تاريخ النشر: 2026-11-01 | 14:09
تاريخ النشر: 2026-11-01 | 14:09
عواصم: سلط المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية (IISS) في لندن الضوء على تداعيات حرب عام 2026 بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، وذلك في ملف استراتيجي شامل من 178 صفحة بعنوان «الخليج في حالة حرب: الأبعاد الجيوسياسية والدفاعية والجيواقتصادية»، حرره كل من د. حسن الحسن وإميل حكيّم. ويؤكد التقرير في خلاصته الافتتاحية أن «تحول قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالذهاب إلى الحرب مع إيران، دون ضمان دفاع فعّال عن دول الخليج ومضيق هرمز، إلى كارثة على أمنها ومصالحها الاقتصادية، وقوّض ثقتها بشريكها الدفاعي والأمني الرئيسي». واعتبر المعهد أن هذه الحرب تمثل «أكبر صدمة منفردة في تاريخ الخليج الحديث»، مبيناً أن الدول الست تحمّلت العبء الأكبر من الرد العسكري الإيراني وتكبّدت خسائر اقتصادية جسيمة جراء تعطّل الملاحة في المضيق.
تتمثل الأطروحة المركزية للملف في أن الحرب تحدت الافتراضات التي بنيت عليها نماذج السياسة الخارجية والدفاع والاقتصاد لدول الخليج، و«ثقبت» حالة الثقة التي عكستها هذه الدول لمجتمعاتها والعالم. فمنذ مطلع التسعينيات، راهنت دول الخليج على أن ضمانات الأمن الأمريكية ووجودها المتقدم، فضلاً عن أهميتها لطاقة العالم، تجعلها «أكبر من أن تُترك للسقوط». غير أن الانخراط الدبلوماسي والعلاقات الاقتصادية والروابط التاريخية لم تشكل رادعاً للموقف الإيراني؛ فالإمارات كانت هدفاً لحصة كبيرة من الهجمات، واتفاق بكين 2023 لم يحمِ السعودية من هجمات حلفاء طهران، ولم تسلم عُمان وقطر رغم أدوار وسطتهما. وخلص التقرير إلى أن دول الخليج كانت «ضحية نجاحها»، إذ استغلت إيران مكانتها كمراكز طاقة عالمية ونفوذها المفترض لدى إدارة ترامب للضغط على واشنطن.
وفي المقابل، يسجّل الملف أن دول الخليج أظهرت صمداً لافتاً وثباتاً طوال الحرب؛ إذ كانت الخسائر البشرية محدودة، ولم يسُد الذعر المجتمعات، واستمرت الخدمات الحكومية بلا انقطاع رغم الاضطرابات اليومية.
ينتظم الملف في ثلاثة محاور رئيسية تضم اثني عشر فصلاً:
المحور الجيوسياسي: ويشمل الفصل الأول (دول الخليج وإيران – المسارات الماضية والمستقبلية)، والثاني (الحرب وحافة الهاوية – الرؤية من إيران)، والثالث (الولايات المتحدة ودول الخليج وصناعة «خليج ما بعد أمريكا»).
المحور الدفاعي: ويضم الفصل الرابع (تقييم الحرب من بدايتها حتى وقف إطلاق النار)، والخامس (الدفاع الجوي والصاروخي لدول الخليج)، والسادس (تطور أولويات الدفاع الخليجية)، والسابع (مضيق هرمز – الحصار الإيراني والرد الأمريكي واضطراب الملاحة العالمية).
المحور الجيواقتصادي: ويتضمن الفصل الثامن (الأثر الاقتصادي للحرب على دول الخليج)، والتاسع (الرؤى الاقتصادية الخليجية إلى أين؟)، والعاشر (الصمود تحت النار – الأمن الغذائي والمائي واستمرارية الأعمال)، والحادي عشر (صادرات الطاقة من الخليج).
وضع الملف ادعاءات الدفاع الجماعي لمجلس التعاون «على المحك النهائي»، وكانت النتيجة «مخيبة وإن لم تكن مفاجئة»؛ فرغم اتفاقية الدفاع المشترك لعام 2000، لم تفعّل بنى الدفاع الجماعي (كالقيادة العسكرية الموحدة وقوة درع الجزيرة والمركز البحري المشترك)، وظلت الاستجابات وطنية بالكامل وبالتنسيق مع واشنطن، مما حرم الدول من الإنذار المبكر الأوسع. وفي المقابل، أقامت دول الخليج تحالفات جديدة خارج المجلس، أبرزها «اتفاقية مكة للدفاع المشترك» بين السعودية وباكستان وتركيا في أغسطس 2026.
وعلى الصعيد الاقتصادي، عملت دول الخليج كـ«تحالف أمن اقتصادي» تحت مظلة المجلس؛ حيث مدّت السعودية وعُمان «شريان حياة» للدول المعزولة عبر ممرات برية تربطها بموانئ البحر الأحمر وبحر عُمان وبحر العرب مستفيدة من الاتحاد الجمركي، وشكّل الربط الكهربائي خياراً احتياطياً لاحتواء الأضرار.
وثق الملف حزمة من الترتيبات والاتفاقيات بين دول الخليج وشركائها:
اتفاقية الدفاع المشترك (دول مجلس التعاون): وُقّعت عام 2000، ولم تُفعَّل خلال حرب 2026.
القيادة العسكرية الموحدة (دول مجلس التعاون): أُسست عام 2013 ولم تُفعّل رسمياً رغم التنسيق العسكري.
قوة درع الجزيرة (دول مجلس التعاون): أُسست عام 1984، وشوهدت قواتها تعبر الجسر إلى البحرين خلال الحرب.
اتفاقية مكة للدفاع المشترك (السعودية، باكستان، تركيا): وُقّعت في أغسطس 2026 بمثابة تحالف دفاعي مشترك بأمانة دائمة في السعودية.
اتفاقية الدفاع الاستراتيجي المتبادل (السعودية، باكستان): وُقّعت عام 2025.
اتفاقية التكامل الأمني والازدهار الشامل C-SIPA (البحرين، أمريكا، بريطانيا): وُقّعت عام 2023 وانضمت إليها بريطانيا في 2025 وفعّلتها البحرين.
الشراكة الدفاعية الاستراتيجية (الإمارات، الهند): أُسست في 2026 لتشمل الصناعات الدفاعية والأمن البحري والسيبراني.
اتفاقيات الشراكة الدفاعية (أوكرانيا مع قطر والسعودية والإمارات): وُقّعت في 2026 لمدة عشر سنوات وتشمل منظومات الدفاع ومكافحة المسيّرات.
الاتفاقيات الثنائية: مع فرنسا (الإمارات، الكويت، قطر، السعودية، البحرين في 2026).
رغم الإدانة الدولية الواسعة لهجمات إيران، لم يتحول التضامن إلى دعم عسكري أو اقتصادي جوهري، حيث اقتصرت الاستجابات الخارجية على الآتي:
الولايات المتحدة: نشر محدود للأصول الدفاعية في شبه الجزيرة العربية ونقل معظم منظوماتها إلى المتوسط والبحر الأحمر والمحيط الهندي لحماية إسرائيل وقواتها، مع توفير صواريخ «باتريوت» و10 آلاف صاروخ اعتراض.
الدول الأوروبية (فرنسا، ألمانيا، إيطاليا، بريطانيا): أسهمت بقدرات محدودة بسبب نقص الأصول والتبرم من التورط في الحرب.
الصين وروسيا: قدمتا لإيران مساعدات عسكرية واستخباراتية واقتصادية لاستنزاف واشنطن.
كوريا الجنوبية: الاستثناء الآسيوي الوحيد؛ زودت الإمارات بصاروخي اعتراض «تشونغونغ-2» بنسبة نجاح بلغت 96%.
الهند واليابان: بقيتا سلبيتين لتجنب استعداء إيران.
مصر: نشرت منظومات دفاع جوي ومقاتلات «رافال» في الإمارات والكويت والسعودية بعد مقاومة ابتدائية.
باكستان: نشرت 8 آلاف جندي ومقاتلات «جيه إف-17» ومنظومات «إتش كيو-9» في قاعدة الملك عبدالعزيز الجوية بعد وقف إطلاق النار.
إيطاليا وأستراليا وبريطانيا وأوكرانيا والمغرب: نشرت أصولاً عسكرية، وطائرات إنذار، وخبراء مكافحة مسيّرات، ومساعدات استخباراتية.
اعتبر الملف الحرب نقطة تحول كبرى تضاهي حرب 1991 ولكن باتجاه تفكيك البنية الأمنية المتمحورة حول واشنطن؛ فقد ثبت أن تفاؤل الخليج بالولاية الثانية لترامب كان في غير محله. وأبدت سياسات إدارة ترامب تفضيلاً لمصالحها على أمن الخليج، وطالبت الدول بتحمل تكاليف العمليات ورسوم حماية العبور في هرمز. وفي المقابل، غلبت المصالح الإسرائيلية في واشنطن على اعتبارات أمن الخليج، مما تحولت معه القواعد الأمريكية في نظر الرأي العام الخليجي إلى «عبء استراتيجي»، دافعاً دول المنطقة نحو إصلاحات عميقة وسعياً نحو استقلالية استراتيجية أكبر.
أشار الملف إلى أن إيران حققت أثراً استراتيجياً عبر تعطيل هرمز واستهداف دول الخليج لردع واشنطن وإسرائيل، وخرجت من التحدي أكثر تشدداً وعزمبة على استخدام سياسة حافة الهاوية. لكنها في المقابل «لم تنتصر ولم تهزم أعداءها»، إذ تعاني كلفة تراكمية على اقتصادها ومجتمعها بفعل العزلة والقمع، وتتحول تدريجياً نحو «نظام قوة عسكري» في ظل علاقات قاسية مع جيرانها تفتقر لرصيد حسن النية.
أدارت واشنطن وتل أبيب حملة سريعة بقوة ساحقة ضد إيران على أمل إسقاط نظامها، لكنها تحولت إلى استهداف ديناميكي استنزف القدرات الأمريكية. وفي المقابل، استخدمت إيران تصعيداً غير متماثل أثبت ملاءمته، ليخلص وقف إطلاق النار في 8 أبريل 2026 إلى جيش إيراني متآكل، وجيش أمريكي مستنزف، وجيش إسرائيلي غير مكتفٍ.
وخلال الأسابيع الستة الأولى من الحرب، واجهت دول الخليج أكثر من 6,000 سلاح موجه إيراني، استهدف الإمارات وحدها أكثر من 550 صاروخاً باليستياً ومسيرّات هجومية (تجاوزت 2,200 مسيّرة)، وحققت منظومات الدفاع الجوي نسب اعتراض تجاوزت 90% بفضل كفاءة الأداء الإماراتي والخليجي، رغم التكلفة المالية الباهظة لصواريخ الاعتراض مقارنة بسعر الأهداف المعادية.
كشفت الحرب عن أوجه قصور رئيسية في الأداء العسكري الخليجي، أبرزها الاعتماد على منظومات الذخائر الأمريكية، وغياب التكامل الإقليمي لتبادل البيانات، ونقص كاسحات الألغام والقدرات الهجومية بعيدة المدى. وتتجه دول الخليج حالياً لإعادة بناء دفاعاتها استناداً إلى تقييم التهديدات المباشرة، مع سعي السعودية لإنتاج وتوطين تقنيات الصواريخ، وتطوير الإمارات لقدرات الضرب العميق.
وفيما يخص مضيق هرمز الذي ينقل ربع تجارة النفط العالمية، فقد تراجعت حركة الناقلات فيه بأكثر من 90% خلال الحرب، واستهداف نحو 50 سفينة ومقتل 17 بحاراً، بالتزامن مع ارتفاع أقساط تأمين مخاطر الحرب إلى ما بين 2.5% و7%. وأكد الملف أن إعادة فتح المضيق والسيطرة عليه ستظل المعيار الأساسي لتحديد المنتصر، وسط مخاوف من تصعيد إيراني إضافي أو استهداف خطوط الأنابيب البديلة كخط «شرق-غرب» السعودي.
تفاوت الأثر الاقتصادي للحرب بحسب الجغرافيا والبنية التحتية؛ فقد تمكنت عُمان والسعودية والإمارات من مواصلة التصدير نسبياً، بينما تعرضت البحرين والكويت وقطر لضغوط هائلة، وخُفّض النمو الاقتصادي لمجلس التعاون بنحو نقطتين مئويتين لعام 2026:
البحرين: نمو (-0.5%)، رصيد مالي (-10.63%)، دين عام (152.36%).
الكويت: نمو (-0.6%)، رصيد مالي (+27.58%)، دين عام (22.30%).
عُمان: نمو (+3.5%)، رصيد مالي (+5.24%)، دين عام (32.69%).
قطر: نمو (-8.6%)، رصيد مالي (-3.43%)، دين عام (43.33%).
السعودية: نمو (+3.1%)، رصيد مالي (-3.47%)، دين عام (32.07%).
الإمارات: نمو (+3.1%)، رصيد مالي (+4.89%)، دين عام (31.36%).
وأكد الملف أن سمعة الخليج التاريخية في «موثوقية الطاقة» تضررت بشكل لا يمكن إصلاحه بعد أن أثبتت مسيّرات منخفضة الكلفة قدرتها على تعطيل ممر عالمي رئيسي، مما يفرض على الدول الخليجية تنويع مسارات التصدير وإعادة هندسة خططها الاقتصادية لتجعل «الصمود والجاهزية» مبدأها التنظيمي الأساسي.