الأصدقاء الأعزاء متابعي أمد للإعلام .. هناك عملية نقل من مطور لآخر ما قد يؤثر على نشر الأخبار لفترة قصيرة! ...

تونس وعسر الديمقراطية

تونس وعسر الديمقراطية

تاريخ النشر: 2022-12-24 | 09:38

خرجت تونس من عاصفة الربيع العربي كأيقونة ناجحة في الانتقال السلمي إلى ما بدا أنه ديمقراطية ناشئة ومجتمع مدني، وذهبت معظم التحليلات أن شعباً عربياً يمكن أن يبحر بوطنه في ظل الظروف الصعبة إلى مرفأ آمن، وهذه تونس تخرج لنا دستوراً مكتوباً من أفضل الدساتير بعد اضطرابات عام 2010/ 2011 هكذا سار الحال، وعلى الرغم من أن دستور 2014 الذي صاغه مجلس تأسيسي منتخب من حيث النصوص شبه متكامل، ويحقق غرض الديمقراطية التمثيلية من حيث حرية العمل الحزبي وتمكين المرأة ورعاية الدولة لمواطنيها، وعدداً من الإشارات الإيجابية، إلا أنه سرعان ما تبينت حقيقة راسخة وهي أن (النصوص تختلف عن النفوس)، فلم يكن هناك تقاليد ديمقراطية يمكن لها أن تحمل النصوص إلى سلوك سياسي سوي، ذلك لم يتوفر. فللدستور والدستورية قصة طويلة في تونس منذ أول دستور لها عام 1857 حتى دستور الاستقلال 1961 مروراً بعدد من الدساتير، وقد حكم تونس معظم سنوات الاستقلال حزب يسمي نفسه الحزب (الدستوري)، رغم تلك الأهمية الشكلية للفكرة الدستورية، فإن تغيير الدساتير لا يزال بتلك الخفة التي نشاهد!
تبين في الممارسة - بعد التغيير الجذري 2010 -2011 أن حزب النهضة (وهو شكل من أشكال الإسلام الحركي) اعتقد أو على الأقل النافذون فيه أنه (يملك الحقيقة المطلقة) ليس هذا فحسب، بل في مرحلة تسيده السلطة استنزف مال الدولة التونسية على ما سماه (تعويض المتضررين) والمتضررون هم حصراً مناصروه الذين (اضطهدوا ولوحقوا) في عصر زين الدين بن على! وعلى عكس التجربة المغاربية التي استفادت بشكل ناجح من دعم صندوق النقد الدولي، بُددت ميزانية تونس، وكانت تحقق نجاحاً نسبياً في آخر سنوات بن على، بُددت على الرفاق. زاد الأمر بلة في توزيع وتقاسم المناصب، فتم تطبيق ممارسة في الغالب (عربية) بأن الحزب الحاكم يتحكم في الدولة ويبرر لنفسه إزاحة الفنيين وإحلال السياسيين أو بالأحرى الموالين في الوظيفة العامة، كما تحولت الندوة البرلمانية إلى ساحة لصياح ديكة وقد شهد العالم عدداً من المشاجرات الحري بها أن تقع في الحارات الشعبية وليس في تجمع المفروض أن يكون نخبوياً كالبرلمان.
بقية القصة معروفة، فحدث أن جاءت حركة 25 يوليو (تموز) 2021 محمولة على ازدراء واسع من الممارسة لـ«النهضة» أولاً والممارسة البرلمانية ثانياً، ولم تجد حركة قيس سعيد أمامها إلا أقلية لمعارضتها، إلا أن تلك الحركة كانت تعرف ما لا تريد، ولكن لا تعرف ما تريد على وجه الدقة، وبمرور الزمن والتباطؤ في رسم خريطة طريق لإنقاذ تونس مما كانت فيه، جاءت خطوات الرئيس قيس سعيد بطيئة ومترددة، وأخذت القوى التي باركت أو سكتت عن ذلك التغيير رجاء الأفضل تنفض عن حركة 25 يوليو حتى وصلت إلى كارثة الانتخابات الأخيرة (الفضيحة) فقط أقل من 12 في المائة ممن يحق لهم التصويت ذهبوا إلى صناديق الاقتراع!!
قيس سعيد ذو خلفية أكاديمية وربما هو السياسي الوحيد في تونس منذ الاستقلال الذي يخاطب شعبه باللغة العربية الفصحى نقلاً ربما عن قاعة المحاضرات في الجامعة، إذ كل أو على وجه الدقة معظم السياسيين التونسيين كانوا إما يتكلمون بالدارجة التونسية، أو خليط منها مع العربية والفرنسية.
ملاحظة الحديث بالعربية الفصحى ليست جانبية، إنما هي في صلب الأزمة التي تتبلور أمامنا، إذ كشفت عن انفصال كامل عن الواقع، الذي تكرر في إنشاء لجنة لصياغة دستور ثم تعديله على المستوى الشخصي ومن ثم نشره وتبين بعد النشر أن به أخطاء لغوية فتم سحبه ثم إعادة نشره. لقد قرر سعيد أن يتبع سياسة (الإهمال الحميد) لقوى سياسية بعينها ثم توسع في تلك السياسة حتى غدا خارج كل القوى الحية التونسية.
انتهى الأمر إلى صيغة سياسية هجينة وهلامية ابتعدت عنها معظم القوى السياسية التونسية والنخب، قاد كل ذلك إلى النتيجة الهزيلة في الانتخابات التي تمت في 17 ديسمبر (كانون الأول) الحالي، حتى اختيار اليوم الذي حرق بوعزيزي نفسه وأشعل الثورة التونسية ليصادف الانتخابات لم يلتفت إليه أحد.
ليس المهم الماضي ولكن محاولة قراءة المستقبل هي الأهم.
من المؤشرات أن الهدف من حركة 25 يوليو 2021 كان تقليص الإسلام الحركي. انتهت سلسلة الأخطاء المتوالية بتقوية شوكة الإسلام الحركي، فقد استطاع الأخير أن يندمج مع مرور الزمن مع كل المتضررين في تيار تحالفي واسع، وبالتأكيد ما إن ينجح ذلك التيار التحالفي في تغيير شيء من الواقع حتى ينقلب الإسلام الحركي على حلفائه كما فعل في كثير من المناطق العربية، فبناء الجبهات في البيئة السياسية العربية دائماً موقت وهش، وذلك ما تكرر في تجارب عربية أخرى كثيرة.

على أقل تقدير فإن تونس لم تنتهِ من الأزمة، هي دخلت أزمة جديدة وقاسية، من مؤشراتها أيضاً عزلة دولية جراء السياسات الطوباوية للأستاذ الجامعي صاحب الخبرة القليلة في السياسة، فلا الجوار الأوروبي مساند، بل ناقد وقد امتنع حتى عن إرسال مراقبين للانتخابات الأخيرة.
من المحتمل أن يظل السيد قيس سعيد في تنفيذ ما يراه، إلا أن ذلك ليس له علاقة بما يعرف بالسياسة الواقعية، فكل ما انتقد فيه «النهضة»، ربما كرره بطريقة أو أخرى، كما امتنع أو تباطأ صندوق النقد الدولي في تقديم قرض مطلوب لتونس لإنقاذ الاقتصاد من التدهور.
القلق أن تسير تونس إلى أحد السيناريوهات؛ إما إلى السيناريو الليبي، وهو تشكيلة من التشرذم الداخلي والتدخل الخارجي، أو السيناريو العراقي، إذ يدفع بعض المتشددين إلى ربح جزء من التونسيين العاطلين والغاضبين إلى مكان نزاع ميليشياوي.
المراهنة الأولى للبعض على أن الطلائع التونسية مختلفة عن بقية العرب في ثقافتها السياسية وأنتجت (ديمقراطية)! اتضح أنها مراهنة خاطئة، وقد ثبت بما يشبه اليقين أن الاستعداد أو التأهيل الثقافي غير كافٍ إن لم يكن معدوماً لاستقبال ثقافة ديمقراطية تؤمن أنه لا أحد يملك الحقيقة الكاملة في إدارة المجتمع الذي لا يدار لا بالآيديولوجيا أو بالطوباوية.
آخر الكلام:
من أقوال الزعيم بورقيبة: (لا أعتقد أن الوقت ملائم للحديث عن الديمقراطية في مفهومها المطلق، فالمجتمعات العربية همشت مفكريها لصالح شيوخ توقف الزمن بهم لأربعة عشر قرناً).
عن الشرق الأوسط السعودية

×
أخبار
وثيقة سرية: روسيا وإيران توسعان قنوات مالية وتجارية للالتفاف على العقوبات رئيس ورزاء قطر: إسرائيل تتصرف بتهور ولا تلتزم بتعهداتها وتواصل القتل ميلوني تعلن إجراءات جديدة في المدارس الإيطالية بينها حظر النقاب هرتسوغ كان يعرف ما الذي يفعله عندما أصدر عفوًا عن عزاريا قبل أقل من 40 يومًا من الانتخابات  وثائقي "نازا" يثير سجالاً حاداً داخل إسرائيل حول آليات الاستهداف والذكاء الاصطناعي في غزة استراتيجية واشنطن في الصومال: تأمين الممرات البحرية على حساب الاستقرار الوطني دراسة: الحرب في الخليج تكشف حدود البدائل وتدفع نحو "هندسة تعدد المسارات" التمويل القطري لجامعة كورنيل يصل لـ 3.38 مليار دولار بعد كشف عقود جديدة من الوساطة إلى هندسة الاستقرار: لماذا يتصدر السودان أولويات الرياض؟ ترامب يكشف عن اتفاق مع الحوثيين.. ويعلن انفتاحه على لقاء الرئيس الإيراني المونيتور: نتنياهو يسعى لتوظيف التهديد الحوثي لدفع التطبيع مع السعودية قبل الانتخابات المتطرف بن غفير يقتحم المسجد الأقصى بحماية قوات الاحتلال.. والأوقاف تستنكر دعوات لواشنطن لبناء "خريطة معمارية" لتتبع شبكات تمويل الإخوان المسلمين وحماس جيش الاحتلال يعدم شابا في جنين ويعتقل آخر في رام الله - فيديو وصور تقرير يكشف تضاربًا بين السجلات الداخلية والبيانات العامة لضحايا الجيش الأمريكي في حرب إيران السيسي خلال استقباله مدير المخابرات الأمريكية: نرفض أي اعتداءات على الدول العربية وندعم اتفاقاً شاملاً مع إيران الصحة: ارتفاع ضحايا حرب الإبادة على قطاع غزة إلى 73,910 شهيدا ألمانيا: انتخابات في ولايتين تهدد بإحداث صدمة جديدة لميرتس خانيونس: مستشفى الكويت الميداني يعلن التوقف عن العمل في جميع الأقسام باستثناء الطوارئ هرتسوغ والجريمة المركبة! جيش الاحتلال وفرق الإرهاب الاستيطاني تنفد حملة اقتحامات اعتقالات واسعة في القدس والضفة الإمارات توضح رسميا ما حدث قبل 7 أكتوبر حول اتصال بن زايد مع نتنياهو رضائي يحدد 7 شروط إيرانية لعودة المفاوضات مع أمريكا ترامب يقطع إجازته ويعود للبيت الأبيض وسط تحذيرات من تصعيد محتمل استطلاع: غالبية الناخبين اليهود في أمريكا قلقون من تأجيج نتنياهو لمعاداة السامية تقرير: الحرب على إيران تمنح موسكو مكاسب استراتيجية وتكشف أزمة الذخائر الأمريكية 3 قراءات تاريخية توضح أسباب رسوخ صعود حزب "البديل" في شرق ألمانيا خلافات داخلية تهدد آمال الديمقراطيين في استعادة الكونغرس في أميركا صحيفة: الثورة التي يتعين على إسرائيل إدراكها قبل فوات الأوان الطيبي يلوح بخطوات برلمانية حاسمة لإسقاط ائتلاف نتنياهو الحاكم

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط