تاريخ النشر: 2026-11-01 | 16:50
تاريخ النشر: 2026-11-01 | 16:50
في الثاني من تشرين الثاني من كل عام، يحيي العالم اليوم الدولي لإنهاء الإفلات من العقاب على الجرائم المرتكبة ضد الصحافيين، تذكيراً بأن الاعتداء على الصحافي ليس جريمة بحق فرد فحسب، بل هو اعتداء على حق المجتمع في المعرفة، وعلى حرية التعبير، وعلى الأسس التي تقوم عليها الدولة الديمقراطية وسيادة القانون.
إن الصحافي الذي ينقل الوقائع، ويكشف الفساد، ويوثّق الانتهاكات، ويضع الرأي العام أمام حقيقة ما يجري، يؤدي وظيفة أساسية في حماية المجتمع ومساءلة أصحاب السلطة والنفوذ. غير أن هذه الرسالة كثيراً ما تتحول إلى سبب لاستهدافه بالتهديد أو الاعتقال التعسفي أو التعذيب أو القتل، ولا سيما في مناطق النزاعات والحروب، حيث تصبح الكلمة الحرة شاهداً على الجرائم التي يحاول مرتكبوها إخفاءها.
وتكمن الخطورة الكبرى في أن تتحول هذه الجرائم إلى وقائع بلا محاسبة، وأن يبقى الجناة بمنأى عن العدالة. فالإفلات من العقاب لا ينصف الضحايا فحسب، بل يشجع على تكرار الاعتداءات، ويزرع الخوف في نفوس الصحافيين، ويدفع بعضهم إلى الصمت أو الرقابة الذاتية. وعندما يُمنع الصحافي من أداء رسالته بحرية وأمان، يُحرم المجتمع بدوره من حقه في الوصول إلى المعلومات، وتُفتح الأبواب أمام الفساد والتضليل وانتهاك الحقوق.
وقد أكدت الأمم المتحدة أهمية هذه القضية بإعلان الثاني من تشرين الثاني يوماً دولياً لإنهاء الإفلات من العقاب على الجرائم المرتكبة ضد الصحافيين، داعية الدول إلى اتخاذ تدابير فعلية لمنع الاعتداءات، والتحقيق الجدي فيها، وملاحقة المسؤولين عنها، وضمان وصول الضحايا وذويهم إلى العدالة والانتصاف.
إن المسؤولية القانونية والأخلاقية للدول لا تتحقق بمجرد إصدار بيانات الإدانة، بل تقتضي إجراء تحقيقات مستقلة وشفافة وفعالة، وتحديد المسؤوليات المباشرة وغير المباشرة، ومحاسبة كل من يثبت تورطه، بعيداً عن التدخلات السياسية والضغوط الأمنية. كما تقتضي توفير الحماية اللازمة للصحافيين، وضمان استقلال القضاء، وعدم استخدام القوانين لتقييد العمل الإعلامي أو معاقبة أصحاب الرأي الحر.
وفي هذا السياق، لا يجوز أن تمر الجرائم المرتكبة ضد الصحافيين في مناطق النزاعات المسلحة، ومنها فلسطين ولبنان، من دون تحقيق جدي ومحاسبة عادلة. فحماية الصحافي الذي يوثّق الوقائع والانتهاكات ليست امتيازاً مهنياً، بل ضرورة لحماية الحقيقة، وصون حقوق الإنسان، وضمان عدم طمس الأدلة أو إسكات الشهود.
إن اليوم الدولي لإنهاء الإفلات من العقاب ليس مناسبة رمزية لاستذكار الضحايا فحسب، بل هو دعوة إلى تحمّل المسؤولية، وإلى تحويل الالتزامات الدولية إلى إجراءات قضائية ملموسة. فالعدالة لا تكتمل بكشف الجريمة وحده، بل بمحاسبة مرتكبها ومنع تكرارها.
إن قتل الصحافي لا يقتل الحقيقة بالضرورة، لكن ترك قاتله بلا عقاب يهدد بقتلها مراراً. فلا حرية صحافة بلا حماية، ولا حماية بلا عدالة، ولا عدالة حيث يبقى الجناة فوق القانون.