بعد النكبة و لا قبلها الانفلونزا الإسبانية و لا سنوات الكوليرا ، و ربما لم يشعر الكثيرون منا بإنفلونزا الخنازير أو الطيور أو الإيبولا.

فوباء الكورونا سجل اهتماماً كونياً غير مسبوق ترافق مع صراعات اقتصادية و تكنولوجية في عالم تتناطحه التجاذبات التي تبدو أحياناً و كأنها عتبات حرب كونية أو نهاية عصر الحضارة كما عرفناها،  و أظهر الڤيروس بقصد أو بواقع الحال عجز قوى عظمي ! و لكن بالحب و التضامن و المسوؤلية الفردية و العامة و القوة اللامتناهية للتضامن الجماعي الانساني و الخلّاق ستحقق البشرية ما عجزت عنه تلك القوى العظمى ، الأمر الذي يستدعي اعادة تعريف مفهوم القوى العظمى الانسانية التي تبدأ من وعي الانسان الفرد لقيمته الهائلة كواحد من الجماعة البشرية ، و التي ستنتصر على الكورونا و على كل قوى الظلم و العنصرية و الفاشية التي تمارس ضد الشعوب المضطهدة و الأغلبيات الفقيرة و المستغلة ، و في العلاقات الدولية و داخل كل مجتمع و حتى كل انسان! و ستروى حكايات و بطولات و ستخرج أفلام سينمائية ومسرحيات و بتقديري سيسجل التاريخ سيرة بطلة من فلسطين هي ماريانا العرجا و عشرات بل مئات و الاف الأمهات اللواتي يسهرن على حياة أطفالهن هنا في فلسطين و في كل أرجاء المعمورة التي ستنتصر حتماً.

تجربة هذه الوعكة لم تمنعني بل ربما حفزتني على التواصل مع أصدقاء و أقارب في العديد من دول العالم للإطمئنان على صحتهم سيما تلك التي انتشر فيها الوباء بسرعة و يذهب فيها يوميا ضحايا بالعشرات مثل إيطاليا التي لم يتأخرشعبها يوماً عن التضامن و الوقوف دوماً مع شعبنا و قضاياه العادلة و حقوقه في الحرية و الكرامة الانسانية دون شروط!

×
أخبار
من الوساطة إلى هندسة الاستقرار: لماذا يتصدر السودان أولويات الرياض؟ ترامب يكشف عن اتفاق مع الحوثيين.. ويعلن انفتاحه على لقاء الرئيس الإيراني المونيتور: نتنياهو يسعى لتوظيف التهديد الحوثي لدفع التطبيع مع السعودية قبل الانتخابات المتطرف بن غفير يقتحم المسجد الأقصى بحماية قوات الاحتلال.. والأوقاف تستنكر دعوات لواشنطن لبناء "خريطة معمارية" لتتبع شبكات تمويل الإخوان المسلمين وحماس جيش الاحتلال يعدم شابا في جنين ويعتقل آخر في رام الله - فيديو وصور تقرير يكشف تضاربًا بين السجلات الداخلية والبيانات العامة لضحايا الجيش الأمريكي في حرب إيران السيسي خلال استقباله مدير المخابرات الأمريكية: نرفض أي اعتداءات على الدول العربية وندعم اتفاقاً شاملاً مع إيران الصحة: ارتفاع ضحايا حرب الإبادة على قطاع غزة إلى 73,910 شهيدا ألمانيا: انتخابات في ولايتين تهدد بإحداث صدمة جديدة لميرتس خانيونس: مستشفى الكويت الميداني يعلن التوقف عن العمل في جميع الأقسام باستثناء الطوارئ هرتسوغ والجريمة المركبة! جيش الاحتلال وفرق الإرهاب الاستيطاني تنفد حملة اقتحامات اعتقالات واسعة في القدس والضفة الإمارات توضح رسميا ما حدث قبل 7 أكتوبر حول اتصال بن زايد مع نتنياهو رضائي يحدد 7 شروط إيرانية لعودة المفاوضات مع أمريكا ترامب يقطع إجازته ويعود للبيت الأبيض وسط تحذيرات من تصعيد محتمل استطلاع: غالبية الناخبين اليهود في أمريكا قلقون من تأجيج نتنياهو لمعاداة السامية تقرير: الحرب على إيران تمنح موسكو مكاسب استراتيجية وتكشف أزمة الذخائر الأمريكية 3 قراءات تاريخية توضح أسباب رسوخ صعود حزب "البديل" في شرق ألمانيا خلافات داخلية تهدد آمال الديمقراطيين في استعادة الكونغرس في أميركا صحيفة: الثورة التي يتعين على إسرائيل إدراكها قبل فوات الأوان الطيبي يلوح بخطوات برلمانية حاسمة لإسقاط ائتلاف نتنياهو الحاكم "هيئة الجدار": 14 هجوماً للمستوطنين الإرهابيين منذ صباح السبت خبراء من الحرس الثوري زاروا باب المندب لبحث تركيب رادارات تركيا تلغي ترخيص "بنك ملت" الإيراني وتوقف رحلات "ماهان إير" هانتر بايدن: إسرائيل سمحت عمدًا بوقوع هجوم 7 أكتوبر لتنفيذ مخططاتها في غزة جمعية رجال الأعمال الفلسطينيين بقطاع غزة تجري انتخابات لمجلس الإدارة الجديد استطلاع: أغلبية الإسرائيليين والفلسطينيين يرون التعايش السلمي "مستحيلًا" مستشار فانس يستدعي محطات الخلاف التاريخية لتفنيد "خضوع" واشنطن لإسرائيل إسرائيل تبلغ بريطانيا بعدم دفع مخططات الاستيطان في E1 قبل الانتخابات

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط