الأصدقاء الأعزاء متابعي أمد للإعلام .. هناك عملية نقل من مطور لآخر ما قد يؤثر على نشر الأخبار لفترة قصيرة! ...

سيسيولوجيا الفوضى وسرقة ونهب المساعدات

سيسيولوجيا الفوضى وسرقة ونهب المساعدات

تاريخ النشر: 2025-06-24 | 12:59

ما نشهده في غزة من فوضى وسرقة ونهب للمساعدات ليس مجرد حوادث فردية، بل هو ظاهرة اجتماعية معقدة تتطلب تحليلًا من منظور علم الاجتماع لفهم أبعادها وتداعياتها العميقة على النسيج الاجتماعي، وبنية المجتمع وتفاعلاته، وخاصة أثناء وما بعد "المقتلة" وانتهاء الحرب، وذلك بالوقوف على تساؤل ما الاثار الاجتماعية لظاهر السرقة والنهب للمساعدات على أهل قطاع غزة؟ وما دور العائلات وقوى المجتمع في الضبط الاجتماعي غير الرسمي؟
أن ما يحدث يؤثر بشكل مباشر على المنظومة الاجتماعي ويؤدي لانهيار الأعراف الاجتماعية والضوابط المؤسسية، حيث كانت تعمل المؤسسات الرسمية (الحكومة، الشرطة، القضاء، المنظمات الاغاثية.. اخ) في الظروف الطبيعية، كضابط اجتماعي رئيسي، وتفرض القوانين وتنظم توزيع الموارد، ولكن مع استمرار العدوان والحرب لأكثر من 20 شهر، واستهداف وتدمير المؤسسات الرسمية، والتهجير القصري والنزوح المتكرر، وإعادة احتلال 75% من مساحة أراضي قطاع غزة، ساهم في ضعف وغياب دور مؤسسات الضبط الاجتماعي والقانوني، وأدي لانهيارها الجزئي في بعض المناطق، وهو ما أحدث فراغ تنظيمي؛ وهذا الفراغ نتج عنه تآكل في الأعراف الاجتماعية والقيم التي تحكم وتضبط السلوك، مثل النزاهة، الأمانة، والتسامح، واحترام حقوق الآخرين.
عندما يغيب الرادع الخارجي (القانون والمؤسسات)، وتصبح آليات الضبط الاجتماعي ضعيفة، تظهر وتبرز السلوكيات الفردية التي تخدم المصلحة الذاتية، حتى لو كانت على حساب المجتمع ككل، وهو ما يحتاج لإعادة التوازن الاجتماعي، وتحصين وحماية المجتمع، وهنا يجب التعرف على ما هي تأثيرات الضغط الاجتماعي الشديد والفوضى والسرقة؟
ما يمر به قطاع غزة يصعب تفسيره بالنظريات الاجتماعية الكلاسيكية والثورية، فالظروف القاسية التي يعيشها سكان قطاع غزة في ظل الحرب والحصار، القصف المستمر، النزوح، الجوع، والخسائر في الأرواح والممتلكات، انتجت ضغطًا اجتماعيًا ونفسيًا هائلًا، وهذا الضغط بالإضافة إلى حالة الفوضى العارمة واستمرار سرقة المساعدات والشعور باليأس، سيودي الي مزيد من التحديات والمشاكل الاجتماعية ومنها التالي:
أولا/ ضعف التماسك الاجتماعي، فمع استمرار الحرب والأزمة القائمة وحالة الجوع وما تبعها من فوضى وسرقة للمساعدات يؤدي الي مزيد من تتفكك الروابط الاجتماعية التقليدية، وهو ما شهدناه أثناء نزوح العائلات مع بعض، وما نتج عنه من خلافات عائلة ومشاكل وعنف، حيث أصبحت الأولوية القصوى هي البقاء الفردي أو بقاء الأسرة الصغيرة، حتى لو كان ذلك على حساب الجماعة الأكبر.
ثانيا/ قانون الغاب وثقافة "البقاء للأقوى، فمع في غياب مؤسسات الردع والضبط للنظام، أصبح يسود المجتمع عقلية "كل مين في يده له "، وهذا جعل كل فرد يرى أن الحصول على المساعدة هو فرصة يجب انتهازها بأي ثمن، بغض النظر عن الوسائل، ويتصرف بها وفق مصالحة أحيانا يبيعها بأسعار مجنونة ويحرم أسرته الصغيرة منها، ويصرف عوائدها على مزاجه الخاص...
ثالثا/ تطور في مفهوم الحق والاستحقاق، حيث نلاحظ بأن البعض من مرتكبي هذه الفوضى يبرر سرقة المساعدات بأنهم حق لهم ويستحقونها بجدارة أكثر من غيرهم، أو أن النظام غير عادل في توزيعها، مما يمنحهم شعورًا بالتبرير لسلوكهم وعدم المبالاة والاستماع للنداءات والدعوات لحماية المساعدات وبأنها حق للجميع، وأن ما يحدث هو تعدي على حقوق الغير.
رابعا/ تفاقم المعيارية (حالة الانمي)، حيث تحدث اللامعيارية وفق رؤية عالم الاجتماع إميل دوركهايم، عندما يفقد الأفراد إحساسهم بالهدف أو المعايير الاجتماعية التي توجه سلوكهم في ظل الفوضى الشديدة، وقد تختلط المفاهيم الأخلاقية، ويصبح من الصعب التمييز بين الصواب والخطأ، خاصة عندما تكون الحاجة ملحة، وهو ما يحتاج للتوجيه والتصوب وضبط التفاعلات الاجتماعية وسلوكيات الافراد في المجتمع من خلال عمليات الضبط الغير رسمي.
دور الضبط الاجتماعي غير الرسمي:
مع ضعف وغياب الضبط الاجتماعي الرسمي، من الطبيعي أن تتحرك مؤسسات الاجتماعية لتحصين وحماية المجتمع، ولعب دور الضبط الاجتماعي غير الرسمي، وهو ما يفسر التحركات التي تقوم بها العائلات، المخاتير، الوجهاء، والشخصيات الاعتبارية والمؤسسات الاهلية وقوي وفئات المجتمع المؤثرة في المجتمع، فهم يمثلون بقايا الهيكل الاجتماعي القادر على فرض نوع من النظام والضبط الاجتماعي من خلال التالي:
• تستطيع العائلات والمخاتير التأكيد على القيم الإيجابية والأعراف الاجتماعية والعمل عليها وتعزيزها بالقدوة والنموذج الحسن من خلال التذكير بالقيم الإنسانية كالأمانة، التضامن، والإيثار، وتوجيه الأفراد بأن هذه السلوكيات ضرورية لبقاء المجتمع والحفاظ على ثقافته وهويته وتحصينه من الامراض الاجتماعية.
• تستطيع العائلات ممارسة الضغط على أبنائها للامتثال للمعايير الأخلاقية، وشرح عواقب السرقة ليس فقط على الضحايا بل على سمعة العائلة والمجتمع ككل.
• تستطيع القوى المجتمعية ان تلعب دور فعال في إعادة تنظيم حماية المساعدات بشكل شعبي، من خلا تشكيل فرق شعبية، والانتشار في كل الأماكن، ضمن تجمعات منظمة وتعزيز هذه اللجان الشعبية وفعالياتها، وفضح اللصوص علانية، وذلك بممارسة أحد أشكال الضبط والمتابعة، بمبدأ الثواب والعقاب وهو ما يضبط ويثبط السلوكيات غير المقبولة.
• تدخلات العائلات وقوى المجتمع في مواجهة هذه الظاهرة يساهم في بناء وتعزيز الثقة في المجتمع من خلال ممارسة هذه الإجراءات، ويمكن إعادة بناء الثقة بين أفراد المجتمع، فهي ضرورية لأي محاولة للتعافي والتنظيم المستقبلي.
تحليل ظاهرة بيع المساعدات:
تعكس ظاهرة بيع المساعدات بأسعار خيالية تحولًا مأساويًا في القيم، من خلال تحويل الحاجة الإنسانية إلى سلعة للربح والانتفاع وهو ما يسمى باقتصاد الأزمة، وهو أن يستغل بعض الفئات كالتجار الفاسدون، أو حتى الأفراد المستفيدة من ندرة الموارد لإنشاء سوق سوداء، وبيع السلع الغذائية المسروقة بأسعار خيالية واحتكارها بين جماعات متناغمة بالمصالح، وهو ما يعرض المجتمع للاستغلال الاجتماعي، حيث يُستغل مافيا الحرب صاحب الحاجة والضعيف لتحقيق مكاسب شخصية، مما يزيد من الفوارق الاجتماعية، ويقود إلى مزيد من الإقصاء لمن هم أشد حاجة، وهو ما يسبب ضعف التضامن، فبدل ما تكون المساعدات رمزًا للتضامن الإنساني، تتحول إلى مصدر للنزاع والانقسام والقرصنة والزعرنة والبلطجة، وهو ما سجل أكثر من مرة بتثبيت حاملي المساعدات بالسلاح وهم عائدين من مراكز التوزيع وسرقتها منهم تحت التهديد، وهو ما يساهم في زعزعة الاستقرار والأمان الاجتماعي وله انعكاساته مستقبلا على بنية المجتمع ونسيجه الاجتماعي وظهور عصابات منظمة.
أخيرا: إن استعادة النظام الاجتماعي وحماية المساعدات يتطلب جهدًا جماعيًا وشاملًا، من كل المؤسسات الاجتماعية بدأ من حجر الزاوية الاسرة والعائلة وصولا للفئات والقوى الاجتماعي، فلا يجوز الصمت، ولا يمكن أن يتم ذلك بالقوة وحدها، بل يتطلب إعادة بناء الوعي المجتمعي، وتعزيز القيم الأخلاقية، وتمكين قوى الضبط الاجتماعي غير الرسمي، والأمل الوحيد لتجاوز هذه المحنة هو بالتعاون والتكاتف وأن تقوم العائلات بقوة تأثيرها على أفرادها بالقرابة وروابط الدم، للمساهمة في إصلاح النظام الاجتماعي بما افسدته الحرب وتداعياتها ، فغياب وضعف النظام الاجتماعي لا يضر بالضحايا فقط، بل يفتت المجتمع من الداخل ويقوض قدرته على الصمود والتعافي، ويدمر ما تبقى من الجبهة الداخلية وكرامة الانسان الفلسطيني في غزة، لنعمل ونجتهد من أجل مستقبل أبنائنا وحمايته من تواليها....

×
أخبار
جيش الاحتلال يعدم شابا في جنين ويعتقل آخر في رام الله - فيديو تقرير يكشف تضاربًا بين السجلات الداخلية والبيانات العامة لضحايا الجيش الأمريكي في حرب إيران السيسي خلال استقباله مدير المخابرات الأمريكية: نرفض أي اعتداءات على الدول العربية وندعم اتفاقاً شاملاً مع إيران الصحة: ارتفاع ضحايا حرب الإبادة على قطاع غزة إلى 73,910 شهيدا ألمانيا: انتخابات في ولايتين تهدد بإحداث صدمة جديدة لميرتس خانيونس: مستشفى الكويت الميداني يعلن التوقف عن العمل في جميع الأقسام باستثناء الطوارئ هرتسوغ والجريمة المركبة! جيش الاحتلال وفرق الإرهاب الاستيطاني تنفد حملة اقتحامات اعتقالات واسعة في القدس والضفة الإمارات توضح رسميا ما حدث قبل 7 أكتوبر حول اتصال بن زايد مع نتنياهو رضائي يحدد 7 شروط إيرانية لعودة المفاوضات مع أمريكا ترامب يقطع إجازته ويعود للبيت الأبيض وسط تحذيرات من تصعيد محتمل استطلاع: غالبية الناخبين اليهود في أمريكا قلقون من تأجيج نتنياهو لمعاداة السامية تقرير: الحرب على إيران تمنح موسكو مكاسب استراتيجية وتكشف أزمة الذخائر الأمريكية 3 قراءات تاريخية توضح أسباب رسوخ صعود حزب "البديل" في شرق ألمانيا خلافات داخلية تهدد آمال الديمقراطيين في استعادة الكونغرس في أميركا صحيفة: الثورة التي يتعين على إسرائيل إدراكها قبل فوات الأوان الطيبي يلوح بخطوات برلمانية حاسمة لإسقاط ائتلاف نتنياهو الحاكم "هيئة الجدار": 14 هجوماً للمستوطنين الإرهابيين منذ صباح السبت خبراء من الحرس الثوري زاروا باب المندب لبحث تركيب رادارات تركيا تلغي ترخيص "بنك ملت" الإيراني وتوقف رحلات "ماهان إير" هانتر بايدن: إسرائيل سمحت عمدًا بوقوع هجوم 7 أكتوبر لتنفيذ مخططاتها في غزة جمعية رجال الأعمال الفلسطينيين بقطاع غزة تجري انتخابات لمجلس الإدارة الجديد استطلاع: أغلبية الإسرائيليين والفلسطينيين يرون التعايش السلمي "مستحيلًا" مستشار فانس يستدعي محطات الخلاف التاريخية لتفنيد "خضوع" واشنطن لإسرائيل إسرائيل تبلغ بريطانيا بعدم دفع مخططات الاستيطان في E1 قبل الانتخابات صدمة النفط تتجاوز هرمز وتضع منظومة الطاقة العالمية أمام اختبار أوسع مؤسسات إعلامية أمريكية ترقض قرار ترامب حظر صحافييها من دخول البيت الأبيض الصحة: ارتفاع ضحايا حرب الإبادة على قطاع غزة إلى 73,910 شهيدا بعد 3 أعوام من الإبادة.. نصف مليون طالب بغزة يعودون للدراسة وسط الدمار "سنتكوم" تؤكد تسهيل العبور الآمن لمليار برميل نفط عبر مضيق هرمز

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط