الأصدقاء الأعزاء متابعي أمد للإعلام .. هناك عملية نقل من مطور لآخر ما قد يؤثر على نشر الأخبار لفترة قصيرة! ...

حسن المصلوحي: رواية "المائق" بين الطفولة والجرح الوجودي

حسن المصلوحي:  رواية "المائق" بين الطفولة والجرح الوجودي

تاريخ النشر: 2025-08-23 | 14:42

صدرت رواية الأديب الفلسطيني جميل السلحوت" المائق" وهي رواية موجهة للفتيات وللفتيان عن مكتبة كل شيء في حيفا، وتقع في ١٦٠ صفحة من الحجم المتوسط.

عندما نقرأ رواية "المائق" للأديب الفلسطيني جميل السلحوت، نعي تماما أننا لسنا إزاء منجز موجه للناشئة وحسب، بل قبالة عمل يثير أسئلة تتجاوز حدوده الأدبية إلى تخوم الفلسفة. فـبطل الرواية "المائق" ليس محض طفل ضعيف البنية، ناتج عن زواج الأقارب، قصير القامة ومحدود القدرات، بل هو مرآة تعكس وهن الطفولة العربية وهشاشة مصيرها المعلّق بين الموروث والحاضر .

لهذا، وأثناء قراءتي للعمل، كنت أرى في "المائق" صورة رمزية مكثفة للعقل العربي نفسه: عقل دامٍ، يرزح تحت التراث، معزول بأغلاله، لكنه في الآن نفسه يبقى محملا ببذرة السؤال، بمعنى بذرة الحرية. وهنا يمكن أن نستدعي ما جاء عن محمد عابد الجابري بخصوص "العقل المستقيل"، أي ذلك العقل الذي استسلم لثقل الموروث، وعاش عالة على الماضي بدل أن يواجه تحديات الحاضر .

لكن "المائق" في نص السلحوت لا يركن ولا يهادن، بل يظل في حالة تطلع مستمر للأفق، نحو إمكانية مساءلة "الكلّ" من موقع الهامش، تمامًا كما يفعل الفلاسفة والمفكرون الكبار حين ينطلقون من هشاشة الواقع ليطرحوا أسئلة عميقة عن الوجود .

·      من دوار بوغابات إلى إيطاليا: الطفولة والجسر الثقافي

لا أقرأ "المائق" إلا وأجد شظايا من طفولتي تطفو أمامي. من ذاكرة الطفولة في دوار بوغابات كتبت لاحقًا "الرغيف الأسود"، وكانت الطفولة بالنسبة لي زمن هشاشة ودهشة وخوف، وزمن حلم بما يشبه الخلاص. المائق بهذا المعنى يذكّرني بذلك الطفل العربي الذي يولد محاصرًا بالجراح قبل أن يبدأ في تلمّس طريقه .

ثم جاءت رحلتي إلى إيطاليا، التي لم أعد منها كما ذهبت. لقد عدت محمّلاً بإدراك جديد عن معنى التثاقف، عن كون الأدب نافذة لفهم الذات من خلال الآخر. وهنا التقيت مع السلحوت: فهو يكتب عن فلسطين كي ينير العقل العربي من الداخل، وأنا اهتم بالأدب الإيطالي وأترجمه كي أوسّع فضاء الحرية للعقل العربي من الخارج، عبر الحوار والاختلاف والمقارنة .

هكذا يصبح "المائق" جسرًا بين التجربة الشخصية في رغيفي الأسود و في رحلتي إلى بلاد الفن و الأدب إيطاليا، و أسئلة الذات التي تستفحل يوما بعد يوم في ذهني، ثم من جهة أخرى بين التجربة الجماعية، من جراح فلسطين إلى معضلة العقل العربي المنكوب.

·      المائق والوجودية: الضعف كشرط للسؤال

لا يمكن مقاربة شخصية "المائق" داخل الرواية دون أن نستدعي البعد الأنطولوجي. لا خفاء أن الوجود عند سارتر وكامو يسبق الماهية، أي أن الانسان يوجد في هذا العالم باعتباره لا شيء، رغم كل المحددات التي تسبقه، ذلك أنه قادر على الاختيار وتجاوز الوضع الراهن. وهذا بالضبط ما يحدث للمائق، فهو يولد ضعيف البنية، محاصرًا بوصمة اجتماعية، لكنه مع ذلك يجد في ذاته شرارة التمرد .

