تاريخ النشر: 2026-09-19 | 22:24
تاريخ النشر: 2026-09-19 | 22:24
لدينا جيل في تاريخ القضية الفلسطينية قرر منذ سنوات طويلة، أن يتوقف الزمن عنده، جيل يرى أن نضاله في بدايته يمنحه الحق في احتكار الحاضر، والتحكم بالمستقبل، والتصنيف وتوزيع شهادات الوطنية والكفاءة، ويطلب الولاء والامتنان الدائم من كل من يأتي بعده.
هذا الجيل الذي جاء بعد الجيل الأول للثورة الفلسطينية المعاصرة، وأقصد تحديداً من بقي منه في مواقع القيادة والمناصب سواء الرسمية أو الفصائلية، جيل بدأ حياته بالنضال، وربما دفع ثمناً حقيقياً في سنواته الأولى، لكن المشكلة ليست في ذلك، المشكلة في أن بعض هؤلاء حوّلوا سنوات النضال الأولى إلى رصيد شخصي لا ينتهي، وإلى شيك مفتوح يُستخدم لتبرير بقائهم في المشهد إلى ما لا نهاية، يستثمرون هذه السنوات في كل مرحلة استحقاق، ومطالبون نحن وقضيتنا ان نبقى للأبد طوع أمرهم.
وأجمل ما فيهم "لا حياء ولا خجل" ليل نهار يتحدثون عن الشباب، في المؤتمرات والبيانات والخطب، يصرخون فيهم أنتم "بناة المستقبل" أي مستقبل هذا الذي تريدون بناءه، وأنتم لا تسمحون لأصحاب هذا المستقبل بالدخول إليه؟!.
فعندما يشتمون رائحة "مناصب أو امتيازات"، ولديهم قدرة على شمها عن بعد آلاف الاميال، تظهر أنيابهم، ويحضرون "البدل وربطات العنق التي لا تليق عليهم" من الخزائن، ويبدؤون معاركهم الشرسة للحصول على حصصهم.
ومبررهم دائماً جاهز أنهم "أصحاب خبرة"، ماذا صنعت هذه الخبرة طوال السنوات الماضية؟ إذا كانت النتيجة انقسامات وصراعات وخلافات وحروب ودمار وهجرة وضياع للقضية والشعب، إن كانت هذه خبرتكم، لعنها الله من خبرة.
الكارثة ليست أنكم تخطئون، فكل جيل يخطئ، وكل قيادة قد تفشل، المشكلة أنكم ترفضون الاعتراف بالفشل، وتعتبرون نقدكم نقداً للقضية، وكأنكم القضية نفسها، أنتم لستم القضية، والقضية ليست أنتم، بل أنتم أبعد الناس عنها وعن شعبها.
لا أحد يريد محو التاريخ أو إنكار التضحيات، لكن التاريخ ليس حصانة، المطلوب ليس أن تختفوا من الحياة، بل أن تتركوا مساحة لغيركم، لا يمكن أن تطلبوا من الشباب أن يدافعوا عن المستقبل، وأن يبقوا في الوطن، وأن يتحملوا تبعات الواقع، ثم تمنعوهم من المشاركة في تحديد شكل هذا المستقبل.
أما مصطلحات "تتابع الأجيال" و"الشراكة" و"تمكين الشباب"، فقد أصبحت مثيرة للسخرية، التتابع لا يعني أن يجلس الجيل القديم في موقعه ثم يدعو الشباب إلى صورة تذكارية بجانبه، والشراكة لا تعني أن يعمل الشباب في المرافقة، بينما تُتخذ القرارات الحقيقية في غرف مغلقة بعيداً عنه، والتمكين لا يعني منحهم المقاعد الهامشية وترك القرار والمناصب لمن بقوا فيها لعقود.
باختصار: هل أنتم مستعدون فعلاً لإفساح المجال؟ هل يستطيع أحدكم أن يقول: "حان الوقت أن أترك موقعي للأجيال القادمة"، وللتوضيح الموضوع ليس مسألة عمر، هناك شاب بعقلية قديمة، وهناك كبير في السن أكثر انفتاحاً من كثيرين، المسألة هي عقلية الاحتكار.
جيل الشباب منذ بزوغ وعيه وهو يناضل، يناضل لحماية قضيته من الضياع، يناضل في مواجهة انقساماتكم وخلافاتكم، يناضل ليحاول النجاة بقضيته من واقعكم، قضى سنوات ربيعه في خريف قراراتكم.
افتحوا الباب .. ليس غداً، وليس بعد تحقيق كل الطموحات الشخصية؛ فهي لا تنتهي لديكم، افتحوه لأن القضية يجب أن تستمر، لا لأنكم يجب أن تستمروا، اتركوا لنا مساحة نبني فيها ما تهدم، اتركوا المجال لنحاول النجاة مع قضيتنا.
الأرض تٌقضم يوماً بعد يوم، والشعب طفش منكم، والبلاد ركام وحواجز .. تنحوا يرحمنا ويرحمكم الله.
الموافقة على شروط النشر: 1
صورة شخصية للكاتب: received_messages_from_pages/2026-09-19/6aaed90912d7e-1789843721.jpeg
ارفاق ملف:
روابط التواصل الاجتماعي: