تاريخ النشر: 2026-11-01 | 16:42
تاريخ النشر: 2026-11-01 | 16:42
من حق شباب غزة أن يسألوا: أين ذهبت سنوات أعمارنا؟ ومن المسؤول عن مستقبل جيل حُرم من العمل والحياة والاختيار؟
ليست مأساة شباب غزة وليدة الحرب الأخيرة، وليست البطالة التي يعيشونها اليوم مجرد نتيجة للحصار والدمار. فهناك مأساة ممتدة منذ نحو عشرين عامًا، جيل وراء جيل، وشاب وراء شاب، حمل حقيبته الجامعية، وسهر الليالي، واجتهد وتخرج، وهو يحلم بوظيفة تحفظ كرامته، أو بمشروع في تخصصه يثبت فيه قدراته، ويسهم من خلاله في خدمة وطنه ومجتمعه.
لكن ماذا وجد هذا الجيل؟
وجد أبواب الوظائف مغلقة، وفرص التعيين في مؤسسات السلطة الفلسطينية في رام الله محرومة منها الغالبية العظمى من خريجي غزة، في ظل واقع التمييز الجغرافي والانقسام السياسي الذي دفع الشباب ثمنه من أعمارهم ومستقبلهم.
ولنتأمل حجم المأساة بالأرقام: إذا كان قطاع غزة يخرّج نحو 18 ألف طالب وطالبة سنويًا، فنحن نتحدث عن نحو 360 ألف خريج خلال عشرين عامًا، وفق هذا التقدير الحسابي. ثلاثمائة وستون ألف إنسان، يحملون شهادات وتخصصات وطموحات وقدرات، كان من المفترض أن يكونوا قوة بناء وإنتاج وتنمية، وأن يسهموا في تطوير مؤسسات وطنهم واقتصاده ومجتمعه.
لكن كم منهم وجد فرصة حقيقية تليق بتعليمه؟ وكم منهم اضطر للعمل بعيدًا عن تخصصه؟ وكم منهم انتظر سنوات طويلة دون جدوى؟ وكم مشروعًا علميًا واقتصاديًا كان يمكن أن يرى النور لو توفرت له البيئة والفرصة؟ إننا لا نتحدث عن أرقام في سجلات الجامعات، بل عن أعمار تمضي، وأسر تنتظر، وآباء وأمهات أنفقوا ما يملكون ليصل أبناؤهم إلى مقاعد الجامعات، ثم وجدوا أنفسهم عاجزين عن رؤية أبنائهم يحققون أبسط حقوقهم في الحياة الكريمة. ثم جاءت الحرب لتكمل ما بدأه الانقسام والحصار!
تعرض شباب غزة للإبادة والنزوح والتجويع وفقدان المنازل ومصادر الدخل، ودُمرت الجامعات والمؤسسات والمنشآت الاقتصادية، وفقد كثير منهم زملاءهم وأسرهم وأحلامهم. ومع كل ذلك، لم يفقدوا حقهم في أن يعيشوا، وأن يعملوا، وأن يشاركوا في بناء وطنهم.
لكن السؤال الأكثر إيلامًا اليوم: بعد عشرين عامًا من الحرمان من فرص التنمية والعمل، هل يُراد لهذا الجيل أيضًا أن يُحرم من حقه في اختيار من يقوده، ومن يرسم معه مستقبل وطنه؟
إن الديمقراطية ليست امتيازًا تمنحه جهة سياسية لجيل دون آخر، وليست شعارًا يُرفع في المناسبات، بل حق أصيل للشعوب في اختيار ممثليها ومحاسبتهم وتغييرهم بالطرق الديمقراطية. لقد مرّ عشرون عامًا على آخر انتخابات تشريعية فلسطينية، وخلالها نشأ جيل كامل بلغ سن المشاركة السياسية، وتخرج من الجامعات، وأصبح أبًا وأمًا، وما زال ينتظر أن يكون له صوت حقيقي في تقرير مصيره. فأي مستقبل نعد به شبابًا لم تتح لهم فرصة عادلة للعمل، ولم تتح لهم فرصة حقيقية للمشاركة في اختيار من يحكمهم؟
إن شباب غزة لا يحتاجون إلى خطابات الشفقة، بل إلى العدالة والفرص والحقوق. يحتاجون إلى سياسة توظيف عادلة لا تميز بين خريج غزة وخريج الضفة، وإلى برامج تشغيل حقيقية، وتمويل للمشاريع الصغيرة والريادية، وإلى بيئة تسمح للخريج أن يعمل في تخصصه ويستثمر علمه بدل أن يتحول إلى عاطل ينتظر المساعدات.
ويحتاجون قبل كل شيء إلى استعادة حقهم في تقرير مستقبلهم، والمشاركة في صناعة القرار الوطني، بعيدًا عن احتكار السلطة وتوريث الأزمات وتبادل المسؤوليات عن الفشل. إننا أمام جيل لا يجوز أن نطالبه بالصبر إلى ما لا نهاية، ولا أن نطلب منه التضحية بعمره ومستقبله مرة أخرى.

رسالتنا إلى كل من يتحدث عن مستقبل غزة وإعادة إعمارها: لا يمكن إعادة إعمار الحجر مع تهميش الإنسان، ولا يمكن بناء اقتصاد دون تشغيل الشباب، ولا يمكن الحديث عن التنمية فيما آلاف الخريجين محرومون من فرصتهم في الحياة، ولا يمكن الحديث عن مستقبل سياسي دون احترام إرادة الأجيال التي دفعت أثمان الانقسام والحروب والحرمان. غزة لا تحتاج إلى من يتحدث باسم شبابها فقط، بل تحتاج إلى أن يسمع صوتهم، وأن يمنحهم حقهم في المشاركة والاختيار والقيادة. فمن حق خريج غزة أن يعمل، ومن حقه أن يؤسس مشروعًا، ومن حقه أن ينجح في وطنه، ومن حقه أن يختار من يحكمه. كفى عشرين عامًا من ضياع الأحلام. لا نريد جيلًا جديدًا من العاطلين عن العمل، ولا جيلًا آخر ينتظر سنوات عمره حتى تأتيه فرصة، ولا نريد أن تكون الشهادة الجامعية وثيقة تثبت سنوات الاجتهاد دون أن تمنح صاحبها فرصة لخدمة مجتمعه.
نريد وطنًا يحترم عقول أبنائه، ويستثمر في علمهم، ويحقق العدالة بينهم، ويمنحهم الأمل في حياة كريمة.
فالشباب ليسوا عبئًا على غزة، بل هم ثروتها الحقيقية، وحرمانهم من حقوقهم هو خسارة للوطن كله.
مستقبل الشباب ليس منحة من أحد، بل حق لا يجوز مصادرته.