هنا يتماهى المائق مع الإنسان بعمقه الوجودي، فعليه أن يختار، وأن يصنع معنى لوجوده من داخل عبث الحياة وقسوتها. إنه أشبه بالبطل الكاموي الذي يتحدى عبث الوجود بوعي مُرهف، أو بسقراط، ذبابة الخيل، الذي جعل من عبارته الشهيرة "اعرف نفسك بنفسك" فعلًا للتحرر. أليس هذا بالذات هو الواقع نفسه الذي يعيشه الإنسان العربي؟ عقل متهم بالاستقالة، لكنه قادر على الانبعاث من رماده إذا اختار مواجهة ذاته وتاريخه بدل الارتهان لهما .

·      السلحوت بين مطرقة نيتشه وفلسفة الجرح

ما أشد ما يكون شبه جميل السلحوت في هذا النص بنيتشه وهو يلوّح بمطرقته؛ ليس بغرض هدم كل القيم، بل لوضعها في المحك. و هي مطرقة لا تهوي على النصوص المقدسة نفسها، بل على القراءات الصماء التي صفدت العقل العربي وحوّلته إلى كيان يعيش على أوهام الماضي. وفي كتابته لليافعين، يراهن السلحوت منذ البداية على زرع شتيلة الجرأة النيتشوية: أن تندهش من الثقافة السائدة، أن تسأل، أن تشكّ، أن تضع التراث على مقصلة النقد، أن تعترض الدوكصا بصدر عارٍ لا يخشى ال"النحن".

وهنا أجد مرة أخرى صدى شخصيًا؛ فإذا كانت طفولتي في "بوغابات" هي الجرح المفتوح الذي دفعني لكتابة الرغيف الأسود، فإن طفولة فلسطين هي الجرح الذي جعل السلحوت يكتب المائق. وانطلاقا من هذا الاعتبار فالكتابة عن الطفولة ليست نوسطالجيا إلى الماضي، بل مساءلة فلسفية للوجود، ولطريقة بناء الفكر الجماعي .

·      من الكهف إلى المدايات المفتوحة

يمكن القول أيضا إن "المائق" يذكّرنا بأسطورة الكهف عند أفلاطون. لكنه هذه المرة ليس مقيدًا فقط بأغلال الظلال والوهم، بل بقيود الجسد والمجتمع معًا. ورغم ذلك يظل دائما في حالة تطلع إلى النور هنالك بالخارج. هذا البحث هو ما يجعل نصنا هذا مجاورا لمشروع الجابري في نقد العقل العربي؛ تفكيك الحصون الصماء التي كبّلت الفكر، وفتح الأفق أمام إمكان التوازن بين التراث والحداثة، بين الجذور والحرية .

إن المتعمن في شأن "المائق" ليكتشف بلا شك أنه ليس مجرد بطل روائي؛ إنه رمز فلسفي: رمز للطفولة المكلومة، وللعقل العربي المتردد، وللإنسان الذي يملك –رغم هشاشته– أن يفتح أفقًا جديدًا للحرية.

·      سؤال الحرية والوعي

في نهاية المطاف، يتركنا "المائق" أمام سؤال محوري: هل يمكن للإنسان، مهما كانت هشاشته الجسدية أو الاجتماعية، أن يحرر ذاته من قيود البيئة والموروثات، ويصنع من وجوده معنى حقيقيًا؟ وهل يقدر العقل العربي على أن يتحرر من رهانات الاستقالة ليغدو فاعلاً في صياغة مستقبله، مع الاحتفاظ بجذوره الثقافية الغنية؟

رواية جميل السلحوت ليست سردا موجها للأطفال، بل هي دعوة للقراء من جميع الأعمار لممارسة الحق في السؤال سواء تجاه ذواتهم أو مجتمعاتهم، لتقدير قيمة الحرية، وللتفكر في الطرق التي يمكن للماضي والحاضر من خلالها أن يلتقيا في أفق جديد من الوعي والإبداع. "المائق" بهذا المعنى يصبح أكثر من شخصية قصصية؛ إنه رمز للتحدي، للتمرد على القدر، ولإشعال بذرة الفعل الحر داخل كل إنسان يسعى إلى فهم ذاته وعالمه.

·      مشروع السلحوت وهاجس تحرير العقل العربي

لا خفاء أن منجزات جميل السلحوت تعد جهدا فكريا وفلسفيا وثقافيا متكاملا يهدف إلى تحرير العقل العربي العاطل والمستقيل من قيود الموروث البائد والراكد. يسعى السلحوت، من خلال سرد الطفولة الفلسطينية الجريحة، إلى خلق صحوة للوعي النقدي لدى القارئ، وزرع بذور الشك والسؤال منذ الصغر، لتمكين الإنسان العربي من التجرؤ على التفكير الحر وممارسة النقد الذاتي، مع الحفاظ على موروثه الثقافي الأصيل .

لا مراء إذن أن هاجس السلحوت يتجلى في تحويل النص الروائي إلى فضاء للتفكير والمساءلة والنقد، حيث يلتقي التراث بالحداثة، والتجربة الفردية بالتجربة الجمعية، ليؤسس لما يمكن أن يكون ثورة عقلية حقيقية، قادرة على مواجهة التحديات الفكرية والاجتماعية والسياسية. إنه مشروع لا يكتفي بالسرد وحده، بل يمنح القارئ أدوات السؤال والنقد والفحص، ليغدو العقل العربي فاعلاً، واعيًا، حراً، ولينأى بنفسه عن الاستقالة والإذعان لكل قصور داخلي أو مُحدد خارجي.

×
أخبار
رئيس ورزاء قطر: إسرائيل تتصرف بتهور ولا تلتزم بتعهداتها وتواصل القتل  وثائقي "نازا" يثير سجالاً حاداً داخل إسرائيل حول آليات الاستهداف والذكاء الاصطناعي في غزة استراتيجية واشنطن في الصومال: تأمين الممرات البحرية على حساب الاستقرار الوطني دراسة: الحرب في الخليج تكشف حدود البدائل وتدفع نحو "هندسة تعدد المسارات" التمويل القطري لجامعة كورنيل يصل لـ 3.38 مليار دولار بعد كشف عقود جديدة من الوساطة إلى هندسة الاستقرار: لماذا يتصدر السودان أولويات الرياض؟ ترامب يكشف عن اتفاق مع الحوثيين.. ويعلن انفتاحه على لقاء الرئيس الإيراني المونيتور: نتنياهو يسعى لتوظيف التهديد الحوثي لدفع التطبيع مع السعودية قبل الانتخابات المتطرف بن غفير يقتحم المسجد الأقصى بحماية قوات الاحتلال.. والأوقاف تستنكر دعوات لواشنطن لبناء "خريطة معمارية" لتتبع شبكات تمويل الإخوان المسلمين وحماس جيش الاحتلال يعدم شابا في جنين ويعتقل آخر في رام الله - فيديو وصور تقرير يكشف تضاربًا بين السجلات الداخلية والبيانات العامة لضحايا الجيش الأمريكي في حرب إيران السيسي خلال استقباله مدير المخابرات الأمريكية: نرفض أي اعتداءات على الدول العربية وندعم اتفاقاً شاملاً مع إيران الصحة: ارتفاع ضحايا حرب الإبادة على قطاع غزة إلى 73,910 شهيدا ألمانيا: انتخابات في ولايتين تهدد بإحداث صدمة جديدة لميرتس خانيونس: مستشفى الكويت الميداني يعلن التوقف عن العمل في جميع الأقسام باستثناء الطوارئ هرتسوغ والجريمة المركبة! جيش الاحتلال وفرق الإرهاب الاستيطاني تنفد حملة اقتحامات اعتقالات واسعة في القدس والضفة الإمارات توضح رسميا ما حدث قبل 7 أكتوبر حول اتصال بن زايد مع نتنياهو رضائي يحدد 7 شروط إيرانية لعودة المفاوضات مع أمريكا ترامب يقطع إجازته ويعود للبيت الأبيض وسط تحذيرات من تصعيد محتمل استطلاع: غالبية الناخبين اليهود في أمريكا قلقون من تأجيج نتنياهو لمعاداة السامية تقرير: الحرب على إيران تمنح موسكو مكاسب استراتيجية وتكشف أزمة الذخائر الأمريكية 3 قراءات تاريخية توضح أسباب رسوخ صعود حزب "البديل" في شرق ألمانيا خلافات داخلية تهدد آمال الديمقراطيين في استعادة الكونغرس في أميركا صحيفة: الثورة التي يتعين على إسرائيل إدراكها قبل فوات الأوان الطيبي يلوح بخطوات برلمانية حاسمة لإسقاط ائتلاف نتنياهو الحاكم "هيئة الجدار": 14 هجوماً للمستوطنين الإرهابيين منذ صباح السبت خبراء من الحرس الثوري زاروا باب المندب لبحث تركيب رادارات تركيا تلغي ترخيص "بنك ملت" الإيراني وتوقف رحلات "ماهان إير"

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط