الأصدقاء الأعزاء متابعي أمد للإعلام .. هناك عملية نقل من مطور لآخر ما قد يؤثر على نشر الأخبار لفترة قصيرة! ...

الفجوة السياسية: بين قلاع السلطة وخرائب غزة!

الفجوة السياسية: بين قلاع السلطة وخرائب غزة!

تاريخ النشر: 2025-08-11 | 19:58

في قلب غزة، حيث تختلط رائحة البحر بوهج البارود، تتشكل صورة سياسية مشوشة تعكس فجوة متسعة بين من يعتلون منصات القرار ومن يكتوون بنار الواقع اليومي. هذه الفجوة ليست وليدة اللحظة، بل هي نتاج تراكمات تاريخية، وصراعات أيديولوجية، وانكسارات أخلاقية، جعلت من المسافة بين السياسي والمواطن مساحة رمادية يملؤها الصمت، وفقدان الثقة، وشعور عميق بالغربة داخل الوطن نفسه.

الفلسفة السياسية تخبرنا أن الحاكم، أيًّا كان شكله، لا يُبرَّر وجوده إلا بقدر ما يحقق الصالح العام، ويحافظ على العقد الاجتماعي الذي ارتضاه الشعب. لكن في غزة، يبدو أن العقد الاجتماعي تمزق تحت ضغط الحصار، والحروب، والمناكفات الفصائلية، حتى صار السؤال الأبرز: لمن يدين السياسي بولائه الفعلي؟ هل هو للشعب الذي يعاني الجوع والتشريد، أم للخطاب الأيديولوجي الذي يبرر التضحية بالممكن من أجل وعد بعيد المنال؟

الواقع يكشف أن الفجوة ليست فقط في القرارات، بل في اللغة ذاتها. السياسي يتحدث بلغة "المشاريع الاستراتيجية" و"الصمود التاريخي"، "الخسائر التكتيكية" بينما المواطن يتحدث بلغة "لقمة العيش" و"الأمان لأطفاله". هنا تتجلى مفارقة مؤلمة: ما يعدّه السياسي انتصارًا، قد يراه المواطن خسارة شخصية ثقيلة، وما يراه المواطن مكسبًا بسيطًا، قد يعتبره السياسي تنازلًا لا يُغتفر. هذه المفارقة تحوّل الحوار بين الطرفين إلى حوار طرشان، حيث الكلمات نفسها تحمل معاني متناقضة.

ومن منظور فلسفي أعمق، يمكن القول إن الفجوة في غزة تحمل بعدًا وجوديًا. السياسي يعيش في فضاء التصور، حيث المعركة الكبرى هي معركة الرموز والمعاني، أما المواطن فيعيش في فضاء الضرورة، حيث المعركة اليومية هي معركة الخبز والماء والكهرباء. وهنا يظهر التوتر بين "الحرية السامية" التي يرفع السياسي شعاراتها، و"الحرية الملموسة" التي يطلبها المواطن: حرية أن يعيش دون خوف، أن يضمن تعليم أبنائه، وأن يختار مسار حياته بعيدًا عن الإكراه.

الأخطر أن هذه الفجوة تخلق حالة من الاغتراب السياسي، حيث يشعر المواطن أن السلطة، مهما رفعت من شعاراته، ليست انعكاسًا حقيقيًا لإرادته. في الفلسفة الهيغلية، الاغتراب يعني أن الإنسان يفقد صلته بجوهره، وفي الحالة الغزية، يفقد الشعب صلته بسلطته، فيراها كيانًا غريبًا لا يمثله بالكامل، بل يفرض عليه سرديته الخاصة. هذا الاغتراب لا يولد فقط اللامبالاة، بل قد يفتح الباب أمام التمرد أو الانسحاب من الفعل السياسي برمته.

كما أن الانقسام السياسي الداخلي يضاعف الفجوة. فكل طرف يسعى لتوظيف معاناة الناس في معركته ضد الطرف الآخر، بينما تُركت القضايا الجوهرية، كالإصلاح السياسي، والمساءلة، والشفافية، على هامش الأجندة. وهكذا يتحول الشعب إلى "موضوع" للسياسة، لا "فاعلًا" فيها، فتُختزل إرادته في صندوق اقتراع مؤجل، أو في حشود جماهيرية تستدعى عند الحاجة، ثم تُترك لتواجه مصيرها.

الفلسفة الأخلاقية تلزم السياسي بأن يكون صادقًا مع شعبه، وأن يوازن بين المثال والممكن، لكن الواقع الغزي يظهر أن المثالية السياسية قد تحولت أحيانًا إلى غطاء للعجز عن تحقيق الممكن، وأن الواقعية الشعبية تصطدم بجدار الخطاب الذي لا يعترف بالهزيمة حتى في قلب الخسارة. هذه الفجوة الأخلاقية قد تكون أخطر من الفجوة المعيشية، لأنها تزرع في النفوس شعورًا بأن السياسة لعبة مغلقة لا مكان فيها للمواطن العادي إلا كرقم أو صورة في نشرات الأخبار.

ومع ذلك، يبقى الأمل قائمًا. فالتاريخ يعلمنا أن الفجوات بين الشعوب وسلطاتها قد تضيق إذا توافرت إرادة حقيقية لإعادة بناء العقد الاجتماعي، على أساس الاعتراف المتبادل بالكرامة الإنسانية، والمشاركة الفعلية في القرار، وشفافية الغايات والوسائل. في غزة، لن تُردم هذه الفجوة بخطابات النصر ولا بوعود المستقبل البعيد، بل بقرارات ملموسة تضع حياة الناس في مركز الاهتمام، وتعيد للسياسة معناها الأصلي: خدمة الإنسان، لا استخدامه.

إن الفجوة السياسية في غزة ليست قدرًا محتومًا، لكنها أيضًا ليست جرحًا يلتئم تلقائيًا. إنها امتحان أخلاقي وفلسفي لكل من يمارس السلطة أو يواجهها، امتحان يُسأل فيه السياسي: هل أنت ممثل لشعبك أم وصي عليه؟ ويُسأل فيه الشعب: هل ستبقى متفرجًا على مسرح السياسة، أم ستعيد كتابته؟ في الإجابة عن هذين السؤالين، قد نجد الطريق إلى جسر الهوة، وربما إلى صياغة حكاية جديدة، أقل وجعًا وأكثر صدقًا.

×
أخبار
المتطرف بن غفير يقتحم المسجد الأقصى بحماية قوات الاحتلال.. والأوقاف تستنكر دعوات لواشنطن لبناء "خريطة معمارية" لتتبع شبكات تمويل الإخوان المسلمين وحماس جيش الاحتلال يعدم شابا في جنين ويعتقل آخر في رام الله - فيديو تقرير يكشف تضاربًا بين السجلات الداخلية والبيانات العامة لضحايا الجيش الأمريكي في حرب إيران السيسي خلال استقباله مدير المخابرات الأمريكية: نرفض أي اعتداءات على الدول العربية وندعم اتفاقاً شاملاً مع إيران الصحة: ارتفاع ضحايا حرب الإبادة على قطاع غزة إلى 73,910 شهيدا ألمانيا: انتخابات في ولايتين تهدد بإحداث صدمة جديدة لميرتس خانيونس: مستشفى الكويت الميداني يعلن التوقف عن العمل في جميع الأقسام باستثناء الطوارئ هرتسوغ والجريمة المركبة! جيش الاحتلال وفرق الإرهاب الاستيطاني تنفد حملة اقتحامات اعتقالات واسعة في القدس والضفة الإمارات توضح رسميا ما حدث قبل 7 أكتوبر حول اتصال بن زايد مع نتنياهو رضائي يحدد 7 شروط إيرانية لعودة المفاوضات مع أمريكا ترامب يقطع إجازته ويعود للبيت الأبيض وسط تحذيرات من تصعيد محتمل استطلاع: غالبية الناخبين اليهود في أمريكا قلقون من تأجيج نتنياهو لمعاداة السامية تقرير: الحرب على إيران تمنح موسكو مكاسب استراتيجية وتكشف أزمة الذخائر الأمريكية 3 قراءات تاريخية توضح أسباب رسوخ صعود حزب "البديل" في شرق ألمانيا خلافات داخلية تهدد آمال الديمقراطيين في استعادة الكونغرس في أميركا صحيفة: الثورة التي يتعين على إسرائيل إدراكها قبل فوات الأوان الطيبي يلوح بخطوات برلمانية حاسمة لإسقاط ائتلاف نتنياهو الحاكم "هيئة الجدار": 14 هجوماً للمستوطنين الإرهابيين منذ صباح السبت خبراء من الحرس الثوري زاروا باب المندب لبحث تركيب رادارات تركيا تلغي ترخيص "بنك ملت" الإيراني وتوقف رحلات "ماهان إير" هانتر بايدن: إسرائيل سمحت عمدًا بوقوع هجوم 7 أكتوبر لتنفيذ مخططاتها في غزة جمعية رجال الأعمال الفلسطينيين بقطاع غزة تجري انتخابات لمجلس الإدارة الجديد استطلاع: أغلبية الإسرائيليين والفلسطينيين يرون التعايش السلمي "مستحيلًا" مستشار فانس يستدعي محطات الخلاف التاريخية لتفنيد "خضوع" واشنطن لإسرائيل إسرائيل تبلغ بريطانيا بعدم دفع مخططات الاستيطان في E1 قبل الانتخابات صدمة النفط تتجاوز هرمز وتضع منظومة الطاقة العالمية أمام اختبار أوسع مؤسسات إعلامية أمريكية ترقض قرار ترامب حظر صحافييها من دخول البيت الأبيض الصحة: ارتفاع ضحايا حرب الإبادة على قطاع غزة إلى 73,910 شهيدا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط