تاريخ النشر: 2026-09-20 | 14:21
تاريخ النشر: 2026-09-20 | 14:21
المشكلة في قراءة تاريخ حماس أنها كثيراً ما تُختزل في مقاومتها المسلحة، وكأن الصراع بينها وبين منظمة التحرير لم يكن سوى خلاف حول وسائل النضال. لكن هذه القراءة لا تفسر التحول العميق الذي أصاب الحركة الوطنية الفلسطينية.
نشأت حماس كحركة إسلامية مرتبطة فكرياً وتنظيمياً بجماعة الإخوان المسلمين، ولذلك لم تنظر إلى القضية الفلسطينية بالطريقة نفسها التي تطورت بها الرؤية السياسية لمنظمة التحرير. فمنظمة التحرير، بعد عقود من التحولات، أصبحت تمثل إطاراً وطنياً فلسطينياً مستقلاً، يتعامل مع القضية باعتبارها قضية تحرر وطني لشعب فلسطيني له هويته وحقوقه ومؤسساته السياسية.
أما حماس، فكانت تنظر إلى فلسطين من منظور إسلامي إخواني، لا يختزل القضية في حدود الدولة الفلسطينية التي قبلت بها منظمة التحرير، ويرى فلسطين جزءاً من قضية إسلامية أوسع. وهنا لم يكن الاختلاف مجرد خلاف أيديولوجي، بل اختلافاً حول ماهية القضية، وطبيعة المشروع، ومن يمتلك حق تمثيل الفلسطينيين، وما هي حدود الممكن السياسي.
ومن هنا، فإن صعود حماس لم يكن مجرد إضافة فصيل جديد إلى الحركة الوطنية، بل أصبح منافسة للمشروع الوطني نفسه.
كان وجود منظمة التحرير كإطار وطني جامع يعني وجود عنوان سياسي للقضية الفلسطينية. وقد أصبحت المنظمة، رغم أخطائها وتراجع مؤسساتها، عنواناً للاعتراف الدولي بالشعب الفلسطيني وحقوقه السياسية. لذلك فإن إضعافها لم يكن مجرد إضعاف لفصيل سياسي، بل فتح الباب أمام تعدد المرجعيات ومراكز القرار، وتحول الصراع تدريجياً من سؤال كيفية تحقيق الاستقلال إلى سؤال آخر: من يقود الفلسطينيين؟ ومن يملك شرعية تمثيلهم؟ ومن يحكم؟
ومن هنا جاء الانقسام الذي تحول لاحقاً إلى أحد أخطر عناصر ضعف المشروع الوطني الفلسطيني.
هنا تظهر صورة التخادم بصورة أوضح بين اليمين الصهيوني واليمين الفلسطيني، ممثلاً بحماس، رغم اختلاف الأهداف والدوافع بينهما.
لم يكن اليمين الإسرائيلي يريد منظمة التحرير قوية، لأنها الطرف الذي وقع اتفاق أوسلو واعترف بإسرائيل، وكان يمكن أن تتحول، لو اكتملت العملية السياسية، إلى شريك في إقامة دولة فلسطينية. وفي المقابل، لم تكن حماس تريد بقاء منظمة التحرير صاحبة المركز السياسي الجامع للقضية، لأنها أرادت تقديم نفسها قوة فلسطينية قادرة على منافسة القيادة التقليدية بمشروع مختلف.
وهكذا وجد طرفا اليمين نفسيهما، كل من موقعه، في مواجهة المشروع السياسي الوطني الفلسطيني. فاليمين الإسرائيلي سعى إلى منع قيام دولة فلسطينية وإبقاء السيطرة الإسرائيلية على الأرض، بينما سعت حماس إلى إسقاط المسار السياسي الذي قبلت به منظمة التحرير، وتقديم مشروعها بديلاً عنه.
وهنا يكمن جوهر مفهوم التخادم. فهو ليس تحالفاً مباشراً، ولا يعني بالضرورة وجود تنسيق سري، وإنما يعني أن نتائج سياسات طرف يمكن أن تخدم أهداف الطرف الآخر، حتى من دون اتفاق بينهما.
كان اتفاق أوسلو يحتاج إلى الوقت كي يُختبر. فقد قامت فكرته على انتقال تدريجي من مرحلة مؤقتة إلى مفاوضات حول قضايا الوضع النهائي، بالتوازي مع بناء مؤسسات فلسطينية وانسحابات إسرائيلية تدريجية. لكن العملية تعرضت لضربات متلاحقة من الجانبين.
فالعمليات الانتحارية التي نفذتها حماس أضعفت ثقة قطاعات واسعة من المجتمع الإسرائيلي بالمسار السياسي، بينما أدى استمرار الاستيطان والإجراءات الإسرائيلية إلى إضعاف الثقة الفلسطينية. وغذى تحريض اليمين في الجانبين المخاوف المتبادلة. ثم جاء اغتيال إسحاق رابين وتصاعد العمليات المسلحة، وما تبعهما من صعود بنيامين نتنياهو، لتدخل العملية السياسية مرحلة أكثر صعوبة، تلتها عودة وتيرة الاستيطان وتعثر تنفيذ الاتفاقات.
لكن المشكلة لم تكن فقط في الأحداث المنفردة، بل في تراكم آثارها السياسية. فكلما تعرض المسار السياسي لضربة، أصبح من الأصعب على مؤيديه إقناع الجمهور بأنه قادر على تحقيق أهدافه. وكلما تراجعت الثقة بالتسوية، ازدادت مساحة القوى التي تقوم شرعيتها السياسية على رفضها. وهكذا تحولت أوسلو تدريجياً من عملية سياسية يفترض أن تبني واقعاً جديداً إلى ساحة صراع بين مشاريع متناقضة حول مستقبل القضية الفلسطينية.
وهكذا أصبحت العملية التي كان يفترض أن تبني الثقة تنتج مزيداً من انعدامها. ففشل أوسلو كان مكسباً سياسياً لليمين الإسرائيلي، لأن نجاحه كان يمكن أن يحول الاعتراف بالفلسطينيين من اعتراف سياسي محدود إلى واقع مؤسسي دائم يقود في نهايته إلى دولة فلسطينية. وفي المقابل، خدم الفشل حماس، لأنه عزز حجتها بأن المسار السياسي لم يحقق للفلسطينيين حقوقهم، ومنحها مساحة أوسع لتقديم المقاومة باعتبارها البديل عن التسوية.
أصبح كل طرف يجد في سياسات الطرف الآخر مادة سياسية تعزز موقعه. فالعمليات المسلحة كانت تستخدم لإثبات أن الفلسطينيين ليسوا شريكاً للسلام، بينما كانت حماس تستخدم الاستيطان والعمليات العسكرية والإغلاق لإثبات أن التسوية لا تؤدي إلى إنهاء الاحتلال. ولم يعد الأمر مجرد تبادل للخطابات، بل تحول إلى بنية سياسية تعيد إنتاج نفسها.
بلغت عملية التخادم أخطر مراحلها عندما تحول الانقسام السياسي الفلسطيني إلى انقسام جغرافي عام 2007، بعد سيطرة حماس بالقوة العسكرية على قطاع غزة، في مقابل بقاء الضفة الغربية تحت سيطرة السلطة الفلسطينية.
منذ ذلك الوقت أصبح التعامل مع الفلسطينيين بوصفهم شعباً واحداً يمتلك قيادة سياسية موحدة أكثر صعوبة. أصبح هناك واقع فلسطيني منقسم: السلطة في الضفة وحماس في غزة، لكل منهما مؤسساته وأجهزته وخطابه السياسي.
وهنا تحولت سيطرة حماس على غزة، التي اعتبرتها الحركة انتصاراً على السلطة وخصومها، إلى مكسب استراتيجي للتيار اليميني الإسرائيلي، ليس لأن حماس تحالفت معه، وإنما لأن نتائج فعلها ساعدت في تكريس واقع يخدم رؤيته السياسية. وهذا هو التخادم.
بعد الانقسام، أصبح من الممكن للسياسة الإسرائيلية التعامل مع غزة باعتبارها ملفاً أمنياً منفصلاً، ومع الضفة باعتبارها ملفاً أمنياً وسياسياً مختلفاً، بدلاً من التعامل مع القضية الفلسطينية باعتبارها مساراً وطنياً واحداً يقود إلى حل نهائي.
أصبحت السلطة الفلسطينية طرفاً محدود الصلاحيات، وحماس قوة مسلحة غير معترف بها دولياً، وبين الطرفين جدار سياسي وجغرافي عميق. وفي ظل هذه المعادلة، أصبح قيام دولة فلسطينية موحدة أكثر صعوبة، وهو ما ينسجم مع الرؤية التي تبناها اليمين الإسرائيلي والقائمة على غياب شريك فلسطيني قادر على تنفيذ اتفاق نهائي.
لكن المعادلة نفسها أفادت حماس أيضاً. فكلما فشلت السلطة، وكلما توسع الاستيطان، وكلما تعذر الحل السياسي، تمكنت حماس من تقديم نفسها باعتبارها البديل عن مشروع التسوية.
وهكذا استمر التخادم باعتباره نتيجة سياسية متبادلة، لا اتفاقاً بين الطرفين. ففي سعيها إلى إضعاف منظمة التحرير والسلطة وإسقاط أوسلو، أضعفت حماس جزءاً من البنية السياسية التي كان يمكن أن تحمل المشروع الوطني الفلسطيني نحو الاستقلال. وفي المقابل، فإن اليمين الإسرائيلي، في سعيه إلى إسقاط أوسلو وتوسيع الاستيطان ورفض قيام دولة فلسطينية، أضعف الطرف الفلسطيني الذي كان يمكن أن يكون شريكاً في التسوية.
كلاهما، كل من موقعه، أضعف المسار السياسي الذي كان يمكن أن يؤدي إلى إنهاء الصراع. فاليمين الإسرائيلي لم يستطع إلغاء الشعب الفلسطيني، وحماس لم تستطع تحرير فلسطين، لكن الطرفين أسهما في إضعاف معسكر التسوية.
وهنا تكمن المفارقة الكبرى: فشل أوسلو، لكن إسرائيل لم تحصل على السلام، وحماس لم تحقق التحرير، والفلسطينيون لم يحصلوا على الدولة. لقد أضعف اليمينان خصوم كل منهما، لكنهما لم يقدما بديلاً قابلاً للحياة.
في الضفة الغربية، أصبحت الأرض أكثر تجزؤاً بفعل المستوطنات والطرق والمناطق العسكرية وأنماط السيطرة الإسرائيلية المختلفة. وفي غزة، تحول الصراع إلى حروب متكررة وحصار ودمار ومعاناة إنسانية واسعة، وصولاً إلى المشهد الكارثي الذي نشهده اليوم.
أما المشروع الوطني الفلسطيني، فقد تراجع بشدة، محاصراً بين الاحتلال والحرب والانقسام السياسي والجغرافي.
وهذا هو الثمن الحقيقي للتخادم. ليس الثمن الذي دفعه هذا الطرف أو ذاك، وإنما الثمن الذي دفعه الشعب الفلسطيني نفسه.
لم يُمنح أوسلو فرصة حقيقية لاختبار إمكاناته. فقد حوصر منذ البداية بين قوى رأت في التسوية تهديداً لمشروعها. في إسرائيل، رأى اليمين أن أي تنازل عن الأرض يمس جوهر المشروع الصهيوني. وفي الجانب الفلسطيني، رأت حماس أن أوسلو والتسوية التي تقودها منظمة التحرير يهددان مشروعها السياسي.
وفي النهاية، لم يكن أوسلو بحاجة إلى أن يكون مثالياً كي ينجح، بل كان يحتاج إلى إرادة سياسية تحميه من القوى التي عملت على إفشاله. وهذه الإرادة لم تكن كافية.
من المهم التأكيد أن الحديث عن التخادم لا يعني بالضرورة وجود تنسيق مباشر بين الطرفين. قد تكون هناك اتصالات أو حسابات أو تفاهمات خلف الكواليس لم تكشف الوثائق والشهود كل تفاصيلها، وقد يكشف المستقبل ما لا نعرفه اليوم. لكن فهم جوهر التخادم لا يحتاج إلى ذلك.
فالوقائع السياسية المعلنة تكفي لفهم الآلية: حماس أضعفت أوسلو، فاستفاد اليمين الإسرائيلي، واليمين الإسرائيلي أضعف أوسلو، فاستفادت حماس. حماس أضعفت منظمة التحرير، فاستفاد اليمين الإسرائيلي، واليمين الإسرائيلي أضعف السلطة والمشروع السياسي، فاستفادت حماس. ثم جاء الانقسام ليحول هذه الدائرة إلى واقع سياسي وجغرافي مستمر.
والأهم أن التخادم هنا لا يعني أن الطرفين كانا يريدان النتيجة نفسها. فالاختلاف في الأهداف واضح، لكن السياسة لا تقاس فقط بالنوايا المعلنة، وإنما أيضاً بالنتائج التي تنتجها الأفعال. قد يحارب طرفان بعضهما بعضاً، ثم يجد كل منهما أن استمرار سياسات الطرف الآخر يمنحه مبرراً للاستمرار في مشروعه. عندها يصبح الصراع نفسه جزءاً من آلية بقاء الطرفين، حتى من دون اتفاق أو تنسيق بينهما.
وهذا هو التخادم السياسي بأوضح صوره: أن يعمل كل طرف ضد الآخر، لكنه في الوقت نفسه يوفر له البيئة التي يحتاج إليها للاستمرار.
بعد كل هذه السنوات، يمكن السؤال: هل انتصرت حماس؟ غزة المدمرة تقدم إجابة قاسية. وهل انتصر اليمين الصهيوني؟ فالاحتلال مستمر، والصراع مفتوح، والأمن الدائم لم يتحقق. وهل انتصر المشروع الوطني الفلسطيني؟ فالانقسام بين الضفة وغزة وتآكل وحدة التمثيل الوطني يقدمان الإجابة.
لقد أدى التخادم بين اليمين الفلسطيني واليمين الصهيوني إلى نتيجة لم تكن بالضرورة هدفاً معلناً لأي منهما، لكنها خدمت كليهما سياسياً: إبقاء الصراع مفتوحاً، وإضعاف الوسط السياسي، وتحطيم الثقة بالتسوية، وإضعاف المشروع الوطني الفلسطيني، وتعزيز القوى الأكثر تشدداً على جانبي الصراع.
القضية الفلسطينية لا يمكن أن تستعيد عافيتها بإعادة إنتاج الانقسام، أو باستبدال المشروع الوطني الفلسطيني بمشروع فصائلي. كما أن إسرائيل لن تصل إلى الأمن من خلال استمرار الاحتلال والاستيطان ورفض الحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني.
لقد أثبتت العقود الماضية أن اليمين الفلسطيني يحتاج، سياسياً، إلى وجود اليمين الإسرائيلي كي يبرر استمرار مشروعه، وأن اليمين الإسرائيلي يستفيد من وجود اليمين الفلسطيني لتقديم نفسه باعتباره الطرف الذي لا يملك شريكاً فلسطينياً قادراً على إنجاز التسوية.
وبين ضفة تتآكل جغرافياً، وغزة تدفع ثمن الحرب والدمار، ومشروع وطني فلسطيني ممزق، تستمر الدائرة نفسها.
لذلك يصبح السؤال الحقيقي أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى:
هل آن الأوان لكسر دائرة التخادم، واستعادة المشروع الوطني الفلسطيني، وإعادة الصراع من ساحة مفتوحة للتطرف إلى مسار سياسي يضع إنهاء الاحتلال، وحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره، وإقامة دولته، في إطار حل تاريخي قابل للحياة؟
فربما كانت أكبر هزائم أوسلو أنه فشل، لكن الهزيمة الأكبر ستكون ألا نتعلم من فشله، وأن نستسلم للمعادلة التي صنعها اليمين على جانبي الصراع، وكأن طريقهم هو البديل الوحيد.