الأصدقاء الأعزاء متابعي أمد للإعلام .. هناك عملية نقل من مطور لآخر ما قد يؤثر على نشر الأخبار لفترة قصيرة! ...

الحرب على الوعي... عندما يصبح الإنسان ساحة المعركة

الحرب على الوعي... عندما يصبح الإنسان ساحة المعركة

تاريخ النشر: 2026-07-13 | 11:00

د. حكمت نبيل المصري
د. حكمت نبيل المصري

بقلم:

لم تعد الحروب الحديثة تُقاس بعدد الصواريخ أو مساحة الأراضي التي تُحتل، بل بقدرة الأطراف المتصارعة على إعادة تشكيل وعي المجتمعات. فمن ينجح في التأثير على طريقة تفكير الناس، وإعادة تعريف الحقائق في أذهانهم، يمتلك أداة قد تكون أكثر فاعلية من القوة العسكرية نفسها.

في عام 1984، قدم المنشق السوفيتي يوري بيزمينوف تصورًا مثيرًا للجدل حول ما سماه "التخريب الأيديولوجي". لم تكن الفكرة الأساسية في حديثه أن إسقاط الدول يبدأ بالدبابات، بل أن المجتمعات قد تُستنزف من الداخل عندما تتآكل منظومتها القيمية، ويضعف تعليمها، وتتراجع ثقتها بالمؤسسات، وتصبح عاجزة عن التمييز بين الحقيقة والدعاية. ورغم أن كثيرًا من الباحثين ينظرون إلى أطروحاته بوصفها جزءًا من سياق الحرب الباردة وليست نظرية علمية مكتملة، فإنها تثير سؤالًا يستحق التأمل: ماذا يحدث عندما يصبح الوعي نفسه هدفًا للصراع؟

لو تأملنا واقعنا الفلسطيني اليوم، سنجد أن الحرب لم تقتصر على تدمير الأبراج والطرق والمستشفيات، بل امتدت إلى ما هو أعمق. فقد تعرض الإنسان الفلسطيني لضغط نفسي واجتماعي ومعرفي هائل. أجيال كاملة عاشت القصف والنزوح وفقدان الأحبة وانقطاع التعليم، وفي الوقت نفسه أصبحت محاصرة بسيل لا ينقطع من الأخبار، والصور، والتحليلات، والشائعات، والدعاية المتبادلة.

في مثل هذه الظروف، لا يصبح السؤال: "ما الذي حدث؟"، بل: "من ينجح في تفسير ما حدث؟". وهنا تبدأ معركة الرواية، وهي معركة لا تقل أهمية عن أي مواجهة عسكرية. فالرواية ليست مجرد قصة تُروى، بل هي التي تصوغ الذاكرة الجماعية، وتحدد من هو الضحية، ومن هو المعتدي، وما الذي يجب الدفاع عنه.

إن أخطر ما يمكن أن يصيب أي مجتمع بعد الحرب ليس فقط حجم الدمار، بل اعتياد الناس على الانقسام، وفقدان الثقة، وتحول الشك إلى أسلوب حياة. عندما يصبح الجميع يشك في الجميع، وعندما تتراجع قيمة المعرفة أمام سرعة تداول المعلومة، يصبح المجتمع أكثر هشاشة وأكثر قابلية للتأثر بأي خطاب يستثمر في الخوف أو الغضب.

ولعل ما نشهده اليوم على منصات التواصل الاجتماعي يعكس هذا التحول بوضوح. فخوارزميات هذه المنصات لا تكافئ الحقيقة بالضرورة، بل تكافئ المحتوى الأكثر إثارة وقدرة على جذب الانتباه. وهكذا تتحول المشاعر إلى وقود للنقاش العام، بينما يتراجع التفكير الهادئ والتحليل الرصين. وفي بيئة تعيش أصلًا آثار الحرب، تصبح هذه الحالة أكثر خطورة لأنها تعمق الانقسام وتستنزف الطاقة المجتمعية.

لهذا، فإن الحديث عن إعادة إعمار غزة يجب ألا يقتصر على الإسمنت والحديد والكهرباء. فإعادة بناء الإنسان أكثر تعقيدًا من إعادة بناء المباني. الطفل الذي انقطع عن التعليم يحتاج إلى أكثر من مدرسة، والشاب الذي عاش سنوات من الحرب يحتاج إلى أكثر من فرصة عمل؛ يحتاجان إلى بيئة تستعيد الثقة، وتشجع التفكير النقدي، وتحميهما من الاستسلام لليأس أو للخطابات التي تختزل الواقع في ثنائيات حادة لا تترك مساحة للعقل.

إن التعليم، في هذا السياق، ليس خدمة عامة فحسب، بل مشروع وطني طويل الأمد. فهو المؤسسة التي تُنتج المواطن القادر على طرح الأسئلة، لا مجرد تكرار الإجابات. وهو الذي يمنح المجتمع مناعة ضد التضليل، سواء جاء من خصم خارجي أو من انقسام داخلي.

لقد أثبتت التجارب أن الدول قد تتعافى من الدمار المادي خلال سنوات، لكنها تحتاج إلى عقود إذا تعرض وعيها الجمعي للتآكل. فالجسور يمكن إعادة بنائها، أما الثقة بين الناس، والإيمان بالمستقبل، والقدرة على الحوار، فهي مشاريع تحتاج إلى وقت وإرادة واستثمار حقيقي.

لذلك، فإن معركة الفلسطيني في المرحلة المقبلة ليست معركة إعادة الإعمار فقط، ولا معركة السياسة وحدها، بل هي أيضًا معركة حماية الوعي. لأن المجتمع الذي يحافظ على وعيه، حتى وهو يمر بأقسى الظروف، يملك فرصة للنهوض. أما المجتمع الذي يخسر وعيه، فإنه قد يجد نفسه مهزومًا حتى بعد أن تتوقف الحرب.

لقد تغير شكل الصراعات، وأصبحت الجبهة الأولى هي الإنسان نفسه. ومن هنا، فإن حماية العقل، وصيانة التعليم، وترسيخ الهوية الوطنية، وتعزيز ثقافة الحوار، ليست قضايا ثقافية هامشية، بل أصبحت من أهم ركائز الأمن الوطني ومستقبل المجتمع الفلسطيني.

×
أخبار
دعوات لواشنطن لبناء "خريطة معمارية" لتتبع شبكات تمويل الإخوان المسلمين وحماس جيش الاحتلال يعدم شابا في جنين ويعتقل آخر في رام الله - فيديو تقرير يكشف تضاربًا بين السجلات الداخلية والبيانات العامة لضحايا الجيش الأمريكي في حرب إيران السيسي خلال استقباله مدير المخابرات الأمريكية: نرفض أي اعتداءات على الدول العربية وندعم اتفاقاً شاملاً مع إيران الصحة: ارتفاع ضحايا حرب الإبادة على قطاع غزة إلى 73,910 شهيدا ألمانيا: انتخابات في ولايتين تهدد بإحداث صدمة جديدة لميرتس خانيونس: مستشفى الكويت الميداني يعلن التوقف عن العمل في جميع الأقسام باستثناء الطوارئ هرتسوغ والجريمة المركبة! جيش الاحتلال وفرق الإرهاب الاستيطاني تنفد حملة اقتحامات اعتقالات واسعة في القدس والضفة الإمارات توضح رسميا ما حدث قبل 7 أكتوبر حول اتصال بن زايد مع نتنياهو رضائي يحدد 7 شروط إيرانية لعودة المفاوضات مع أمريكا ترامب يقطع إجازته ويعود للبيت الأبيض وسط تحذيرات من تصعيد محتمل استطلاع: غالبية الناخبين اليهود في أمريكا قلقون من تأجيج نتنياهو لمعاداة السامية تقرير: الحرب على إيران تمنح موسكو مكاسب استراتيجية وتكشف أزمة الذخائر الأمريكية 3 قراءات تاريخية توضح أسباب رسوخ صعود حزب "البديل" في شرق ألمانيا خلافات داخلية تهدد آمال الديمقراطيين في استعادة الكونغرس في أميركا صحيفة: الثورة التي يتعين على إسرائيل إدراكها قبل فوات الأوان الطيبي يلوح بخطوات برلمانية حاسمة لإسقاط ائتلاف نتنياهو الحاكم "هيئة الجدار": 14 هجوماً للمستوطنين الإرهابيين منذ صباح السبت خبراء من الحرس الثوري زاروا باب المندب لبحث تركيب رادارات تركيا تلغي ترخيص "بنك ملت" الإيراني وتوقف رحلات "ماهان إير" هانتر بايدن: إسرائيل سمحت عمدًا بوقوع هجوم 7 أكتوبر لتنفيذ مخططاتها في غزة جمعية رجال الأعمال الفلسطينيين بقطاع غزة تجري انتخابات لمجلس الإدارة الجديد استطلاع: أغلبية الإسرائيليين والفلسطينيين يرون التعايش السلمي "مستحيلًا" مستشار فانس يستدعي محطات الخلاف التاريخية لتفنيد "خضوع" واشنطن لإسرائيل إسرائيل تبلغ بريطانيا بعدم دفع مخططات الاستيطان في E1 قبل الانتخابات صدمة النفط تتجاوز هرمز وتضع منظومة الطاقة العالمية أمام اختبار أوسع مؤسسات إعلامية أمريكية ترقض قرار ترامب حظر صحافييها من دخول البيت الأبيض الصحة: ارتفاع ضحايا حرب الإبادة على قطاع غزة إلى 73,910 شهيدا بعد 3 أعوام من الإبادة.. نصف مليون طالب بغزة يعودون للدراسة وسط الدمار

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط