الأصدقاء الأعزاء متابعي أمد للإعلام .. هناك عملية نقل من مطور لآخر ما قد يؤثر على نشر الأخبار لفترة قصيرة! ...

الشاعر علاء الغول في "أشياء لا تكتمل" يصليّ شعرا

الشاعر علاء الغول في "أشياء لا تكتمل" يصليّ شعرا

تاريخ النشر: 2018-01-31 | 20:52

لعلنا نعيش في طقسٍ غير عادي، كما أننا أمام شاعرٍ غير عادي، وديوانُ شعرٍ غير الدياوين التي اعتدنا عليها، شاعرنا تميز عن شعراء جيله، وتفرد في أسلوبه ولغته وفكره، وكما هي أشياؤه التي لا تنتهي، فقراءتُنا له لا تنتهي ولن تنتهي... هو ليس شاعرا فحسب، بل هو نارٌ شعرية ملتهبة قلّ نظيره، فقد أغنى المكتبة العربية بما يزيد عن خمسة عشر ديوانا شعريا حتى الآن، تحرر فيها من هيمنة الما سلف والجاهز.. وهو مستمرٌ في مشروعه الشعري الملتهب والمكتنز بالمعرفة والثقافة الإنسانية من الأساطير المتعددة حتى الحياة العصرية.. من الإرث الإنساني الأزلي إلى ما يصبو إليه إنسان اليوم..

علاء الشاعر لا يكتب للتسلية، أو لمسرّته ومسرّة القرّاء، أو لقضاء الوقت والترويح عن النفس كما يفعل الكثيرون من الشعراء... يقول أدونيس: "إن القصيدة أو المسرحية أو القصة التي يحتاج اليها الجمهور العربي ليست تلك التي تسلّيه، أو تقدم له مادة إستهلاكية، ليست تلك التي تسايره في حياته الخارجية، وإنما هي التي تعارض هذه الحياة أي تصدمه، تُخرجه من سباته، تفرغه من موروثه وتقذفه خارج نفسه، إنها التي تجابه السياسة ومؤسساتها، الدين ومؤسساته, العائلة ومؤسساتها، التراث ومؤسساته، وبنية المجتمع القائم كلها، بجميع مظاهرها ومؤسساتها، من أجل تهديمها كلها، يلزمنا تحطيم الموروث والثابت". (أدونيس، فن الشعر، ص 76) . القراءة في شعر علاء ليست بالأمر السهل؛ فهو ليس كما اعتدنا عليه من شعر حديث كشعر التفعيلة، أو قديم كالعامودي المقفى، أو القصيد النثري... فقد يكون كل ذلك بشكلٍ وأسلوبٍ جديد؛ وربما يكون علاء اقتنص اللحظة أو الفرصة التي وصل إليها درويش في "سرير الغريبة"؛ حيث القصيدة هناك سردية تماما كما النثر، حيث لا نشعر إلا بمتعة الإيقاع وجمالية الموسيقى في سحر لا مثيل له... يقول درويش في حوار لمجلة "الشعراء" الصادرة عن بيت الشعر 1999: "إن النثر أكثر اقترابا من الحياة العصرية، لكن الاستسلام لإيقاعه الإخباري السريع قد يدمر الشعرية، نعم لماذا لا تكون هناك مصالحة بين الخيارين، بين خيار الوزن والخيار الآخر، فهناك منطقة وسطى عمل عليها، ت س إليوت." من هنا يكون الشاعر علاء قد آلف بين النثر والتفعيلة في قصيدة سردية جديدة خلت من أدوات الترقيم، التزم فيها بنية التدويرـ إن جاز لنا التعبيرـ مع الشعر التفعيلي، حيث لا ينتهي السطر الشعري بانتهاء التفعيلة أو مجموعة التفاعيل، وإنما ينتهي بانتهاء بياض الصفحة ليكمل مع السطر التالي، وهكذا فالديوان قصيدة واحدة مطولة، يُبنى فيه مبدأ التجريب المعتمد على العمل الواحد بوصفه سياقا متحدا وإن تعددت تقسيماته.. وبالتالي هو يحتاج إلى قارئ غير عادي كي يسبر غور المتن الذي امتلأ بمضامين تراثية، وإسقاطات تاريخية مؤسطرة، وألفاظا غريبة غير مستخدمة، ومصطلحات عالمية وعلمية تحتاج إلى ثقافة واسعة، لا يمكن للقارئ أن يفهمها إلا بالبحث عن معناها كي يصل إلى مدلولاتها..

ديوان "أشياء لا تكتمل" هو عنوان اختاره الشاعر عن وعي تام يلائم قصائده التي بلغت مائة وثلاثين قصيدة، والعنوان الذي هو دليل الديوان والعتبة التي تلج بنا إلى قصائده، حيث ينقلنا إلى أسئلة كثيرة وإجاباتها محيرة، فهو لم يقل أشياء لم تكتمل، أو أشياء لن تكتمل.. بل قال: أشياءٌ لا تكتمل؛ حيث تفيد النفي المستمر للمستقبل، وهذا يقودنا إلى السؤال الرئيس، وهو: ما هي أشياءُ علاء التي لا تكتمل ، ولن تكتمل؟؟ هل هي مجموعات لقصائد لم يكملها علاء لتكتمل كديوان مستقل، أو عدة دواوين؟؟ أم هي حاجات الإنسان ورغائبه التي لم تكتمل ولن تكتمل؟ أم هي حجم المعرفة الهائلة والتي ليس بمقدور الفرد مجاراتها أو الإلمام بها خصوصا في هذا العصر؟ أم هي طبيعة الكون السرمدية وما يحويه من أشياء كثيرة اكتشفها الإنسان ولم يصل ولن يصل إلى نهايتها، أم هي بحر أو محيط اللغة الذي لا حدود له لنقف عندها..؟ أم هي طبيعة الشعراء وطموحهم الذي لا ينضب في البحث عن الجمال والسمو...؟ أم هي كل ذلك..؟ الإجابة عن هذه الأسئلة متروكة للمتلقي بعدما يقرأ قصائد الديوان..

قد لا ينتبه القارئ أو يهمل ما ذيله الشاعر في نهاية كل قصيدة من قصائد الديوان، حيث أمهرها وألحقها بعنوان آخر، فتشكل الديوان إلى مجموعات من القصائد، تشترك في عنوان واحد يصلح ليكون ديوانا مستقلا، كذلك خلا الفهرس من هذا التصنيف، ولو كنت مكان الشاعر لوضعت هذه العناوين في صفحات مستقلة تليها القصائد، كي يسهّل على المتلقي قراءتها.. عنوان المجموعة الأولى هو: "الشوكُ ماءٌ لا يسيل" ويضم أربعة عشر قصيدة جاءت عناوينها بأسماء لأنواع الصبار المختلفة، واستخدم اللفظ العلمي واللاتيني لهذه الأسماء مثل: (اليوفيرا، كالاتشو، سناسيفيريا، ماميلاريا، سجوار، سيراسيولا،....إلخ كما جاءت في الديوان)، هذه الألفاظ ليس لها مقابلا في العربية، أم أن الشاعر تعمد استخدام اللفظ العلمي أو المتعارف عليها عالميا، ليزيدنا معرفة وعلما..؟ لا أعتقد أن الكثير منا يمكنه أن يذكر لنا أكثر من أربعة أنواع من الصبار، مع معرفته لأشكالها وألوانها... وقد يذهب بعضنا إلى مشاتل الزهور ليبتاع عددا منها دون أن يعرف أسماءها.. وبالتأكيد أن الشاعر لم يحصي كل أنواع الصبار الموجودة في العالم، وأي كان المسعى، فمن المؤكد أننا لا نصل إلى كل شيء. وكذلك قد يكتشف المختصون أنواعا جديدة لم نعرفها من قبل. المجموعة الثانية للقصائد كما جاءت في الديوان بعنوان "رواية في صفحات ناقصة" وحملت خمس قصائدٍ، كأنها رواية حب لم تكتمل. أما المجموعة الثالثة في "أشياء لا تكتمل" عنونها الشاعر بـ "البحرُ أنتِ ونصف غزة للعبث" وتضمنت ثمان قصائد غرقت بالأساطير الفينيقية والإغريقية كما هي طبيعة غزة وتاريخها. المجموعة الرابعة عنونها الشاعر بـ "أكاذيب الدمية" وحملت ثمان قصائد أيضا تعكس حالتنا وواقعنا وأحلامنا كأنه كذب، أو دمية نلهو بها بلا نهاية.. المجموعة الخامسة بعنوان "ريحانة" وتضمنت في صفحاتها تسعة عشر قصيدة.

"دوبيت" لا أعتقد أن كثيرا منا يعرف ما هو "الدوبيت"؟ ولو سألنا الشعراء في غزة إن كانوا يعرفون ما هو الدوبيت؛ فكم إجابة نتوقعها منهم؟ وأنا أيضا من قبل "أشياء لا تكتمل" لم أكن أعرف، وإن سبق أن مررت سريعا علي معناه، فقد نسيته لندرة تداوله..! شاعرنا علاء يقدم لنا في ديوانه اثني عشر "دوبيتا"، اثني عشر أيقونة جميلة وساحرة وعذبة توسطت الديوان في محاولة من الشاعر لإحياء هذا التراث النادر.. فالدوبيت ضربٌ من الشعر الثنائي اشتهر به سكان المناطق الرعوية في السودان، وهو شبيه بالزجل، أو ما يشابهه في الفلوكلور البدوي لدينا بما يسمى "البَدِعْ" أي من الإبداع على أساس ارتجالي من بيتين من الشعر فقط. ويتم بين اثنين يطارحان بعضهما شعرا على أساس كل منهما يطرح بيتين من الغناء.. وأصل التسمية فارسية من (دو) أي اثنين، وللتفريق بينه وبين الرباعية، حيث يتكون "الدوبيت" من قصيدة غنائية طويلة مكونة من مقاطع صغيرة تتألف من بيتين من الشعر.

المجموعة السادسة في الديوان جاءت بعنوان: "مسرحية لمشاهد واحد" ومن فصل واحد بعنوان: "نموذج عن حياة مفتعلة" احتوى على تسعة مشاهد هي قصائد المسرحية، والحياة المفتعلة هي الواقع الذي وصل إليه إنسان اليوم، والذي أصبح فيه مبرمجا ومُشيئا كالآلة.. التي يحركها برنامج (البرولوج) المعبأ في حواسيب الصناعة، إنها مسرحية هزلية من خيال الشاعر الذي يشاهدها هو وحده، دون جمهور آخر يشاركه في مشاهدتها..!! مسرحية عبثية بدون نهاية، ولا نعرف كيف ستأخذنا تكنولوجيا اليوم في عالمنا المجهول والذي لا نهاية له.. المجموعة السابعة عُنونت بـ "نزلت حجرا وكتبت كريمة"، وحملت هذه المجموعة ستة قصائد تبدأ بمخاطبة صانع الجواهر، أو صائغ الذهب الذي يرصعه بالأحجار الكريمة من الياقوت واللؤلؤ والزمرد والزبرجد والفيروز، كمعادل للجمال والإبداع الذي يأمل الشاعر في أن يراه في المحبوبة، كناية عن الأمل والحياة التي يحب أن يعيشها... المجموعة الثامنة حملت العنوان: "نوستاليجيا"، وتضمنت تسعة وعشرين قصيدة هي ذكريات كثيرة حفرت أخدودا عميقا في مخيلة شاعرنا، ولا شك في أنها ساهمت بشكل كبير في صقل شخصيته وثقافته وموهبته الشعرية الملتهبة. المجموعة التاسعة والأخيرة في الديوان بعنوان: "ماء الورد" وهي المجموعة الأكبر في الديوان إذ تضمنت ثمانية وثلاثين قصيدة عنونها شاعرنا بأسماء الأزهار والورود، من زهرة التفاح وزهرة الأوركيد وزهرة الرمان وزهرة البرتقال وزهرة البنفسج والنارينج..... إلى زهرة الكاميليا والنيلوفر وشقائق النعمان وختمها بزهرة القلب..

يقول المنفلوطي: "ولا يستفيقُ الشاعرُ من هموم الدنيا وأكدارها، ومصائبها وأحزانها، إلا إذا جلس إلى مكتبه وأمسك بيَراعِه، فطار به خيالُه بين الأزهار والأنوار، وتنقَّل به بين مسارح الأفلاك، ومسابح الأسماك، ووقف به تارةً على الطُّلول الدَّوارِسِ يَبكي أهلَها النازحين وقُطَّانَها المفارقين، وأخرى على القبور الدوائر يَندب جسومَها الباليات، وأعظُمَها النَّخِرات!" (المنفلوطي: الحياة الشعرية، كتاب: النظرات)

شاعرنا علاء اعتاد على كتابة الشعر يوميا، كراهبٍ أو كاهنٍ لا همّ له سوى تأدية الصلاة، وكلما زاد في العبادة، كلما اقترب من الوصال الذي يبتغيه، لكنه لا يكتمل، ولو اكتمل لما استمر في صلاته وعبادته.. وهذا هو علاء لن يغادر محراب الشعر، يصلي يوميا بقصيدة أو أكثر يعلقها لنا على كعبة الشعر، وسوق الثقافة، لننهل منها الحب والحكمة والأمل تهذيبا للنفوس وحفظا للهوية والطقوس؛ فحان لنا أن نحتفي به شاعرا سامقا عاشقا معشوقا صوفيا رائيا معلما حكيما... مبروك علاء وإلى لقاءٍ جديد.

×
أخبار
دعوات لواشنطن لبناء "خريطة معمارية" لتتبع شبكات تمويل الإخوان المسلمين وحماس جيش الاحتلال يعدم شابا في جنين ويعتقل آخر في رام الله - فيديو تقرير يكشف تضاربًا بين السجلات الداخلية والبيانات العامة لضحايا الجيش الأمريكي في حرب إيران السيسي خلال استقباله مدير المخابرات الأمريكية: نرفض أي اعتداءات على الدول العربية وندعم اتفاقاً شاملاً مع إيران الصحة: ارتفاع ضحايا حرب الإبادة على قطاع غزة إلى 73,910 شهيدا ألمانيا: انتخابات في ولايتين تهدد بإحداث صدمة جديدة لميرتس خانيونس: مستشفى الكويت الميداني يعلن التوقف عن العمل في جميع الأقسام باستثناء الطوارئ هرتسوغ والجريمة المركبة! جيش الاحتلال وفرق الإرهاب الاستيطاني تنفد حملة اقتحامات اعتقالات واسعة في القدس والضفة الإمارات توضح رسميا ما حدث قبل 7 أكتوبر حول اتصال بن زايد مع نتنياهو رضائي يحدد 7 شروط إيرانية لعودة المفاوضات مع أمريكا ترامب يقطع إجازته ويعود للبيت الأبيض وسط تحذيرات من تصعيد محتمل استطلاع: غالبية الناخبين اليهود في أمريكا قلقون من تأجيج نتنياهو لمعاداة السامية تقرير: الحرب على إيران تمنح موسكو مكاسب استراتيجية وتكشف أزمة الذخائر الأمريكية 3 قراءات تاريخية توضح أسباب رسوخ صعود حزب "البديل" في شرق ألمانيا خلافات داخلية تهدد آمال الديمقراطيين في استعادة الكونغرس في أميركا صحيفة: الثورة التي يتعين على إسرائيل إدراكها قبل فوات الأوان الطيبي يلوح بخطوات برلمانية حاسمة لإسقاط ائتلاف نتنياهو الحاكم "هيئة الجدار": 14 هجوماً للمستوطنين الإرهابيين منذ صباح السبت خبراء من الحرس الثوري زاروا باب المندب لبحث تركيب رادارات تركيا تلغي ترخيص "بنك ملت" الإيراني وتوقف رحلات "ماهان إير" هانتر بايدن: إسرائيل سمحت عمدًا بوقوع هجوم 7 أكتوبر لتنفيذ مخططاتها في غزة جمعية رجال الأعمال الفلسطينيين بقطاع غزة تجري انتخابات لمجلس الإدارة الجديد استطلاع: أغلبية الإسرائيليين والفلسطينيين يرون التعايش السلمي "مستحيلًا" مستشار فانس يستدعي محطات الخلاف التاريخية لتفنيد "خضوع" واشنطن لإسرائيل إسرائيل تبلغ بريطانيا بعدم دفع مخططات الاستيطان في E1 قبل الانتخابات صدمة النفط تتجاوز هرمز وتضع منظومة الطاقة العالمية أمام اختبار أوسع مؤسسات إعلامية أمريكية ترقض قرار ترامب حظر صحافييها من دخول البيت الأبيض الصحة: ارتفاع ضحايا حرب الإبادة على قطاع غزة إلى 73,910 شهيدا بعد 3 أعوام من الإبادة.. نصف مليون طالب بغزة يعودون للدراسة وسط الدمار

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط