الأصدقاء الأعزاء متابعي أمد للإعلام .. هناك عملية نقل من مطور لآخر ما قد يؤثر على نشر الأخبار لفترة قصيرة! ...

هل كان لداود مملكة في هذه البلاد

هل كان لداود مملكة في هذه البلاد

تاريخ النشر: 2023-07-23 | 07:14

لو عاد بي الزمن الى الوراء ، لاخترت لدراستي الجامعية في ألمانيا الاتحادية علم التاريخ القديم وعلم الآثار ، بدل العلوم السياسية والتاريخ الحديث والقانون الدولي . يدفعني لذلك هذه الهستيريا ، التي تجتاح أوساطا سياسية واسعة في اسرائيل بدءا بحزب الصهيونية الدينية برئاسة بتسلئيل سموتريتش ، مرورا بحزب القوة اليهودية برئاسة ايتمار بن غفير وانتهاء بحزب الليكود برئاسة بنيامين نتنياهو . هذه الهستيريا ليست وليدة اليوم ، فقد كانت كامنة في ما يسمى وثيقة استقلال هذه الدولة ، التي جاءت الى هذه المنطقة محمولة على جناح وعد بلفور ، لا على جناح وعد إلهي .

هي هستيريا البحث عن تاريخ دون سند تاريخي . هذا هو حال بنيامين نتنياهو ، كما هو حال بتسلئيل سموتريتش وغيرهما كثير . يجدر التنويه هنا أن خلافا جوهريا يدور في إسرائيل على هذا الصعيد بين مدرستين : الأولى تقرأ أسفار التوراة وتجري حفريات على أساس ذلك في طول هذه البلاد وعرضها من أجل إثبات صحة أساطيرها ، والثانية تجري الحفريات ، وتعود بعدها إلى أسفار التوراة لتنقض تلك الأساطير .

مملكة بنيامين نتنياهو تذهب بعيدا في التاريخ ، الى ما قبل ثلاثة آلاف وخمسمائة سنة كما يزعم ، وكذا هو الحال عند بتسلئيل سموتريتش ، أما دولة اسرائيل الجديدة فهي عودة الروح الى تلك المملكة . هكذا كان الأمر على كل حال في إعلان استقلال هذه الدولة عام 1948 ، فقد بعثت اسرائيل في ذلك العام من جديد . هي مملكة شاؤؤل وداوود وسليمان تبعث من جديد . فما هي حكاية تلك المملكة .

في البداية لم يكن " بنو اسرائيل " ، وتحديدا المؤسسة الكهنوتية من المتحمسين لفكرة الحكم في دولة أو مملكة ، وقد أصيب النبي صموئيل ، أعظم انبيائهم ، بخيبة أمل كبيرة عندما وضعته تلك القبائل الرعوية من " بني اسرائيل " أمام أحد خيارين ، إما المملكة ، كما هو حال الشعوب المجاورة أو تحمل تبعات البقاء في شقاء العيش والخضوع للممالك المجاورة ، وهي في تلك الحال ممالك كنعانية . ولم يكن أمام صموئيل سوى الرضوخ لرغبة تلك القبائل ، ليقع اختياره على شاؤؤل ويمسحه ملكا على " بني اسرائيل " . الصدفة هي التي لعبت دورا في ذلك ، لم يكن صموئيل على معرفة سابقة بذلك الراعي ، الذي خرج يبحث عن أتن ( حمير ) أبيه ، التي ضاعت وضلت الطريق . كان ذلك الراعي هو شاؤؤل نفسه ، فتى طويل القامة ، أطول من بني جلدنه بمقدار الرأس ، وسيم للغاية ، أعجب به صموئيل ومسحه دون سابق معرفة ملكا على اسرائيل . شاؤؤل هذا لم يبن مملكة ، إذ سرعان ما انشغل في صراع مع المؤسسة الكهنوتية ، لا لشيء إلا لأنه قدم بنفسه الذبيحة قبل خروجه لقتال الفلسطينيين ، ما أثار حفيظة وغضب صموئيل . هي في اختصار قصة الصراع المعروفة في التاريخ بين الدنيوي واللاهوتي . غضب صموئيل تحول الى البحث عن ملك بديل أكثر استعدادا لطاعة المؤسسة الكهنوتية ، فوقع خياره على داود ، ليصبح شاؤول في مأزق كبير ، خاصة بعد ان علم بأن صموئيل مسح داود سرا ملكا على " بني اسرائيل " . شاؤؤل هذا هو صنيعة النبي صموئيل لا أكثر ولا أقل ، كان حظه عاثرا ، وقد تنبأ له ذلك النبي بمصير بائس ، فقد عاش بين مطرقة صموئيل وسندان هواجسه من داوود ، لم يبن مملكة وقتل وولديه في معركة مع الفلسطينيين .

قصة داوود أكثر تعقيدا . فقد كان داوود شخصية إشكالية من البداية وحتى النهاية . فقبل مسحه ملكا على اسرائيل كان داوود حسب الروايات مجرد واحد من ابناء ثمانية لرجل من سبط يهودا من بيت لحم ، كان كراع لخراف أبيه يجيد العزف على القيثار ، ولمع نجمه في القصة المشوقة المعروفة ، فصة داوود وجوليات . كان جوليات فارسا فلسطينيا عملاقا ، وقف في أحدى معاركه مع " بني اسرائيل " يتحدى شاؤول وقادة جيشه للمبارزة على امتداد اربعين يوما دون ان يبرز إليه أحد ، حتى جاء داوود وكان ما كان من شأن اسطورة داوود وجوليات . غير أن الاسطورة تلك تنطوي على تناقض ما زال ينتظر الحل . ففي كتاب الملوك الأول يجري الحديث عن داوود باعتباره قاتل جوليات ، ولكن كتاب الملوك الثاني ينقض الرواية ويقرر أن إلحانان ، الذي من بيت لحم ، هو قاتل جوليات . هذا التناقض جرى حله من خلال الاستعانة بنصوص ماري ، ففي تلك النصوص يظهر داوود كلقب أو صفة وهو بهذا المعنى يعني القائد ، وهكذا حل علماء التوراة ذلك التناقض واعتبروا داوود ( الصفة ) والحانان شخصا واحدا وأطلقوا على إلحانان اسم داوود تقديرا له على بسالته . غير ان التناقض في اسطورة داوود وجوليات لم يقف عند هذه الحدود ، لأن الاسطورة تقرر كذلك ان داوود / إلحانان ، وفقا للإصحاح السابع عشر من سقر صموئيل الأول ، نقل رأس جوليات الى اورشاليم ، التي كانت لليبوسيين دون غيرهم ولا وجود فيها لأي من " بني اسرائيل " أو لشاؤول وأتباعه .  

كان داوود قبل ان يصبح ملكا زعيما لعصابة تضم في صفوفها ستمائة من قطاع الطرق ، وكان مطاردا من الملك شاؤول وكثيرا ما كان يلجأ الى الفلسطينيين يطلب الحماية ، وقد منحه الفلسطينيون ذلك وفقا لأسفار الملوك . وعندما حل ملكا بعد مصير شاؤول المأساوي ، كان داود أيضا طريدا عبر الاردن لابنه أبشالوم ، الذي اغتصب السلطة من أبيه . لم تكن بداية ملكه توحي بالاستقرار ، الذي يسمح له ببناء مملكة قادرة على شن الحروب والتوسع في انتصارات على الممالك المجاورة وتأسيس امبراطورية . وما جاء في رواية سفر صموئيل وسفر الملوك الأول بشأن تلك لإمبراطورية ، التي امتدت من النيل الى الفـرات لم يكن له وجود من الأساس

ولكن ما هو مصدر اسطورة تلك الامبراطورية . كثير من علماء التاريخ يؤكدون أن الاسطورة هذه هي استعارة من كتابات مصرية حول حروب " تحتمس الثالث " وانتصاراته على تحالف الممالك في آرام ومؤاب وآدوم وكنعان ، التي تنادت لصد التوسع الفرعوني في هذه البلاد وصولا الى ما بين النهرين ، والذي بنى إمبراطورية مصرية امتدت فعلا من النيل الى الفرات وهي حروب وانتصارات منقوشة بتفاصيلها على جدران معبد الكرنك . الرواية التوراتية عن امبراطورية داوود جاءت على شكل استعارة دون تعديل تقريبا فظهرت عارية . الى ذلك يشير سفر صموئيل الثاني في الاصحاحين الثامن والعاشر ، فهما مقتبسان بالكامل من حروب ذلك الفرعون .

وعلى كل حال فإن عالم الآثار الإسرائيلي إسرائيل فنكلشتاين ، من جامعة تل أبيب ، يذهب أبعد من ذلك . فهو ينفي في تقرير له ، نشرته مجلَّة جيروساليم ريبورت الإسرائيلية في الخامس من آب عام 2011 ، أي شاهِد إثبات تاريخي ، على وجود داود ؛ المَلِك المحارِب ؛ الذي اتَّخَذَ من القدس عاصمة له ، ويؤكد أن شخصية داود ، كزعيم يحظى بتكريم كبير وحد مملكتي يهودا واسرائيل ليس غير وهم وخيال ولم يكن له وجود حقيقي .

وفي الخاتمة يذكرني بنيامين نتنياهو ، ومثله ذلك الفاشي الأرعن بتسلئيل سنوتريتش ، بتلك القطعة النقدية التي أوقعت بنيامين نتنياهو في الحرج نهاية آب 2017 ، بعد أن نشر صورتها على صفحته على فيسبوك مدعيا أنها اكتشاف مثير ودليل آخر على الارتباط العميق بين شعب إسرائيل وبلاده القدس والهيكل والمستوطنات ويهودا والسامرة وأنها تعود إلى أيام الهيكل الثاني قبل ألفي عام ، ليتبين سريعا فيما بعد أن القطعة ما هي إلا تذكار للأطفال صكت بمبادرة من متحف إسرائيل قبل حوالي 15 عاما من ذلك التاريخ . قصة مملكة داود هي كقصة تلك القطعة النقدية .

×
أخبار
صحيفة سويسرية: خطة ألمانية قد تؤدي لترحيل نصف مليون سوري تقرير: سيناريو استخباراتي يُثير مخاوف دول الخليج وتركيا حال سقوط نظام إيران عبد العاطي لوفد المنظمات اليهودية الأمريكية: نرفض أية محاولات لتهجير الفلسطينيين وثيقة سرية: روسيا وإيران توسعان قنوات مالية وتجارية للالتفاف على العقوبات رئيس ورزاء قطر: إسرائيل تتصرف بتهور ولا تلتزم بتعهداتها وتواصل القتل ميلوني تعلن إجراءات جديدة في المدارس الإيطالية بينها حظر النقاب هرتسوغ كان يعرف ما الذي يفعله عندما أصدر عفوًا عن عزاريا قبل أقل من 40 يومًا من الانتخابات  وثائقي "نازا" يثير سجالاً حاداً داخل إسرائيل حول آليات الاستهداف والذكاء الاصطناعي في غزة استراتيجية واشنطن في الصومال: تأمين الممرات البحرية على حساب الاستقرار الوطني دراسة: الحرب في الخليج تكشف حدود البدائل وتدفع نحو "هندسة تعدد المسارات" التمويل القطري لجامعة كورنيل يصل لـ 3.38 مليار دولار بعد كشف عقود جديدة من الوساطة إلى هندسة الاستقرار: لماذا يتصدر السودان أولويات الرياض؟ ترامب يكشف عن اتفاق مع الحوثيين.. ويعلن انفتاحه على لقاء الرئيس الإيراني المونيتور: نتنياهو يسعى لتوظيف التهديد الحوثي لدفع التطبيع مع السعودية قبل الانتخابات المتطرف بن غفير يقتحم المسجد الأقصى بحماية قوات الاحتلال.. والأوقاف تستنكر دعوات لواشنطن لبناء "خريطة معمارية" لتتبع شبكات تمويل الإخوان المسلمين وحماس جيش الاحتلال يعدم شابا في جنين ويعتقل آخر في رام الله - فيديو وصور تقرير يكشف تضاربًا بين السجلات الداخلية والبيانات العامة لضحايا الجيش الأمريكي في حرب إيران السيسي خلال استقباله مدير المخابرات الأمريكية: نرفض أي اعتداءات على الدول العربية وندعم اتفاقاً شاملاً مع إيران الصحة: ارتفاع ضحايا حرب الإبادة على قطاع غزة إلى 73,910 شهيدا ألمانيا: انتخابات في ولايتين تهدد بإحداث صدمة جديدة لميرتس خانيونس: مستشفى الكويت الميداني يعلن التوقف عن العمل في جميع الأقسام باستثناء الطوارئ هرتسوغ والجريمة المركبة! جيش الاحتلال وفرق الإرهاب الاستيطاني تنفد حملة اقتحامات اعتقالات واسعة في القدس والضفة الإمارات توضح رسميا ما حدث قبل 7 أكتوبر حول اتصال بن زايد مع نتنياهو رضائي يحدد 7 شروط إيرانية لعودة المفاوضات مع أمريكا ترامب يقطع إجازته ويعود للبيت الأبيض وسط تحذيرات من تصعيد محتمل استطلاع: غالبية الناخبين اليهود في أمريكا قلقون من تأجيج نتنياهو لمعاداة السامية تقرير: الحرب على إيران تمنح موسكو مكاسب استراتيجية وتكشف أزمة الذخائر الأمريكية 3 قراءات تاريخية توضح أسباب رسوخ صعود حزب "البديل" في شرق ألمانيا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط