الأصدقاء الأعزاء متابعي أمد للإعلام .. هناك عملية نقل من مطور لآخر ما قد يؤثر على نشر الأخبار لفترة قصيرة! ...

المثقّفون الفلسطينيون والحالة الراهنة

المثقّفون الفلسطينيون والحالة الراهنة

تاريخ النشر: 2021-05-17 | 12:34

فراس حج محمد
فراس حج محمد

الحرب الحالية الدائرة في عموم الأرض الفلسطينية بأشكالها كافّة ليست ثماراً  لجهود المثقّف الفلسطيني الرسمي، وأعني بالرسمي: المثقّف المسجل بصيغة أو بأخرى في إحدى وسائل الثقافة العامة والخاصة من دوائر حكومية ومؤسسات أهلية، بما في ذلك الأكاديميون الجامعيون ومحررو الصحف والمجلات وكتابها، وأصحاب دور النشر، وذلك الجيل من المثقّفين الكلاسيكيين ذوي الكلام "المجعلك". هؤلاء جميعاً لم تكن الجماهير لتتعاطى معهم أو تفهم ما يبقبقون به، لأنهم ذوو خطاب- باختصار- لا وجه له ولا ملامح لذلك كان دائما خطاباً "نخبويا سيئاً" لنخبة "غير جيدة" ثقافيّاً، ولم يكن هذا الخطاب منذ ثلاثين عاماً تقريباً ليشكّل رافعة نضالية. ويستوي في هذه الحالة الخطابات كلها الدينية والعلمانية واليسارية.

فالناس المرابطون في حي الشيخ جراح، والسائرون في المظاهرات، والمنتفضون في المدن الفلسطينية كافة، ليسوا نتاجاً ثقافياً لفعل ثقافيّ مبرمج صنعه "المثقّف الرسمي"، إنما كان لهذه الجماهير ثقافة أخرى تحفر في الوعي بعيداً عن المنابر التي يتعرّش عليها "المثقّف الرسمي"، ويتعربش عليها، طمعاً في أجرة الحبر وصفّ الكلمات عن كل ما يصدّره لتلك المنابر؛ ليترجم برقم مميز بالدولار.

تلك الجماهير لا تعرف الصحف في أغلبها، ولا تعرف إلا الفيسبوك و"التك توك" والإنستغرام، مختصرا باسم الدلع بالأنستا!، حتى أنهم لا يعرفون نخبوية تويتير، إن لهم خطاباً آخر، يميل إلى التهكم والسخرية، يصنعون ثقافتهم الخاصة بمشاهداتهم الخاصة دون آباء أو أوصياء في عالمهم الخاص مع أجهزتهم الذكية، صنعوا ثقافة عميقة لا تقوم على التلقين الديني والوطني واليساري الزائف، لقد صنعوا هم بتجاربهم ثقافتهم، فكوّنوا نتيجة ذلك قناعاتهم الراسخة وحدهم، فصار إيمانهم لا يتزعزع ولا يتزلزل، لذلك من الطبيعي أن يمدّ أحد الشباب يده من تحت الأنقاض رافعا بإصبعيه شارة النصر. هم الذين خلقوا الابتسامة لحظة الاعتقال، هم جيل مثقف ثقافة لا تشبهها الثقافة المركونة في الكتب والصحف وشاشات التلفزيون. هم من يرى تحرير فلسطين من النهر إلى البحر ممكناً، وأقرب من أي وقت مضى، هم من حطموا أصناما صنعها "المثقّف الرسمي". وهم من بالوا على كل النظريات والكتب الشعرية والروايات التي تدعو للسلم والسلام، ووضعوا المواثيق والدساتير الباطلة تحت نعالهم في المظاهرات الحاشدة.

هذه الحالة الثقافية المصرّة على أن تكون في قلب الحدث، وتتجاوز كل العقبات، ولا تسمح لمديري مواقع التواصل الاجتماعي أن تُخرسها، فتحايلت وكتبت وصوّرت وسجّلت فعلها هي بالصوت والصورة. إنها حالة ثقافية نضالية تخص هذا الجيل وحده.

لكن ماذا سيحدث الآن أو بعد قليل؟ لقد بدأ "المثقّفون الرسميون" بالظهور، محاولين تسلّق الشجرة، بدأت هورمونات الانتهازية بالتفعيل، لينتجوا نصوصهم البائسة على هامش الفعل النضالي الكبير، إنها حالة مؤلمة وساخرة وتهكمية، مثقفو اليوم الرسميون ليس كالسابق، عندما كان الشاعر والروائي والصحفي في قلب المعركة مناضلا مشاركا بجسمه وبندقيته، كأمثال غسان كنفاني وعز الدين المناصرة وخالد أبو خالد ورسمي أبو علي، وكل من شارك في الحروب فاستشهد فيها كعلي فودة، هؤلاء ليسوا كمن تحوّل من فدائي إلى أفندي كما يقول أحدهم ساخرا.

يحاول اليوم "المثقّف الرسمي" أن يدخل إلى المشهد، متسلّلاً تسلّلاً غير شرعي، ليوجد في سياق ثقافة تلك الجماهير، بل إنه يحاول أن يمارس دور المحلّل والمحرّم والراسم للأفق والناظر بعيني زرقاء اليمامة، وهو لا يدري أن زرقاء اليمامة أصبحت عمياء منذ وجدت في كتبه وتنظيراته.

إن أسوأ سؤال قد يُسأل الآن: "ما هو دور المثقّف في هذه المرحلة؟". لأنه بلا دور، بلا حضور، بلا يدين، بلا رجلين، بلا عينين، لا يسمع أيضاً، ولغته هي البقبقة ليس أكثر. هذه الحالة النضالية الراهنة لا يفهمها "المثقّف الرسمي" ولا يشارك فيها إلا لينتهزها فقط، هذه الحالة الجماهيرية اليوم هي فقط نبت شرعيّ جماعي لحالة مثل حالة باسل الأعرج، ذلك المثقّف الذي صار علماً على ثقافة المقاومة البعيدة عن التنظير والعبثية.

إن أبأس حالة قد يمرّ بها "المثقّف الرسمي" اليوم أن يكون كاذباً مخادعاً، وزائفاً، ويصطنع لغة وخطابا تهويميّين، جباناً، لا يتساوق وحالة الناس في الشوارع وخلف البنادق والصواريخ والخنادق. بل إنهما لغة وخطاباً ضعيفين مدجنين خاويين، معبّأينِ برائحة شراشف الفنادق الفارهة وكؤوس الخمر وعرق النساء. الجماهير المنتفضة لا تعرف هذا النوع من المثقّفين، ولا تتعاطى معهم، ولا تعيد نشر شيء من أوهامهم على صفحاتها، بل تنشر هتافاتها هي، وتصنع هاشتاجاتها هي بعين بصيرتها التي تبصر أبعد من حيفا ويافا والجليل الأعلى.

إن أفضل ما يحدث اليوم "للمثقف الرسمي" أن يصمت، لأنه لم يقل يوماً- قبل هذا الحدث ولن يقول بعده- خيراً. فمن الأسلم له "شخصيّاً" أن يكفّ عن الهذيان، ففي حديثه خراب، وفي كتاباته تشويه لكل فعل نضالي عميق ونظيف. فلكل فعل ثقافي لغته التي تشبهه، وكل طينة هي جزء أصيل من "المطينة" التي خرجت منها.

هؤلاء المنتفضون والمحاربون وحدهم من يعرفون معنى المثقّف، وماذا تعني الثقافة، وهم وحدهم من يعرف معنى الكتابة والقراءة، كما يعرفون النضال والحرب سواء بسواء، ولغتهم لا يعرفها "المثقّف الرسمي" الذي أصبح دجاجة في المزرعة يلقف ما يُلقى إليه من حَبّ، لتعلوَ البقبقة بكلماتٍ لا قيمة لها.

×
أخبار
من الوساطة إلى هندسة الاستقرار: لماذا يتصدر السودان أولويات الرياض؟ ترامب يكشف عن اتفاق مع الحوثيين.. ويعلن انفتاحه على لقاء الرئيس الإيراني المونيتور: نتنياهو يسعى لتوظيف التهديد الحوثي لدفع التطبيع مع السعودية قبل الانتخابات المتطرف بن غفير يقتحم المسجد الأقصى بحماية قوات الاحتلال.. والأوقاف تستنكر دعوات لواشنطن لبناء "خريطة معمارية" لتتبع شبكات تمويل الإخوان المسلمين وحماس جيش الاحتلال يعدم شابا في جنين ويعتقل آخر في رام الله - فيديو وصور تقرير يكشف تضاربًا بين السجلات الداخلية والبيانات العامة لضحايا الجيش الأمريكي في حرب إيران السيسي خلال استقباله مدير المخابرات الأمريكية: نرفض أي اعتداءات على الدول العربية وندعم اتفاقاً شاملاً مع إيران الصحة: ارتفاع ضحايا حرب الإبادة على قطاع غزة إلى 73,910 شهيدا ألمانيا: انتخابات في ولايتين تهدد بإحداث صدمة جديدة لميرتس خانيونس: مستشفى الكويت الميداني يعلن التوقف عن العمل في جميع الأقسام باستثناء الطوارئ هرتسوغ والجريمة المركبة! جيش الاحتلال وفرق الإرهاب الاستيطاني تنفد حملة اقتحامات اعتقالات واسعة في القدس والضفة الإمارات توضح رسميا ما حدث قبل 7 أكتوبر حول اتصال بن زايد مع نتنياهو رضائي يحدد 7 شروط إيرانية لعودة المفاوضات مع أمريكا ترامب يقطع إجازته ويعود للبيت الأبيض وسط تحذيرات من تصعيد محتمل استطلاع: غالبية الناخبين اليهود في أمريكا قلقون من تأجيج نتنياهو لمعاداة السامية تقرير: الحرب على إيران تمنح موسكو مكاسب استراتيجية وتكشف أزمة الذخائر الأمريكية 3 قراءات تاريخية توضح أسباب رسوخ صعود حزب "البديل" في شرق ألمانيا خلافات داخلية تهدد آمال الديمقراطيين في استعادة الكونغرس في أميركا صحيفة: الثورة التي يتعين على إسرائيل إدراكها قبل فوات الأوان الطيبي يلوح بخطوات برلمانية حاسمة لإسقاط ائتلاف نتنياهو الحاكم "هيئة الجدار": 14 هجوماً للمستوطنين الإرهابيين منذ صباح السبت خبراء من الحرس الثوري زاروا باب المندب لبحث تركيب رادارات تركيا تلغي ترخيص "بنك ملت" الإيراني وتوقف رحلات "ماهان إير" هانتر بايدن: إسرائيل سمحت عمدًا بوقوع هجوم 7 أكتوبر لتنفيذ مخططاتها في غزة جمعية رجال الأعمال الفلسطينيين بقطاع غزة تجري انتخابات لمجلس الإدارة الجديد استطلاع: أغلبية الإسرائيليين والفلسطينيين يرون التعايش السلمي "مستحيلًا" مستشار فانس يستدعي محطات الخلاف التاريخية لتفنيد "خضوع" واشنطن لإسرائيل إسرائيل تبلغ بريطانيا بعدم دفع مخططات الاستيطان في E1 قبل الانتخابات

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط