الأصدقاء الأعزاء متابعي أمد للإعلام .. هناك عملية نقل من مطور لآخر ما قد يؤثر على نشر الأخبار لفترة قصيرة! ...

غزّة: “عصابات المجاعة” أول فصول الكارثة

للمجاعة التي نعيشها في غزّة وجه آخر غير الجوع، فعندما تفترس الفوضى وجوه الجوعى، وتتجلّى الوحشية الإسرائيلية في تفتيت ما تبقّى من الروح الجماعية، يبدو وكأن الشر كلّه قد اجتمع في لحظة واحدة، كامناً في داخلنا، يتربّص بلحظات الضعف. 
عايشنا سابقاً فترات قاسية في تاريخنا، لكن ما يحدث اليوم، في قلب حرب الإبادة، لا يشبه شيئاً عرفناه من قبل: قسوة بلا حدود، وانحدار غير مسبوق في العلاقات الاجتماعية. 

يقول كثيرون إن ما يحدث طبيعي، وإن الإنسان في صراع البقاء ينزع غريزياً إلى الدفاع عن النفس، لكن حتى لو تفكّكت قيم التضامن، وظهرت مجموعات لصوصية تستغلّ الفوضى التي غذّتها إسرائيل عمداً، فنحن لم نعد أمام حالات فردية من البؤس، بل نشهد تحوّل جماعات إلى عصابات تُسيطر على الأسواق، وتفتك بما تبقّى من أخلاق إنسانية. 

غزّة لم تشهد أيّاماً أشدّ قسوة من التي تعيشها اليوم تحت نير الحرب والمجاعة. لكنّ الجوع وحده لا يقتل. الأخطر أن تفقد الجماعة ملامحها وأصولها، أن يتآكل التضامن، ويصبح الضعف العامّ غابة لا صوت فيها إلا لمن يسرق، وينهب، ويتحكّم برقاب الناس. 

مرّ الفلسطينيون بتجارب موجعة من قبل، لكنّ ما نشهده اليوم ليس مجرّد كارثة إنسانية، بل تفكّك اجتماعي حادّ، وانزلاق نحو فوضى مدروسة تُغذّيها وتُديرها يد الاحتلال. 
إسرائيل، في حربها الطويلة، لا تكتفي بالقصف والتجويع، بل تدفع الأمور إلى حافّة الانهيار الداخلي. إنها تريد غزّة بلا بنية، بلا مجتمع، وبلا روابط، فوسط المجاعة وهمجية الاحتلال وعنفه في تفكيك المجتمع، تَشكّلت مجموعات لصوصية مستفيدة من هذا التفكّك، ومع الوقت، اكتسبت هذه المجموعات شكلاً من أشكال التنظيم: يسرقون الشاحنات، ينهبون المساعدات، ويعيثون فساداً في ما تبقّى من مناعة اجتماعية. 

الذين يمارسون هذه الأفعال ليسوا هواة؛ لقد راكموا “خبرات” من عصابات سابقة، وأصبحوا أكثر تنظيماً، يفرضون الأسعار، ويمنعون حتى مجرّد النقاش حول تخفيضها. يبيعون حليب الأطفال، ويتحكّمون بالسوق، تماماً كما تتحكّم إسرائيل بحياتنا وموتنا. سلطة بديلة في زمن الفوضى. قال لي أحدهم بلا خجل: “قبل الهدنة لازم نرفع الأسعار، الهدنة بترجع الأمور لطبيعتها”. 

لكن أي طبيعة هذه؟ لقد أصبح “الطبيعي” هو استغلال الضعفاء، نهب الفقراء، وفرض القسوة كلغة يومية. شبان كانوا يؤمّنون المساعدات قُصفوا، تُركوا ينزفون، وسُرقت الشاحنات أمام أعين الناس. لم يَعُد هناك ما يردع: لا ضمير، لا سلطة، ولا مجتمع، والأخطر أن هذه الظواهر لا تحدث بمعزل عن السياق السياسي. 

إسرائيل تراكِم هذا الانهيار، تراهن عليه، وتنتظره، فهي تدرك أن سلاح الفوضى لا يقلّ فتكاً عن القصف. كلّ تأخير في إدخال المساعدات، كلّ انسحاب مقصود، كلّ فراغ في السلطة، يصبّ في مشروع واحد: تفكيك غزّة من الداخل. نحن لا نعيش فقط مجاعة، بل استراتيجية إبادة مجتمعية. 

الجريمة لم تعد في استهداف الإنسان فقط، بل في تفتيت روحه، في تحويله إلى كائن مفترس مضطرّ للانقضاض كي يبقى حيّاً. إسرائيل لا تقتلنا فقط، بل تدفعنا لنأكل بعضنا بعضاً، وتراقب المشهد بصمت بارد. وحدها الهدنة، مهما طالت، قادرة على إيقاف النزيف مؤقّتاً، لكنّها لا تعالج الجرح، بل فقط تمنع موته المؤقّت. 

الأخطر من ذلك هو التهافت على الطرق الخطيرة خلف الشاحنات بذريعة الجوع، من أجل كيس طحين، ومع الوقت، يتغلّب الناس على خوفهم، ويتحوّلون إلى وحوش بشرية، تُطارد كيس طحين، أو صندوق مساعدات، ومن حالة الوداعة، ننتقل إلى اللامبالاة، ثم إلى السرقة بحكم العادة. 

فئات عمرية واجتماعية مختلفة، تذهب إلى الموت طوعاً من أجل طحين قد لا تحصل عليه في النهاية، والمشهد يتكرّر مع من يغامرون بالذهاب إلى مناطق خطرة يسيطر عليها جيش الاحتلال للاطمئنان على منازلهم، كثيرون لم يعودوا. 
هي رحلة الموت من أجل رؤية بيتهم، لإثبات ما تبقّى من ممتلكاتهم، فالوطن بات بيتاً صامداً أو مهدّماً. 

هل هؤلاء هم شبّاننا؟ هل استسلموا لليأس والإحباط؟ هل تحوّلت الأحلام إلى كيس طحين، ثم إلى شاحنة مسروقات؟ من يقرع جدران الخزان؟ من يوقف هذا الانهيار؟ من يوقظ الروح الفلسطينية من سباتها؟ يكفي موتاً معنوياً. يكفي انتحاراً جماعياً بفقدان الأخلاق والحلم بالمستقبل. 

الثمن باهظ: شهداء وجرحى بالمئات، أرواح ضاعت، وعائلات تفكّكت. المجتمع لا يحتاج إلى هدنة فقط، هو بحاجة إلى استعادة جذوره، وقيمه، وحمايته الذاتية، وإعادة بناء الثقة، بحاجة إلى سلطة حقيقية قادرة على وقف هذا الانهيار، وإلا، فإن المجاعة لن تكون آخر الفصول، بل بدايتها فقط.

×
أخبار
تقرير: سيناريو استخباراتي يُثير مخاوف دول الخليج وتركيا حال سقوط نظام إيران عبد العاطي لوفد المنظمات اليهودية الأمريكية: نرفض أية محاولات لتهجير الفلسطينيين وثيقة سرية: روسيا وإيران توسعان قنوات مالية وتجارية للالتفاف على العقوبات رئيس ورزاء قطر: إسرائيل تتصرف بتهور ولا تلتزم بتعهداتها وتواصل القتل ميلوني تعلن إجراءات جديدة في المدارس الإيطالية بينها حظر النقاب هرتسوغ كان يعرف ما الذي يفعله عندما أصدر عفوًا عن عزاريا قبل أقل من 40 يومًا من الانتخابات  وثائقي "نازا" يثير سجالاً حاداً داخل إسرائيل حول آليات الاستهداف والذكاء الاصطناعي في غزة استراتيجية واشنطن في الصومال: تأمين الممرات البحرية على حساب الاستقرار الوطني دراسة: الحرب في الخليج تكشف حدود البدائل وتدفع نحو "هندسة تعدد المسارات" التمويل القطري لجامعة كورنيل يصل لـ 3.38 مليار دولار بعد كشف عقود جديدة من الوساطة إلى هندسة الاستقرار: لماذا يتصدر السودان أولويات الرياض؟ ترامب يكشف عن اتفاق مع الحوثيين.. ويعلن انفتاحه على لقاء الرئيس الإيراني المونيتور: نتنياهو يسعى لتوظيف التهديد الحوثي لدفع التطبيع مع السعودية قبل الانتخابات المتطرف بن غفير يقتحم المسجد الأقصى بحماية قوات الاحتلال.. والأوقاف تستنكر دعوات لواشنطن لبناء "خريطة معمارية" لتتبع شبكات تمويل الإخوان المسلمين وحماس جيش الاحتلال يعدم شابا في جنين ويعتقل آخر في رام الله - فيديو وصور تقرير يكشف تضاربًا بين السجلات الداخلية والبيانات العامة لضحايا الجيش الأمريكي في حرب إيران السيسي خلال استقباله مدير المخابرات الأمريكية: نرفض أي اعتداءات على الدول العربية وندعم اتفاقاً شاملاً مع إيران الصحة: ارتفاع ضحايا حرب الإبادة على قطاع غزة إلى 73,910 شهيدا ألمانيا: انتخابات في ولايتين تهدد بإحداث صدمة جديدة لميرتس خانيونس: مستشفى الكويت الميداني يعلن التوقف عن العمل في جميع الأقسام باستثناء الطوارئ هرتسوغ والجريمة المركبة! جيش الاحتلال وفرق الإرهاب الاستيطاني تنفد حملة اقتحامات اعتقالات واسعة في القدس والضفة الإمارات توضح رسميا ما حدث قبل 7 أكتوبر حول اتصال بن زايد مع نتنياهو رضائي يحدد 7 شروط إيرانية لعودة المفاوضات مع أمريكا ترامب يقطع إجازته ويعود للبيت الأبيض وسط تحذيرات من تصعيد محتمل استطلاع: غالبية الناخبين اليهود في أمريكا قلقون من تأجيج نتنياهو لمعاداة السامية تقرير: الحرب على إيران تمنح موسكو مكاسب استراتيجية وتكشف أزمة الذخائر الأمريكية 3 قراءات تاريخية توضح أسباب رسوخ صعود حزب "البديل" في شرق ألمانيا خلافات داخلية تهدد آمال الديمقراطيين في استعادة الكونغرس في أميركا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط