تاريخ النشر: 2026-11-08 | 18:14
تاريخ النشر: 2026-11-08 | 18:14
بين أمطار قطاع غزة العنيفة وحقول الزيتون المحاصرة في الضفة الغربية، تتجسد فصول مأساة فلسطينية مركبة، تختزل حرب إبادة وتطهير عرقي شاملة تستهدف الإنسان والأرض والهوية. ومع دخول فصل الشتاء لعام 2026، تتداخل المشاهد المؤلمة لترسم لوحة واحدة من الصمود والمعاناة الممتدة من غزة الغارقة تحت الشوادر والمطر، إلى الضفة الممنوعة من معانقة أشجارها.
في قطاع غزة، استقبل سكان الخيام في المخيمات المكتظة أولى المنخفضات الجوية بقلوب مثقلة بالخوف. فلم يعد المطر في غزة رمزاً للخير والبركة، بل استحال كابوساً داهماً يهاجم آلاف الخيام المهترئة التي لا تقي برداً ولا تصد سيلاً. تسللت مياه الأمطار إلى داخل الخيام من الجوانب والأرضيات، محولةً مراكز الإيواء المؤقتة إلى برك من الوحل والمياه الراكدة. وأدت الرياح الشديدة المرافقة للأمطار إلى انهيار واقتلاع الشوادر والخيام التي جرى ترميمها بجهود مضنية وتكاليف باهظة في ظل الحصار المتواصل.
تسبب التدمير الشامل لشبكات الصرف الصحي وتصريف مياه الأمطار في مضاعفة المأساة، لتغرق العائلات، بأطفالها ونسائها، وسط غياب تام لأدنى مقومات الحياة الكريمة. لم تقتصر المعاناة على الخيام، بل طالت دماراً هائلاً حل بـ 90بالمئة من أشجار الزيتون في القطاع بفعل القصف المستمر، ليفقد المزارع الغزي حقوله وتجربته الزراعية التاريخية.
على المقلب الآخر في الضفة الغربية، وبدلاً من أن يكون موسم قطاف الزيتون "عرساً جماعياً" تتداخل فيه الأهازيج وتلتئم فيه العائلات حول نار الحطب، تحول هذا العام إلى ساحة مواجهة دموية ومحفوفة بالمخاطر. وهناك تمنع قوات الاحتلال وقطعان المستوطنين الفلسطينيين من الوصول إلى أراضيهم، خاصة تلك الواقعة في المناطق المصنفة "ج" والقريبة من المستوطنات والجدار.
وقد وثّقت المنظمات الحقوقية مئات الاعتداءات التي شملت حرق أشجار الزيتون، والاعتداء الجسدي على الفلاحين المتشبثين بأرضهم، وإطلاق قنابل الصوت والغاز لتفريقهم. ولم يتوقف الأمر عند المنع، بل امتد إلى سرقة المحاصيل ومصادرة أدوات القطف، بهدف حرمان العائلات الفلسطينية من ريع هذا الموسم الذي يشكل عصبًا اقتصادياً حيوياً للكثير منها. ويدرك المحتل الصهيوني أنّ شجرة الزيتون ليست مجرد مصدر دخل، بل هي ركن أساسي في الهوية الثقافية والوطنية الفلسطينية، ورمز للصمود والبقاء والتحدي، لذا يجري استهدافها بشكل ممنهج لاقتلاع الإنسان من أرضه.
إن المشهدين في قطاع غزة والضفة الغربية، رغم اختلاف تفاصيلهما الجغرافية واليومية، يلتقيان عند قاسم مشترك واحد، سياسة التضييق والتهجير القسري ومحاولة كسر الإرادة الفلسطينية. الفلاح في الضفة الغربية الذي يواجه رصاص المستوطنين ليحمي زيتونة عمره، هو نفسه النازح في غزة الذي يرمم خيمته وسط انهمار المطر، متمسكاً بأمل العودة الفورية إلى مخيمه ومدينته. يبقى الفلسطيني، بين برد الشتاء ومخاطر حقول الزيتون، يُسطر أروع ملائم الثبات، متمسكاً بجذوره التي تشبه جذور الزيتون الضاربة في عمق هذه الأرض، عصية على الاقتلاع والاندثار.
رامز جبارين
كاتب فلسطيني
اسم المؤسسة / الجهة: