الأصدقاء الأعزاء متابعي أمد للإعلام .. هناك عملية نقل من مطور لآخر ما قد يؤثر على نشر الأخبار لفترة قصيرة! ...

دواعش إلا ربعًا

في سلسلة متواصلة من التبني المدروس لنشر البشاعة والتوحش انتقل تنظيم داعش الإرهابي من «النحر» البشع إلى «الحرق» الأكثر توحشا، وكان صادما بحق المقطع الذي نشره التنظيم بحرق الطيار الأردني البطل معاذ الكساسبة حيا، وستتفتق العقول المريضة مستقبلا عن بشاعات وتوحش يبدو بلا نهاية ولا رادعٍ.

منذ ما كان يعرف بالربيع العربي بدا أن العالم يواجه مرحلة جديدة من التاريخ أقله في المنطقة، ومن امتحان النظام الدولي ومدى قدرته على الاستمرار والنجاح، هذا النظام الذي بدأ بسلام وستفاليا الأوروبي في القرن السابع عشر - كما كتب كيسنجر - ثم أصبح دوليا بعد عملياتٍ طويلة من التطوير والتعديل سمحت له بالبقاء والانتشار، وقد مرّ بامتحاناتٍ كبرى في أوروبا، ثم في العالم حتى رسا على الصيغة المعروفة اليوم، وما جرى ويجري في منطقة الشرق الأوسط يؤكد أنه بحاجة إلى مراجعاتٍ ذات أهمية وتأثيرٍ.

لقد تجلى الربيع العربي عن ربيعٍ أصولي صريحٍ تمثله جماعات الإسلام السياسي وجماعات العنف الديني التي سيطرت على المشهد برمته، وكان يتبعها ويصفق لها جموعٌ من المثقفين والكتّاب باسم الديمقراطية تارة وباسم الحقوق تارة أخرى، وباسم مفاهيم خلقت وتطورت في سياقٍ غربي ليس لنا به صلة، وقد طوّرت هذه الجماعات آنذاك آلياتٍ لتبني تلك المفاهيم كمسمى، والجنوح عنها كواقعٍ، وهي آلياتٌ منافقة تكشف زيفها لاحقا.

أنتج هذا الربيع الأصولي ربيعا أكثر تخلفا، وهو ربيع الطائفية والعرقية والمذهبية، وهو مستمر في إنتاج المزيد من الصراعات الهوياتية الضيقة والأكثر ضيقا، تلك التي تجتلب من بطون النقاط السوداء في التاريخ لتصبح حاكما على الواقع، وهذه الصراعات الهوياتية المتخلفة والأكثر تخلفا تسفر في النهاية عن نجاحاتٍ أو خيباتٍ سياسية، بمعنى أنها تخرج من التاريخ لتؤثر في الواقع، ولترتب الأولويات في المشهد السياسي لا إقليميا فحسب، بل ودوليا، ومن هنا فإن الصراع مع «داعش» أو مع الحوثي أو مع الميليشيات الشيعية التي تعيث فسادا في العراق وسوريا يجب أن يكون دوليا لا إقليميا فقط.

الدعم الأكبر لـ«داعش» كان يأتي من إيران ونظام بشار الأسد في البدايات، ثم أصبح تركيًّا نظرا لتوازناتٍ تحسبها أنقرة تصب في مصلحتها، ثمّ إنها فكريا وتنظيميا تنتمي لجماعة الإخوان المسلمين كما سبق أن أوضح كاتب هذه السطور في هذه المساحة تحت عنوان «داعش بين الوهابية والإخوان المسلمين»، كما أنها تنتمي سياسيا لإيران التي بدأت وطوّرت ووسعت استخدام «الطائفية» كسلاحٍ سياسي في المنطقة.

دون شكٍ، فإن العالم الإسلامي برمته اليوم بحاجة لخلق منظومة تأويلية تخدم الإسلام وتنزع عنه رداء العنف والتوحش الذي تحاول هذه الجماعات إلباسه له، ومن هنا فإن اتهام فقيهٍ كابن تيمية وحده بالمسؤولية عن العنف المعاصر قول لا يمت للعلم بصلة، وللتاريخ فإن تنظيمات العنف التي انطلقت منذ الثلاثينات من القرن الماضي وما تفرع عنها لم تتعرف على ابن تيمية ولم تستند إليه إلا في السبعينات حين استدل محمد عبد السلام فرج في رسالته «الفريضة الغائبة» بفتوى ماردين، واستحضرته «داعش» في دعوى التشريع لحرق الطيار الكساسبة.

وتوظيف المصادر الفقهية القديمة واستحضار نصوصٍ منتقاة منها لخدمة أهداف سياسية كانت بدايتها مع التأويلات التي بنتها جماعات الإسلام السياسي بدءا من الإخوان المسلمين وانتهاء بـ«داعش».

ولنتساءل هنا ما هي الدولة التي تعاديها «داعش» وتضعها نصب عينيها في خطابها وفي الكلمة المسجلة الثانية لخليفتها المزعوم وفي عملياتها تهاجم حدودها وفي المقاطع المصورة التي تنشرها وفي تمزيق جوازات سفرها؟ إنها السعودية بكل بساطة وهو دأب كل الجماعات الأصولية من الإخوان المسلمين إلى «القاعدة» إلى «داعش»، لأن بين الجهتين صراعا على مشروعية تمثيل السنة والإسلام الذي لم تزل السعودية هي رافعة رايته وممثلة أتباعه، وهذا الصراع هو صراع وجودٍ أو عدمٍ، فأحد المشروعين ينفي الآخر.

ولئن كانت الجريمة صادمة فقد كان صادما أيضا الخلل الكبير في وعي بعض من يصنفون نخبا وما هم في الحقيقة إلا صف خامس للإرهاب، وأولئك هم المبررون للجريمة بشتى أصنافهم وأساليبهم، فهناك كتّابٌ غاضبون على دولهم وغضبهم يدفعهم للتبرير لجرائم «داعش» حتى الفاحشة منها، مثل حرق الكساسبة، وهناك تيار ما يسمى بالتنوير والحقوق الذين لم ينوا في التبرير للجريمة، وهناك تيار ما يسمى بالقومية العربية الجديدة في السعودية والخليج، وكل التبريرات التي قدّموها تبريراتٌ أوهى من خيط العنكبوت، وفي السعودية وبعض دول الخليج أنظمة وقوانين تجرّم تشريعيا تبرير الإرهاب والتماس المخارج له.

إن التحالف الدولي ضدّ تنظيم داعش هو نجاحٌ للدول العربية الحريصة على مصالح الدول والشعوب العربية وتشارك فيه السعودية والإمارات العربية المتحدة والأردن، وهو تحالفٌ يحمي دولنا وشعوبنا وحدودنا من شرور الإرهاب الذي يطالنا قبل أن يطال الغرب، ولكن هؤلاء يرون أن دولنا مجرمة لاشتراكها فيه فكتب أحدهم: «داعش تقتلنا لا تدافع عنا، هي تخوض معركتها التي تعنيها ضد تحالفٍ مجرمٍ ومنافقٍ لا يختلف عنها». ويكتب آخر: «عجيب! رغم هذه الحروب الشعواء التي يشنها العالم على الإرهاب إلا أنه في ازدياد! لا بد أنها حروبٌ غير مشروعة فهي ليست في مكانها الصحيح». هكذا أصبحت دولنا مجرمة ومنافقة مثل «داعش» وحروبها غير مشروعة في نظر هؤلاء.

هذان نموذجان فقط، وإلا فما كتب شديد الخطورة ويبين انتفاء مشروعية الدولة لدى العديد ممن كتبوا مثل هذه التبريرات للإرهاب، وأغلبها مكتوبٌ في مواقع التواصل الاجتماعي وهو ما يفتح موضوعا آخر لا يقل أهمية في محاربة الإرهاب، ألا وهو خلق أنظمة وقوانين دولية تجبر تلك المواقع على محاصرة الإرهاب، وما داموا مبدعين فليبدعوا في كبح الإرهاب في مواقعهم.

غالب هؤلاء هم من فئتين؛ الأولى: الليبروإخوان وهم كتاب لا يصنفون أنفسهم مع حركات الإسلام السياسي ولكنهم معه في كل سياساته منذ ما كان يعرف بالربيع العربي، وضد سياسات بلدانهم، بعضهم بوعي وبعضهم من دونه، والثانية: النشطاء والحقوقيون الذين كانوا مطية لـ«الإخوان» آنذاك واستمرأوا الأمر، بينما الإخوان المعتمدون يهددون بالإرهاب في قناتهم من تركيا، ويستنكرون هذه الجريمة ويتفاوضون مع واشنطن كما هي عاداتهم دائما.

أخيرا، إنه ما لم يتمّ تجريم التبرير للإرهاب تشريعيا وتطبيقه تنفيذيا فلن ينتهي الإرهاب ولن تنجح الحروب عليه، والتبرير درجة لا تقل خطورة عن التحريض والتجنيد.

عن الشرق الاوسط

×
أخبار
رئيس ورزاء قطر: إسرائيل تتصرف بتهور ولا تلتزم بتعهداتها وتواصل القتل  وثائقي "نازا" يثير سجالاً حاداً داخل إسرائيل حول آليات الاستهداف والذكاء الاصطناعي في غزة استراتيجية واشنطن في الصومال: تأمين الممرات البحرية على حساب الاستقرار الوطني دراسة: الحرب في الخليج تكشف حدود البدائل وتدفع نحو "هندسة تعدد المسارات" التمويل القطري لجامعة كورنيل يصل لـ 3.38 مليار دولار بعد كشف عقود جديدة من الوساطة إلى هندسة الاستقرار: لماذا يتصدر السودان أولويات الرياض؟ ترامب يكشف عن اتفاق مع الحوثيين.. ويعلن انفتاحه على لقاء الرئيس الإيراني المونيتور: نتنياهو يسعى لتوظيف التهديد الحوثي لدفع التطبيع مع السعودية قبل الانتخابات المتطرف بن غفير يقتحم المسجد الأقصى بحماية قوات الاحتلال.. والأوقاف تستنكر دعوات لواشنطن لبناء "خريطة معمارية" لتتبع شبكات تمويل الإخوان المسلمين وحماس جيش الاحتلال يعدم شابا في جنين ويعتقل آخر في رام الله - فيديو وصور تقرير يكشف تضاربًا بين السجلات الداخلية والبيانات العامة لضحايا الجيش الأمريكي في حرب إيران السيسي خلال استقباله مدير المخابرات الأمريكية: نرفض أي اعتداءات على الدول العربية وندعم اتفاقاً شاملاً مع إيران الصحة: ارتفاع ضحايا حرب الإبادة على قطاع غزة إلى 73,910 شهيدا ألمانيا: انتخابات في ولايتين تهدد بإحداث صدمة جديدة لميرتس خانيونس: مستشفى الكويت الميداني يعلن التوقف عن العمل في جميع الأقسام باستثناء الطوارئ هرتسوغ والجريمة المركبة! جيش الاحتلال وفرق الإرهاب الاستيطاني تنفد حملة اقتحامات اعتقالات واسعة في القدس والضفة الإمارات توضح رسميا ما حدث قبل 7 أكتوبر حول اتصال بن زايد مع نتنياهو رضائي يحدد 7 شروط إيرانية لعودة المفاوضات مع أمريكا ترامب يقطع إجازته ويعود للبيت الأبيض وسط تحذيرات من تصعيد محتمل استطلاع: غالبية الناخبين اليهود في أمريكا قلقون من تأجيج نتنياهو لمعاداة السامية تقرير: الحرب على إيران تمنح موسكو مكاسب استراتيجية وتكشف أزمة الذخائر الأمريكية 3 قراءات تاريخية توضح أسباب رسوخ صعود حزب "البديل" في شرق ألمانيا خلافات داخلية تهدد آمال الديمقراطيين في استعادة الكونغرس في أميركا صحيفة: الثورة التي يتعين على إسرائيل إدراكها قبل فوات الأوان الطيبي يلوح بخطوات برلمانية حاسمة لإسقاط ائتلاف نتنياهو الحاكم "هيئة الجدار": 14 هجوماً للمستوطنين الإرهابيين منذ صباح السبت خبراء من الحرس الثوري زاروا باب المندب لبحث تركيب رادارات تركيا تلغي ترخيص "بنك ملت" الإيراني وتوقف رحلات "ماهان إير"

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط