الأصدقاء الأعزاء متابعي أمد للإعلام .. هناك عملية نقل من مطور لآخر ما قد يؤثر على نشر الأخبار لفترة قصيرة! ...

سياسة التجويع والبرد: كيف تُدار الإبادة دون صوت في غزة

سياسة التجويع والبرد: كيف تُدار الإبادة دون صوت في غزة

تاريخ النشر: 2026-01-16 | 08:22

في غزة، لم يعد الموت حدثًا مفاجئًا تقوده الطائرات أو تُعلن عنه صفارات الإنذار، بل بات زحفًا بطيئًا، صامتًا، يتسلّل إلى الأجساد عبر البرد والجوع والحرمان ، هناك، حيث يُفترض أن يكون الشتاء فصلًا عابرًا، تحوّل المنخفض الجوي الأخير إلى أداة قتل، وإلى شاهد جديد على مأساة لا تنتهي، تُدار هذه المرة بلا قنابل، ولكن بسياسة متعمدة لترك شعبنا الفلسطيني وحيدًا في مواجهة الطبيعة.

آلاف العائلات الفلسطينية في قطاع غزة باتت اليوم تعيش بلا بيوت، بعد أن أُجبرت على النزوح تحت وطأة القصف والتدمير، خيام مهترئة، لا تقي من الرياح ولا تصمد أمام سيول الأمطار، وأصبحت مأوى مؤقتًا لأطفال ونساء وشيوخ ، ومع اشتداد موجة البرد، تحوّل هذا “المأوى” إلى فخ قاتل للأطفال الرُضّع الذين فارقوا الحياة بسبب انخفاض درجات الحرارة، ومسِنّون لم تقوَ أجسادهم المنهكة على الاحتمال، ومبانٍ متصدعة انهارت فوق من احتموا بها، في مشهد يعكس انهيار الحد الأدنى من شروط البقاء على قيد الحياة لا أكثر .

والخطير في هذه المأساة أنها ليست نتاج كارثة طبيعية مفاجئة، بل نتيجة مباشرة لسياسات وإرهاب دولة منظم وممنهج ضد أبناء شعبنا الفلسطيني ، فالاتفاقات التي نصّت على إدخال مساعدات إنسانية عاجلة، وتأمين مأوى مؤقت لأبناء شعبنا ، جرى الالتفاف عليها بشكل متعمد من قبل سلطات الاحتلال ومنع دخول الكرفانات والخيام الجاهزة ومواد الإغاثة الأساسية لم يكن عجزًا لوجستيًا، بل قرارًا سياسيًا واعيًا ومخططاً له، يترك شعبنا برمته عُرضة للبرد القارس، وكأن الطبيعة استُدعيت لتُكمل ما بدأته الحرب.

حين يُحرم الإنسان من المأوى في ذروة الشتاء، فإن ذلك لا يُصنّف إهمالًا، بل يدخل في إطار استخدام الظروف الحياتية كسلاح ، نعم إنها الإبادة الصامتة ، لا تثير الضجيج، ولا تُظهر صور الدمار المباشر، لكنها تُنتج النتيجة ذاتها: موتٌ بطيء، ومعاناة ممتدة، واستنزاف شامل للحياة ، فهنا، لا يُقتل الإنسان دفعة واحدة، بل يُترك لينطفئ تدريجيًا تحت وطأة البرد والمرض والجوع.

وفي الوقت الذي تغرق فيه خيام غزة تحت الأمطار، ينشغل العالم بملفات أخرى، وتُدفع المأساة الفلسطينية إلى هوامش التغطية الإعلامية والسياسية ، وهذا التجاهل لا يقل خطورة عن الفعل ذاته، لأن الصمت في مثل هذه الظروف يتحول إلى موقف، وإلى غطاء يسمح باستمرار الجريمة ،حين تُترك صرخات الأمهات بلا صدى، وتُمحى صور الأطفال الذين قضوا بردًا من الذاكرة الجماعية، يصبح العالم شريكًا في الإبادة، لا مجرد شاهد عليها.

فالقانون الدولي الإنساني، واتفاقيات جنيف، تنص بوضوح على حماية المدنيين وقت النزاعات، وضمان وصول المساعدات الإنسانية دون عوائق، ومنع العقاب الجماعي بكافة أشكاله ، غير أن هذه القواعد تُفرغ من مضمونها عندما لا تُقابل بآليات محاسبة حقيقية ، فما يجري في غزة يُشكّل انتهاكًا صارخًا لهذه المبادئ، ويكشف عجز النظام الدولي عن حماية أبسط حقوق الإنسان حين يكون الضحية شعبًا كاملاً محاصرًا برمته.

إن ما يحدث اليوم في غزة يتجاوز كونه أزمة إنسانية طارئة، ليصبح نموذجًا خطيرًا لتطبيع المعاناة، واختبارًا قاسيًا لمدى جدية المجتمع الدولي في الدفاع عن القيم التي يرفعها ، حين يُترك شعب كامل ليواجه الشتاء بلا مأوى، وتُستخدم الاتفاقيات كأوراق تفاوض لا كالتزامات ملزمة، فإننا أمام جريمة سياسية مكتملة الأركان، تُرتكب ببطء وتحت غطاء الصمت.

وفي خضم هذه الكارثة الإنسانية المركّبة، لا يمكن إغفال الجهود التي تبذلها القيادة الفلسطينية في سبيل رفع المعاناة عن أبناء شعبنا في قطاع غزة، سواء عبر التحركات السياسية والدبلوماسية المتواصلة، أو من خلال مخاطبة المؤسسات الدولية والأطراف الفاعلة للضغط باتجاه إدخال المساعدات الإنسانية وتأمين الحماية للمدنيين ، ورغم محدودية الأدوات في ظل واقع الاحتلال وغياب الإرادة الدولية الجادّة، تواصل القيادة الفلسطينية مساعيها لتثبيت القضية الفلسطينية في المحافل الدولية، وفضح السياسات التي تُمارس بحق شعبنا باعتبارها انتهاكات جسيمة للقانون الدولي الإنساني.

في النهاية إن ما يجري في غزة اليوم يفرض مسؤولية قانونية وأخلاقية لا تقع على عاتق الاحتلال وحده، بل تمتد إلى المجتمع الدولي الذي يملك أدوات المحاسبة ويختار تعطيلها ، وبينما يستمر شعبنا في دفع ثمن هذا الصمت، تبقى الجهود الرسمية الفلسطينية جزءًا من معركة الدفاع عن الحق في الحياة، وعن كرامة الإنسان الفلسطيني، في مواجهة سياسات الحرمان والتجويع والقتل البطيء ، فغزة لا تحتاج إلى بيانات تضامن، بل إلى فعل دولي يُنهي الجريمة، ويعيد للقانون الدولي معناه، وللعدالة وظيفتها، قبل أن يتحوّل الصمت إلى حكمٍ نهائي على الضمير الإنساني.

×
أخبار
وثيقة سرية: روسيا وإيران توسعان قنوات مالية وتجارية للالتفاف على العقوبات رئيس ورزاء قطر: إسرائيل تتصرف بتهور ولا تلتزم بتعهداتها وتواصل القتل ميلوني تعلن إجراءات جديدة في المدارس الإيطالية بينها حظر النقاب هرتسوغ كان يعرف ما الذي يفعله عندما أصدر عفوًا عن عزاريا قبل أقل من 40 يومًا من الانتخابات  وثائقي "نازا" يثير سجالاً حاداً داخل إسرائيل حول آليات الاستهداف والذكاء الاصطناعي في غزة استراتيجية واشنطن في الصومال: تأمين الممرات البحرية على حساب الاستقرار الوطني دراسة: الحرب في الخليج تكشف حدود البدائل وتدفع نحو "هندسة تعدد المسارات" التمويل القطري لجامعة كورنيل يصل لـ 3.38 مليار دولار بعد كشف عقود جديدة من الوساطة إلى هندسة الاستقرار: لماذا يتصدر السودان أولويات الرياض؟ ترامب يكشف عن اتفاق مع الحوثيين.. ويعلن انفتاحه على لقاء الرئيس الإيراني المونيتور: نتنياهو يسعى لتوظيف التهديد الحوثي لدفع التطبيع مع السعودية قبل الانتخابات المتطرف بن غفير يقتحم المسجد الأقصى بحماية قوات الاحتلال.. والأوقاف تستنكر دعوات لواشنطن لبناء "خريطة معمارية" لتتبع شبكات تمويل الإخوان المسلمين وحماس جيش الاحتلال يعدم شابا في جنين ويعتقل آخر في رام الله - فيديو وصور تقرير يكشف تضاربًا بين السجلات الداخلية والبيانات العامة لضحايا الجيش الأمريكي في حرب إيران السيسي خلال استقباله مدير المخابرات الأمريكية: نرفض أي اعتداءات على الدول العربية وندعم اتفاقاً شاملاً مع إيران الصحة: ارتفاع ضحايا حرب الإبادة على قطاع غزة إلى 73,910 شهيدا ألمانيا: انتخابات في ولايتين تهدد بإحداث صدمة جديدة لميرتس خانيونس: مستشفى الكويت الميداني يعلن التوقف عن العمل في جميع الأقسام باستثناء الطوارئ هرتسوغ والجريمة المركبة! جيش الاحتلال وفرق الإرهاب الاستيطاني تنفد حملة اقتحامات اعتقالات واسعة في القدس والضفة الإمارات توضح رسميا ما حدث قبل 7 أكتوبر حول اتصال بن زايد مع نتنياهو رضائي يحدد 7 شروط إيرانية لعودة المفاوضات مع أمريكا ترامب يقطع إجازته ويعود للبيت الأبيض وسط تحذيرات من تصعيد محتمل استطلاع: غالبية الناخبين اليهود في أمريكا قلقون من تأجيج نتنياهو لمعاداة السامية تقرير: الحرب على إيران تمنح موسكو مكاسب استراتيجية وتكشف أزمة الذخائر الأمريكية 3 قراءات تاريخية توضح أسباب رسوخ صعود حزب "البديل" في شرق ألمانيا خلافات داخلية تهدد آمال الديمقراطيين في استعادة الكونغرس في أميركا صحيفة: الثورة التي يتعين على إسرائيل إدراكها قبل فوات الأوان الطيبي يلوح بخطوات برلمانية حاسمة لإسقاط ائتلاف نتنياهو الحاكم

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط