تاريخ النشر: 2026-09-13 | 18:45
تاريخ النشر: 2026-09-13 | 18:45
صنعاء: في وقت يواجه فيه مضيق هرمز اضطرابًا شديدًا بفعل الحرب الأميركية–الإسرائيلية على إيران، يبرز باب المندب بوصفه جبهة موازية قد تزيد الضغوط على تجارة الطاقة العالمية.
ووفق تقرير نشرته مجلة نيوزويك الأميركية في 11 سبتمبر/أيلول 2026، أعدّه توم أوكونور، نائب رئيس التحرير لشؤون الأمن القومي والسياسة الخارجية، فإن التقدم العسكري السريع لجماعة أنصار الله «الحوثيين» على الساحل الغربي لليمن، ووصولها إلى ميناء المخا، يمنحها قدرة متزايدة على تهديد أحد أهم الممرات البحرية في العالم، الذي تعبر منه نحو 10% من تجارة النفط العالمية المنقولة بحرًا.
ويكتسب هذا التطور أهمية إضافية بسبب الموقع الجغرافي لباب المندب، الذي لا يتجاوز عرضه في أضيق نقطة نحو 16 ميلًا، ويربط خليج عدن بالبحر الأحمر، ومنه إلى البحر المتوسط عبر قناة السويس. ووفق التقديرات الواردة في التقرير، فإن تصاعد العمليات الحوثية باستخدام الصواريخ والطائرات المسيّرة يمكن أن يعرض للخطر حركة نحو 8.1 مليون برميل يوميًا من النفط الخام والمكثفات والمنتجات النفطية.
ولا يتطلب التأثير في حركة الملاحة، وفق محللين يمنيين، إغلاق المضيق بالكامل. فمجرد رفع مستوى المخاطر الأمنية إلى الحد الذي يدفع شركات الشحن وشركات التأمين إلى إعادة تقييم المرور عبره يمكن أن يكون كافيًا لرفع تكاليف التأمين، وإطالة مسارات النقل، وزيادة الأسعار. وقد أشار المحلل اليمني هشام العميسي إلى أن تثبيت الحوثيين سيطرتهم على الساحل الغربي ومداخل المضيق سيحوّل التطورات من أزمة يمنية داخلية إلى قضية ذات انعكاسات إقليمية ودولية مباشرة.
وتظهر أهمية باب المندب بصورة أوضح عند النظر إلى حجم التجارة التي تمر عبره. فقبل التصعيد الحالي، كان المضيق يستوعب نحو 10% من تجارة النفط العالمية المنقولة بحرًا، و8% من تجارة الغاز، إلى جانب ما يقرب من 30% من حركة الحاويات العالمية. كما ازدادت أهميته بعد تعطل حركة الملاحة عبر هرمز، مع اعتماد السعودية على نقل جزء من صادراتها النفطية من شرق المملكة إلى ساحل البحر الأحمر عبر شبكة خطوط الأنابيب البرية.
غير أن هذا المسار البديل بات بدوره عرضة للتهديد. فقد أشار التقرير إلى تعرض خط الأنابيب الممتد بين أبقيق في شرق السعودية وينبع على ساحل البحر الأحمر لأضرار نتيجة هجمات بطائرات مسيّرة انطلقت من العراق، حيث تنشط جماعات مسلحة موالية لإيران. ويعني ذلك أن الضغط لم يعد محصورًا بالممرات البحرية وحدها، وإنما يمتد إلى البنية التحتية البرية التي تستخدمها السعودية لتقليل اعتمادها على مضيق هرمز.
ويهدد اتساع الأزمة كذلك قناة السويس. فتعطل الملاحة في البحر الأحمر يدفع شركات الشحن إلى تحويل مساراتها حول رأس الرجاء الصالح، وهو طريق أطول قد يضيف أكثر من 15 يومًا إلى الرحلة، فضلًا عن ملايين الدولارات من تكاليف الوقود والنقل والتأمين. وغالبًا ما تنتقل هذه التكاليف إلى المستهلك النهائي، ما يرفع الضغوط التضخمية ويؤثر بصورة أكبر في الاقتصادات الأكثر اعتمادًا على الاستيراد والنقل البحري.
وتضاعف المخاطر تصريحات صدرت من شخصيات يمنية متعاطفة مع الحوثيين، تضمنت تهديدات بإغلاق البحر الأحمر أمام السفن المرتبطة بالسعودية أو الولايات المتحدة أو باكستان إذا تدخلت هذه الدول عسكريًا، إضافة إلى التلويح باستهداف منشآت أرامكو والمطارات والموانئ السعودية وربما تنفيذ عمليات برية باتجاه نجران وجيزان وعسير. غير أن هذه التصريحات لا تمثل بيانًا رسميًا صادرًا عن قيادة الحوثيين، وهو ما يستوجب التعامل معها بوصفها مؤشرًا على المزاج المحيط بالجماعة وليس إعلانًا مؤكدًا لخططها العسكرية.
ويأتي هذا التصعيد بعد سنوات من الجمود النسبي في الجبهات اليمنية منذ الهدنة التي بدأت في أبريل/نيسان 2022. لكن التوتر عاد إلى الارتفاع خلال الأشهر الأخيرة، في وقت نجح فيه الحوثيون، بحسب محللين، في حشد قوات كبيرة على جبهات محددة واستخدام الصواريخ والطائرات المسيّرة بكفاءة أكبر، بينما ظلت القوات الحكومية تعاني ضعف التنسيق وغياب القيادة الموحدة ونقص الدعم الجوي.
وفي المقابل، لا يعني التقدم الحوثي أن حسم المعركة أصبح مضمونًا. فقد سبق للقوات الحكومية أن استعادت عدن ومناطق أخرى بدعم سعودي عقب تحركات للمجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم إماراتيًا، في حين يشير التقرير إلى أن الخيارات المتاحة أمام الرياض باتت أكثر تعقيدًا. فالتصعيد العسكري المباشر لطرد الحوثيين قد يستدعي حملة طويلة من الهجمات على البنية التحتية النفطية السعودية، بينما قد تؤدي التسويات أو التنازلات إلى تعزيز موقع الحوثيين على المدى الطويل وتسهيل تدفق مزيد من الخبرات والأسلحة الإيرانية إليهم.
كما يواجه الخيار العسكري قيودًا إضافية في ظل ما أورده التقرير عن رفض الرئيس الأميركي دونالد ترامب تقديم دعم جوي مباشر للسعودية، بسبب انشغال الولايات المتحدة بصراعها المتصاعد مع إيران واستنزاف جزء من مخزونها من الذخائر. وهو ما يضع الرياض أمام معادلة صعبة بين تحمل كلفة التصعيد أو قبول واقع أمني يسمح للحوثيين بالاحتفاظ بنفوذ متزايد على خطوط الملاحة والطاقة.
ويكشف المشهد في مجمله عن تحول باب المندب من ممر تجاري حساس إلى نقطة ضغط استراتيجية تتقاطع فيها الحرب اليمنية مع المواجهة الإقليمية الأوسع مع إيران. فإذا استمرت التهديدات في هرمز بالتزامن مع تصاعد المخاطر في البحر الأحمر، فإن جزءًا كبيرًا من صادرات الطاقة الخليجية سيصبح عرضة لضغوط متزامنة من الشرق والغرب، بينما تضيق الخيارات البديلة أمام شركات الشحن والدول المنتجة.
وبهذه الصورة، لم يعد تقدم الحوثيين على الساحل الغربي لليمن مجرد تطور ميداني في حرب داخلية، بل أصبح عنصرًا قادرًا على التأثير في أمن الطاقة العالمي وحركة التجارة عبر قناة السويس وتكاليف الشحن والتأمين. كما يمنح السيطرة على نقاط الاقتراب من باب المندب الجماعة وإيران ورقة تفاوضية إضافية في أي ترتيبات سياسية أو أمنية مقبلة، خصوصًا إذا تزامن الضغط على البحر الأحمر مع استمرار اضطراب الملاحة في مضيق هرمز.