الأصدقاء الأعزاء متابعي أمد للإعلام .. هناك عملية نقل من مطور لآخر ما قد يؤثر على نشر الأخبار لفترة قصيرة! ...

الخليل التي نحبها

الخليل التي نحبها

تاريخ النشر: 2018-04-29 | 09:26

يسلمنا بهاء القدس الى ميلاد بيت لحم الجميل، فملامسة أغصان العنب الخضراء اليانعة على طريق الخليل، فالمدينة الجديدة، فتسبقني روحي إلى البلدة القديمة، فأجد نفسي قد طرت من شارع عين سارة إلى قلبها الجميل الأكثر دفئا.

تعيدني تفاصيل المدينة الى الكتب، وكلماتي عنها، لعلها ذكريات عزيزة على القلب؛ هي تجوالي لنهاراتها، في أزقتها، حيث الأسماء تحضر الماضي، أو تأخذنا إليه؛ فما إن نخطو على حجارتها حتى نشعر أننا نطير فرحين.

هي، مدينة من حجارة وقلوب وكلمات، والحجارة ليست كباقي الحجارة، فكأنها من ماء وزهر، وكأنها تهمس توشوش تبوح تشكو وتغني..

هنا على باب الزاوية، تسلمني العصور لبعضها، بدءا من الآن، فاختلاط البناء العثماني بالكوليناني، فنقاء الأبنية الأيوبية والمملوكية والفاطمية المنسجمة، في جماليات لا تستطيع إلا الوقوف طويلا لتأملها، ولا تنتهي منها.

وهي المدينة الآن، وهي المدينة هناك موغلة في العراقة الباقية، يطل أطفال البلدة القديمة من فوق قناطرها، فنسمع اللهجة الخليلية المحببة والنقية، فتطل أزمنة، وترى أطفالا من مئات السنين يشاركونهم الحياة، فقد تداخلت الأزمنة وصارت معا.

مبكرة تصحو المدينة، بسلامها واطمئنان ناسها العجيب، بقية نوم في وجه أصحاب الدكاكين، بعضهم يقرأ الصحيفة وإغراء النوم الجميل يداعب العينين، فيما غفا آخرون باطمئنان جميل، أما ابتسامات الباعة، فأنارت طريقي.

طلاب المدارس والطالبات يصحبون زملاءهم إلى المدارس كأنهم طيور؛ لا صراخ فالمدينة مسالمة، هادئة، كأنها بيت جميل، يطردون برفق آثار النعاس، يقاسمهم اليمام فضاء المدينة، يبرقون في الأزقة، وما بين النور والظل، يسكن سحر المدينة، فكيف اجتمعت كل هذه العناصر معا..

لا نهائية المدينة، تطيل النظر في الظل والعتمة، فترة نورا يغريك، فما أن تصله حتى تتكرر ثنائيات العتمة والنور، فهل تلعب المدينة بزوارها؟ ثم اعود لألوذ بالشارع الرئيس، فللا يعرف تفاصيلها غير أهلها، وهي أصلا لا تمنح أسرارها لغيرهم.

اسير في السوق، أشم الهريسة بالسمن البلدي، هي ميزة خليلية إذن، فأتذوق الطعام الدسم، وتسلم العين على المارة، كأننا نعرفهم، نكاد نلمس سقوفها التي تمنحنا بألفة.

أمرّ على ما ألفته من طرقات وأبنية، كأنني ألقي السلام، ثم ما هي دقائق إلا ورأيتني أسلم باليد على كبار السن بكامل هيبتهم ووقارهم وكوفياتهم البيضاء كقلوبهم.

هو تجوالي وحدي، وصعودي المغارة، إلى ما تيسر من تاريخ عريق، وبشر توالوا هنا، فحجارة عظيمة، تثير الأسئلة عمن بناها، وأجوبة اسطورية، يقطعها عليّ سؤال الحراس عن العنب، فأنشغل به عن الأزمنة.

أصعد، درجة درجة، خطوة خطوة، كأن العلو يمنح قدسية للمكان، الذي يستقبلك أيضا بتاريخه، فترى بشرا بملابس متعددة، تعود لعصور مختلفة، وما أن تعبر حتى يستقبلك مقام السيدة سارة، فتلقي السلام، فإذا بك في زمنها، وتلك القصص، التي تعيدك أيضا للطفولة، وإلى أماكن بعيدة من هنا إلى آخر النظر شرقا وجنوبا..

تدور عيونك في الأروقة، فالحرم الرئيسي: السلام عليك يا سيدنا اسحق، السلام عليك يا سيدتنا رفقة، السلام عليك سيدنا إبراهيم، من هنا الى العراق إلى مكة وما بينهما. أمد البصر والخيال الى ما حوصر من مقامات أخرى: السلام عليك يا سيدنا يعقوب، السلام عليك يا سيدتنا لائقة، وسيدنا يوسف..

جميل المكان، فكيف يكون هذا الصراع الدمويّ!

هي بلد الأنبياء فعلا، فأضع أذني هناك على بابي المغارة، هل أسمع أدعية وتسبيحا؟ أم أقرا التاريخ الطويل..؟ وكيف سأستطيع مغادرة كل هذا الشعور؟ تصعد عيناي منبر الحرم، فأدخل تاريخ المكان، تلك هدية التحرر والتحرير.

أعود إلى المكان ولا أعود من الأزمنة، ثم نعود معا، متجولين فيما تبدع به لجنة اعمار البلدة القديمة التي يقودها الشاب الجميل المهندس عماد حمدان، حيث بإمكاننا تلمس بصمات الإبداع في الانتماء لمدينة سيدنا إبراهيم، التي تجلت بإزالة الغبار، وترميم الأبنية لتعود طازجة.

نتجول هنا، نحن المؤتمرون في ندوة التنمية والسياحة، أعيش ما اقترحته من مسارات، حيث أننا زوار أيضا..

هنا حمام، وهنا مصنع زجاج، وهنا مطحنة السمسم، معصرة الزيت، وهنا طريق، وهنا سماء، وهنا البلدة القديمة، فكل ركن يستحق وصفا وفيلما.

فتيات المدارس وعلى مقربة من اليمام رحن يرقصن رقصة شعبية، بفرح واطمئنان فيما ينظر الجنود فزعين، ليتساءل مستوطنان عن سر هذه الطمأنينة العجيبة.

ودا لو كانا عاديين..

المشهد ساخر جدا، وفيه مفارقة كبيرة، هؤلاء الخلايلة والخليليات بدون حراسة لكنهم مطمئنون، فيما يشعر بالخوف هؤلاء الغرباء برغم الحراسة المشددة.

تزرع اصالة ابنة ال10 سنوات الأمل من خلال صوتها، فأشعر بأننا أكثر قوة، نحن في "المؤتمر العلمي التنموي الثاني الدولي المشترك حول السياحة والتنمية: الواقع والتحديات" بنظرة باتجاه مستقبل المدينة لتصبح ضلعا رئيسيا يضاف للقدس وبيت لحم وأريحا، وباقي مراكز فلسطين التاريخية مدنا وبلدات وقرى وخربا؛ حيث يرتقي صوت الطفلة الخليلية لمشاعرنا وأفكارا انتصار للخليل وحبا ووفاء.

روح المكان والمعمار والطبيعة والبشر، هو ما نحتاجه في التقديم والترويج الثقافي للخليل سياحيا، وهذا ما نجتهد به، ليصبح شعار "زوروا الخليل" الذي أطلقه الشاب طارق التميمي قبل سنوات، نداء من دواخلنا وإليها ومنها.

كيف نقدم المكان سياحيا بما فيه من مكونات الفضاء التاريخي للخليل والفضاء الفيزيقي، في ظل كون المدينة من أقدس المدن، وكونها مدينة عادية من ناحية أخرى؟

لذلك فإننا نطمح أن نقدم مقترحات عملية في الترويج لمراكز المدن التاريخية الفلسطينية سياحيا، عبر الثقافة والإعلام، بما يرتقي بتلك المراكز، باتجاه جعل الاهتمام بزيارة المدينة أمرا مهما، وبشكل دائم، وعدم الاكتفاء بالترويج السريع.

وميزة هذا الاقتراح في الترويج، أنه لا يقف فقط عند الترويج السياحي، بل والثقافي، فليس الهدف هو تحقيق معدلات دخل من ازدهار السياحة، لأن الجانب المادي ليس هو الهدف الأكبر. لذلك فإن الارتقاء بتقديم مراكز المدن التاريخية يعني ديمومتها سياحيا وثقافيا.

نزور الخليل بشوق المحب ونتركها ونحن نخطط للزيارة القادمة، نداء دائم يشدنا من قلوبنا وعقولنا، الى بلد الأنبياء والعنب، والتاريخ، والحاضر المزدهر، صناعة وتجارة وزراعة وثقافة.

نأتي ونغادر وفينا شيء منها..يبقى فينا، فهي من نحب، وهي من نشعر بالأمان فيها، بما نلمسه من اطمئنان أرواح أهلها وحجارتها..واليمام.

×
أخبار
دعوات لواشنطن لبناء "خريطة معمارية" لتتبع شبكات تمويل الإخوان المسلمين وحماس جيش الاحتلال يعدم شابا في جنين ويعتقل آخر في رام الله - فيديو تقرير يكشف تضاربًا بين السجلات الداخلية والبيانات العامة لضحايا الجيش الأمريكي في حرب إيران السيسي خلال استقباله مدير المخابرات الأمريكية: نرفض أي اعتداءات على الدول العربية وندعم اتفاقاً شاملاً مع إيران الصحة: ارتفاع ضحايا حرب الإبادة على قطاع غزة إلى 73,910 شهيدا ألمانيا: انتخابات في ولايتين تهدد بإحداث صدمة جديدة لميرتس خانيونس: مستشفى الكويت الميداني يعلن التوقف عن العمل في جميع الأقسام باستثناء الطوارئ هرتسوغ والجريمة المركبة! جيش الاحتلال وفرق الإرهاب الاستيطاني تنفد حملة اقتحامات اعتقالات واسعة في القدس والضفة الإمارات توضح رسميا ما حدث قبل 7 أكتوبر حول اتصال بن زايد مع نتنياهو رضائي يحدد 7 شروط إيرانية لعودة المفاوضات مع أمريكا ترامب يقطع إجازته ويعود للبيت الأبيض وسط تحذيرات من تصعيد محتمل استطلاع: غالبية الناخبين اليهود في أمريكا قلقون من تأجيج نتنياهو لمعاداة السامية تقرير: الحرب على إيران تمنح موسكو مكاسب استراتيجية وتكشف أزمة الذخائر الأمريكية 3 قراءات تاريخية توضح أسباب رسوخ صعود حزب "البديل" في شرق ألمانيا خلافات داخلية تهدد آمال الديمقراطيين في استعادة الكونغرس في أميركا صحيفة: الثورة التي يتعين على إسرائيل إدراكها قبل فوات الأوان الطيبي يلوح بخطوات برلمانية حاسمة لإسقاط ائتلاف نتنياهو الحاكم "هيئة الجدار": 14 هجوماً للمستوطنين الإرهابيين منذ صباح السبت خبراء من الحرس الثوري زاروا باب المندب لبحث تركيب رادارات تركيا تلغي ترخيص "بنك ملت" الإيراني وتوقف رحلات "ماهان إير" هانتر بايدن: إسرائيل سمحت عمدًا بوقوع هجوم 7 أكتوبر لتنفيذ مخططاتها في غزة جمعية رجال الأعمال الفلسطينيين بقطاع غزة تجري انتخابات لمجلس الإدارة الجديد استطلاع: أغلبية الإسرائيليين والفلسطينيين يرون التعايش السلمي "مستحيلًا" مستشار فانس يستدعي محطات الخلاف التاريخية لتفنيد "خضوع" واشنطن لإسرائيل إسرائيل تبلغ بريطانيا بعدم دفع مخططات الاستيطان في E1 قبل الانتخابات صدمة النفط تتجاوز هرمز وتضع منظومة الطاقة العالمية أمام اختبار أوسع مؤسسات إعلامية أمريكية ترقض قرار ترامب حظر صحافييها من دخول البيت الأبيض الصحة: ارتفاع ضحايا حرب الإبادة على قطاع غزة إلى 73,910 شهيدا بعد 3 أعوام من الإبادة.. نصف مليون طالب بغزة يعودون للدراسة وسط الدمار

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط