الأصدقاء الأعزاء متابعي أمد للإعلام .. هناك عملية نقل من مطور لآخر ما قد يؤثر على نشر الأخبار لفترة قصيرة! ...

طاحونة والدي في مخيم اللجوء!  

طاحونة والدي في مخيم اللجوء!  

تاريخ النشر: 2024-11-20 | 16:14

لماذا أصر والدي على إحضار طاحونتة الثقيلة على ظهر الحمار من مسقط رأسه، عام 1948م إلى معسكر اللجوء ولم يتركها في البيت؟! سؤالٌ أجاب عنه والدي قال: هذه الطاحون الحجرية أحضرتها من جبال الخليل إلى بلدتنا، وهى من رخام البازلت الصلب الخشن، وهو نوع من الصخور يتحمل الحرارة، كنا نستعمله في مواقد الطعام، أمضيتُ أسبوعا كاملا كي أقطع الحجرين إلى نصفين مستديرين، كسرت شاكوشين وعددا من الأزاميل الحديدية لكنني فرحت بإنجازي، كانت طاحونتنا تستقطب ضيوف قريتنا، بخاصة نساء جيراننا ممن يرغبن في طحن الحبوب، فتحتُ في وسط الحجرين بالضبط فتحة مستديرة بها عمود ليسهل تدوير الحجر العلوي فوق الحجر السفلي الثابت، الفتحة تسمح بوضع بذور حقلنا الجافة، القمح، والشعير، والفول، والحمص، والعدس، الطاحونة كانت من أهم أركان الطعام في البيت، ليصبح سائغا لذيذا، الطاحونة توفر الوقت والحطب لأنها تقطع الحبوب الجافة فتذوب بسرعة مما يُعجِّل في إنضاج الطعام، هذا مصدر سعادة النساء أيضا.

 كنتُ أشاهد والدتي وهي تطحن بذور العدس والفول والحمص، كنتُ أساعدها في جرش الحبوب لتصبح طعاما شهيا، والدتي كانت تعيد مرة أخرى جرش الحبوب التي أطحنها بحجة أنني لا أجيد التعامل مع الطاحون، كانت والدتي تعتبر الطحن فنا من الفنون يجب أن يُراعى فيه نوع الحبوب والسرعة المطلوبة للطحن، كانت دائما تقول لي وهي تبتسم: الطحن يا بني فنٌ تجيده النساء فقط، نحن نشم رائحة الحبوب وهي تتكسر فتسري في أعماقنا سعادة غامرة، أنا أعرف كيف أجعل الحبوب تذوب في الرحى كما يذوب السكر في الفم، لكل نوعٍ من الحبوب طريقة خاصة، أنا ألاطف الحبوب وهي تدور بين حجري الرحي، اعتنِ أنت بدروسك، واترك الطحن لي. كنت حينما أعود إلى البيت من مدرستي أسمع صوت الرحى أظنها موسيقى وسيمفونية حزن ودموع تذرفها أمي على حقلنا المسلوب!

لماذا وضع والدي هذه الطاحونة عامدا في مدخل البيت؟ أدركت أنه كان يود أن يسمع إعجاب الزائرين واستغرابهم لوجود هذه الطاحونة في بيتنا، كلهم كانوا يسألون مَن جلب هذه الطاحونة؟ كان والدي ينتظر هذا السؤال بشغف ليسرد رحلة حجري البازلت من جبال الخليل إلى مخيم اللجوء!

 لم أكن أتخيل أنني سأعود مرة أخرى لاجئا إلى طاحونة والدي عام 2023م! لم أكن أتخيل أنني سأعيدها إلى الحياة وأبعثها من جديد، لندرة طحين الخبز في خيام اللجوء وأنا نازح مشرد!

قررتُ بسبب كارثة النزوح، وشُح الخبز والدقيق أن أشتري ما يتوفر من حبوب القمح والشعير المشوهة الجافة من محلات البيع القليلة، لأقوم بطحنها لعلها تفي بالغرض لنتمكن من الحصول على الخبز، عثرنا بعد جهد على محل يبيع بعض حبوب القمح الجافة، كانت هذه الحبوب تباع قبل اللجوء علفا للماشية والحيوانات والطيور لكنها اليوم مطلوبة لتسديد الجوع، كان هناك سؤال إنكاري يبدو في عيونُ أقاربي: هل يمكننا أن نحول هذه الحبوب إلى دقيق يصلح للخبز بواسطة هذين الحجرين المهجورين؟!

قلتُ: أنتم لا تعرفون قدرات هذين الحجرين، بهما نستطيع طحن دقيق القمح، فرح أبناء أخي بالاكتشاف الجديد فهو تجربة مثيرة، استعدوا لجولة مع طاحونة جدهم، كنت أرى علامات السرور بادية على وجوههم، فهم حتى اليوم لم يشعروا بألفة تجاه هذين الحجرين الصلبين المستديرين سوى أنهما عبءٌ ثقيل مهجور ينبغي التخلص منهما!

كانت عيونهم تنظر إليَّ باعتباري خبيرا في إدارة الطاحونة، لأنني كنت كما قلت لهم أساعد والدتي في الطحن، شعرتُ بلذة غامرة لأنني صرت قائدا لمعركة الطحن، أمرتُ بتثبيت يدٍ من الخشب في الحجر العلوي لتسهل إدارته، ثم أمرتُ بإعداد مفرش من النايلون تحت حجر الطاحونة السفلي ليكون مستقرا للطحين، كنتُ أرى الفرح المكتوم على وجوه أبناء أخي وهم يسرعون في تنفيذ طلباتي، فهم ينتظرون فيلما يصورونه في هواتفهم المحمولة عن طاحونة جدهم!

بدأ اختبار الطحن، حركتُ الطاحون بيدي اليسرى، أما اليمنى كنت أضع بها حفنة من حبوب القمح الجافة في الثقب الأوسط للطاحونة، شعرتُ بعد دقيقة بثقل حجر الطاحونة، أحسستُ بالتعب بعد دقيقتين، أرجعتُ ذلك لتقدمي في السن، وغياب صوت موسيقى الرحى بسبب الطائرة الزنانة فوق رؤوسنا، غير أن سبب إرهاقي وإحباطي السريع لا يعود إلى الجهد العضلي، بل يعود إلى نتيجة الطحن، فقد كانت حبوب القمح تخرج من أطراف الرحى سليمه معافاة، بها بعض الخدوش البسيطة! كنت أرى بسمات أبناء أخي المكتومة تؤشر على فشلي في مهمة الطحن!  بدأتُ أنحتُ مبررات الفشل قلتُ: إن الصخرتين منذ زمن بعيد فقدتا الخشونة اللازمة للطحن، كنت في الحقيقة غير مقتنع بهذا المبرر، ثم اهتديت إلى مُبرر آخر ربما يكون أكثر إقناعا، قلت بحماسة: إن سبب خروج بذور القمح سليمة معافاة يرجع إلى البذور نفسها، فهي بذورٌ جافة جدا لا تشبه بذور حقولنا، فهي مشبعة بالمبيدات الحشرية وأنواع السماد، وهي أيضا مجففة في معامل كيماوية ومضاف إليها أخلاط من المواد لتصبح صالحة للتصدير والبقاء سنوات بدون أن يستوطنها السوس، فهي ليست حبوب حقول أرضنا، فحبوب أرضنا كانت تُجفف طبيعيا تحت أشعة الشمس الساطعة، لكنني أحسستُ بأن أبناء أخي لم يقتنعوا أيضا بهذا التفسير، فأنا لم أنجح في قيادة الرحى، انسحبت من مركز القيادة، قال أحد أبناء أخي: دعني أجرب حظي في الطحن، جلس مكاني وشرع في استخدام عضلاته القوية، كنت أرى أنه نجح في شق البذور إلى نصفين أو ثلاثة أجزاء، غير أنني قلت له مداعبا محاولا ألا أمنحه الإطراء، إنك طحنت ما طحنتُه أنا من قبل، ولم تطحن شيئا جديدا، عليك أن تعيد الطحن عدة مرات لنتمكن من الحصول على خبز خشن  ربما يكفي وجبة واحدة فقط!

حصيلةُ الطحن بعد ساعة ونصف الساعة لا يمكنها أن تصنع رغيف خبز واحد بسبب خشونة المطحون من الحبوب، أخيرا أنقذتني امرأة أخي عندما قالت: إن كسارة القمح المطحونة لا تصلح للخبز ولكن، يمكن أن نطبخ منها بضعة صحون من البرغل، فهي وجبتكم الوحيدة لهذا اليوم!

×
أخبار
 وثائقي "نازا" يثير سجالاً حاداً داخل إسرائيل حول آليات الاستهداف والذكاء الاصطناعي في غزة استراتيجية واشنطن في الصومال: تأمين الممرات البحرية على حساب الاستقرار الوطني دراسة: الحرب في الخليج تكشف حدود البدائل وتدفع نحو "هندسة تعدد المسارات" التمويل القطري لجامعة كورنيل يصل لـ 3.38 مليار دولار بعد كشف عقود جديدة من الوساطة إلى هندسة الاستقرار: لماذا يتصدر السودان أولويات الرياض؟ ترامب يكشف عن اتفاق مع الحوثيين.. ويعلن انفتاحه على لقاء الرئيس الإيراني المونيتور: نتنياهو يسعى لتوظيف التهديد الحوثي لدفع التطبيع مع السعودية قبل الانتخابات المتطرف بن غفير يقتحم المسجد الأقصى بحماية قوات الاحتلال.. والأوقاف تستنكر دعوات لواشنطن لبناء "خريطة معمارية" لتتبع شبكات تمويل الإخوان المسلمين وحماس جيش الاحتلال يعدم شابا في جنين ويعتقل آخر في رام الله - فيديو وصور تقرير يكشف تضاربًا بين السجلات الداخلية والبيانات العامة لضحايا الجيش الأمريكي في حرب إيران السيسي خلال استقباله مدير المخابرات الأمريكية: نرفض أي اعتداءات على الدول العربية وندعم اتفاقاً شاملاً مع إيران الصحة: ارتفاع ضحايا حرب الإبادة على قطاع غزة إلى 73,910 شهيدا ألمانيا: انتخابات في ولايتين تهدد بإحداث صدمة جديدة لميرتس خانيونس: مستشفى الكويت الميداني يعلن التوقف عن العمل في جميع الأقسام باستثناء الطوارئ هرتسوغ والجريمة المركبة! جيش الاحتلال وفرق الإرهاب الاستيطاني تنفد حملة اقتحامات اعتقالات واسعة في القدس والضفة الإمارات توضح رسميا ما حدث قبل 7 أكتوبر حول اتصال بن زايد مع نتنياهو رضائي يحدد 7 شروط إيرانية لعودة المفاوضات مع أمريكا ترامب يقطع إجازته ويعود للبيت الأبيض وسط تحذيرات من تصعيد محتمل استطلاع: غالبية الناخبين اليهود في أمريكا قلقون من تأجيج نتنياهو لمعاداة السامية تقرير: الحرب على إيران تمنح موسكو مكاسب استراتيجية وتكشف أزمة الذخائر الأمريكية 3 قراءات تاريخية توضح أسباب رسوخ صعود حزب "البديل" في شرق ألمانيا خلافات داخلية تهدد آمال الديمقراطيين في استعادة الكونغرس في أميركا صحيفة: الثورة التي يتعين على إسرائيل إدراكها قبل فوات الأوان الطيبي يلوح بخطوات برلمانية حاسمة لإسقاط ائتلاف نتنياهو الحاكم "هيئة الجدار": 14 هجوماً للمستوطنين الإرهابيين منذ صباح السبت خبراء من الحرس الثوري زاروا باب المندب لبحث تركيب رادارات تركيا تلغي ترخيص "بنك ملت" الإيراني وتوقف رحلات "ماهان إير" هانتر بايدن: إسرائيل سمحت عمدًا بوقوع هجوم 7 أكتوبر لتنفيذ مخططاتها في غزة

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط