الأصدقاء الأعزاء متابعي أمد للإعلام .. هناك عملية نقل من مطور لآخر ما قد يؤثر على نشر الأخبار لفترة قصيرة! ...

براء أبو شمالة... نال شهادةَ التفوق وارتقى إلى شهادةِ الخلود

براء أبو شمالة... نال شهادةَ التفوق وارتقى إلى شهادةِ الخلود

تاريخ النشر: 2026-07-22 | 11:26

سامي إبراهيم فودة
سامي إبراهيم فودة

هناك رجالٌ يطول بهم العمر ولا يتركون في الدنيا سوى أسماءٍ عابرة، وهناك من يمرون على هذه الحياة مرور النسيم، لكنهم يتركون في القلوب أثرًا لا تمحوه السنون. ومن هؤلاء كان الشهيد الشاب براء محمد أحمد أبو شمالة، الذي لم يعش طويلًا بسنواته، لكنه عاش عظيمًا بقيمه ومواقفه وأخلاقه، حتى بدا وكأنه خُلق ليختصر رحلة العمر في سيرةٍ من النقاء والكرامة والإيمان.

لم يكن براء مجرد شاب فلسطيني وُلد في مدينةٍ اعتادت أن تنجب الرجال، بل كان ابن مدرسة وطنية أصيلة، نشأ في بيتٍ فتحاوي مناضل، تربّى على حب الوطن، وعلى الإيمان بأن الحرية ليست شعارًا يُرفع، بل مسؤولية تُحمل، وأن الانتماء الحقيقي يظهر في المواقف لا في الكلمات.

في السادس عشر من نيسان عام 2005 أبصر النور، في يومٍ يحمل رمزية خاصة في الوجدان الوطني الفلسطيني، وكأن القدر أراد أن يربط ميلاده منذ اللحظة الأولى بسيرة العظماء والشهداء. ومنذ طفولته، كانت ملامح التميز واضحة على شخصيته؛ هدوءٌ يزينه الوقار، وأخلاقٌ تسبق عمره، وابتسامةٌ صادقة تنبع من قلبٍ نقي لا يعرف إلا الخير.

عرفه الناس مؤدبًا خلوقًا، متواضعًا رغم تفوقه، قريبًا من الجميع، لا يرد محتاجًا، ولا يتأخر عن واجب، محافظًا على صلاته، ملتزمًا بقيمه، يحمل من الشهامة ما يجعل حضوره محبوبًا في كل مجلس، ومن الصدق ما يجعله محل ثقة واحترام كل من عرفه.

وكان العلم أحد ميادين تميزه، فقد سار في دراسته بخطى الواثق الطموح، محققًا إنجازاتٍ أكاديمية لافتة، حتى أنهى دراسته الثانوية الصناعية في تخصص صيانة الهواتف الذكية بمعدلٍ مشرّف بلغ (95.9%)، وهو معدل لم يكن مجرد رقم، بل شهادة على اجتهاد شاب كان يرسم لمستقبله طريقًا من الأمل والعمل والنجاح.

وحين فُتحت أمامه أبواب الجامعة بمنحة كاملة لدراسة الأمن السيبراني، بدا المستقبل وكأنه يبتسم له، وكأن الحياة كانت تتهيأ لتكافئ هذا الشاب المجتهد على صبره وطموحه. لكنه القدر الفلسطيني الذي كثيرًا ما يسرق الأحلام قبل اكتمالها، ويختطف الورد قبل أن يكتمل تفتحه.

في زمن الحرب، حين انكشفت المعادن الحقيقية للناس، ظهر براء على حقيقته التي عرفها المقربون منه دائمًا؛ فارسًا للنخوة، وابنًا أصيلًا للشهامة الفلسطينية. لم يكن من أولئك الذين يراقبون المآسي من بعيد، بل كان ممن يدفعهم ضميرهم إلى الوقوف إلى جانب الآخرين مهما كانت الأخطار.

وفي صباح الرابع من حزيران عام 2024، خرج بدافع الشهامة والوفاء مع مجموعة من أبناء عائلة سليم، محاولًا حماية ممتلكاتٍ كانت تتعرض للنهب في ظل الفوضى التي فرضتها الحرب. لم يخرج بحثًا عن مجدٍ شخصي، ولم يكن ينتظر ثناءً أو مكافأة، بل خرج لأن الرجولة التي تربّى عليها لم تسمح له أن يقف متفرجًا.

لكن يد الموت كانت أسرع.

هناك، وسط أزيز الطائرات ولهيب النيران، تعرض المكان لقصفٍ عنيف. وبينما كُتب للآخرين النجاة، كانت إصابة براء بالغة وقاسية. حاول من معه إنقاذه، لكن النيران الكثيفة وخطورة المنطقة جعلت الوصول إليه مستحيلًا.

وفي تلك اللحظات الفاصلة بين الدنيا والآخرة، كان براء يودع الحياة كما عاشها؛ مؤمنًا ثابتًا مطمئن القلب. نطق الشهادة مرةً، ثم أعادها مرةً أخرى، وكأن روحه كانت تتهيأ للقاء ربها بيقين العارفين. ثم ارتسمت على وجهه ابتسامة هادئة، وأمال رأسه مستسلمًا لرحلة الخلود.

رحل براء، لكن المشهد الذي رافق رحيله ظل محفورًا في ذاكرة كل من سمع به. بقي جسده الطاهر في المكان حتى تمكن أحد أصدقائه، مدفوعًا بالمحبة والوفاء والشجاعة، من الوصول إليه في اليوم التالي وسط المخاطر والنيران. كانت النيران تحيط بالمكان من كل جانب، لكن الجثمان بقي محفوظًا بصورة أثارت دهشة كل من رآه، وكأن الله أراد أن يترك لأهله وأحبته رسالة عزاءٍ خفية، مفادها أن الأرواح الطيبة لا يضيعها الله.

كان المشهد أشبه بلوحة وداعٍ سماوية؛ وجهٌ هادئ، وملامح مطمئنة، ويدٌ مرفوعة كأنها تلقي السلام الأخير على الدنيا قبل الرحيل.

لقد عانى براء وعائلته كما عانى أبناء غزة جميعًا من ويلات الحرب والجوع والنزوح والقهر، لكنهم بقوا متمسكين بأرضهم وكرامتهم. فقدوا البيت، وتحملوا قسوة الأيام، وواجهوا الموت في كل لحظة، لكنهم لم يفقدوا إيمانهم ولا انتماءهم ولا كرامتهم.

ولعل من أصعب ما في قصة براء أن والده، الأخ المناضل محمد أبو شمالة، أحد أبناء حركة فتح ورجالها الأوفياء، وجد نفسه أمام امتحانٍ لا يحتمله قلب أب. كما وجدت والدته المناضلة، صاحبة الحضور الوطني المعروف، نفسها أمام فاجعةٍ تفوق قدرة الكلمات على وصفها. فليس هناك وجع يوازي أن يشيّع الأبوان حلمهما الجميل، وأن يتحول الابن الذي كان ينتظر مقاعد الجامعة إلى صورةٍ معلقة على الجدران وذكرى تسكن القلوب.

لكن العظماء لا يغيبون.

فبراء لم يعد مجرد اسمٍ في سجل الشهداء، بل أصبح قصةً تُروى عن الأخلاق حين تتجسد في إنسان، وعن النخوة حين تتحول إلى موقف، وعن الإيمان حين ينتصر على الخوف، وعن الشباب الفلسطيني الذي يولد محملًا بالأحلام، ثم يجد نفسه مطالبًا بأن يكون أكبر من عمره وأقوى من ظروفه.

سلامٌ على روحك يا براء...

سلامٌ على ابتسامتك الأخيرة.

سلامٌ على أحلامك التي صعدت مع روحك إلى السماء.

سلامٌ على قلبك الذي ظل نقيًا حتى اللحظة الأخيرة.

وسلامٌ على والديك وعائلتك وأحبتك، الذين تركت في قلوبهم جرحًا لن يندمل، لكنك تركت معهم أيضًا فخرًا لا يزول.

نم قرير العين يا ابن فلسطين...

فمن عاش شريفًا ورحل طاهرًا، لا يموت.

والمجد والخلود لشهداء شعبنا الفلسطيني، الذين كتبوا بدمائهم سفر الكرامة، ورسموا للأجيال طريق الحرية مهما طال ليل الظلم والاحتلال.

×
أخبار
ترامب يكشف عن اتفاق مع الحوثيين.. ويعلن انفتاحه على لقاء الرئيس الإيراني المونيتور: نتنياهو يسعى لتوظيف التهديد الحوثي لدفع التطبيع مع السعودية قبل الانتخابات المتطرف بن غفير يقتحم المسجد الأقصى بحماية قوات الاحتلال.. والأوقاف تستنكر دعوات لواشنطن لبناء "خريطة معمارية" لتتبع شبكات تمويل الإخوان المسلمين وحماس جيش الاحتلال يعدم شابا في جنين ويعتقل آخر في رام الله - فيديو وصور تقرير يكشف تضاربًا بين السجلات الداخلية والبيانات العامة لضحايا الجيش الأمريكي في حرب إيران السيسي خلال استقباله مدير المخابرات الأمريكية: نرفض أي اعتداءات على الدول العربية وندعم اتفاقاً شاملاً مع إيران الصحة: ارتفاع ضحايا حرب الإبادة على قطاع غزة إلى 73,910 شهيدا ألمانيا: انتخابات في ولايتين تهدد بإحداث صدمة جديدة لميرتس خانيونس: مستشفى الكويت الميداني يعلن التوقف عن العمل في جميع الأقسام باستثناء الطوارئ هرتسوغ والجريمة المركبة! جيش الاحتلال وفرق الإرهاب الاستيطاني تنفد حملة اقتحامات اعتقالات واسعة في القدس والضفة الإمارات توضح رسميا ما حدث قبل 7 أكتوبر حول اتصال بن زايد مع نتنياهو رضائي يحدد 7 شروط إيرانية لعودة المفاوضات مع أمريكا ترامب يقطع إجازته ويعود للبيت الأبيض وسط تحذيرات من تصعيد محتمل استطلاع: غالبية الناخبين اليهود في أمريكا قلقون من تأجيج نتنياهو لمعاداة السامية تقرير: الحرب على إيران تمنح موسكو مكاسب استراتيجية وتكشف أزمة الذخائر الأمريكية 3 قراءات تاريخية توضح أسباب رسوخ صعود حزب "البديل" في شرق ألمانيا خلافات داخلية تهدد آمال الديمقراطيين في استعادة الكونغرس في أميركا صحيفة: الثورة التي يتعين على إسرائيل إدراكها قبل فوات الأوان الطيبي يلوح بخطوات برلمانية حاسمة لإسقاط ائتلاف نتنياهو الحاكم "هيئة الجدار": 14 هجوماً للمستوطنين الإرهابيين منذ صباح السبت خبراء من الحرس الثوري زاروا باب المندب لبحث تركيب رادارات تركيا تلغي ترخيص "بنك ملت" الإيراني وتوقف رحلات "ماهان إير" هانتر بايدن: إسرائيل سمحت عمدًا بوقوع هجوم 7 أكتوبر لتنفيذ مخططاتها في غزة جمعية رجال الأعمال الفلسطينيين بقطاع غزة تجري انتخابات لمجلس الإدارة الجديد استطلاع: أغلبية الإسرائيليين والفلسطينيين يرون التعايش السلمي "مستحيلًا" مستشار فانس يستدعي محطات الخلاف التاريخية لتفنيد "خضوع" واشنطن لإسرائيل إسرائيل تبلغ بريطانيا بعدم دفع مخططات الاستيطان في E1 قبل الانتخابات صدمة النفط تتجاوز هرمز وتضع منظومة الطاقة العالمية أمام اختبار أوسع

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط