تاريخ النشر: 2026-10-14 | 19:00
تاريخ النشر: 2026-10-14 | 19:00
واشنطن: سلّط المؤرخ الاستراتيجي الأمريكي وكاتب العمود في منصة «بلومبرغ أوبينيون» (Bloomberg Opinion)، هال براندز، الضوء على تحول ممر البحر الأحمر من شريان تجاري حيوي إلى نموذج مصغر للفوضى الجيوسياسية العالمية المقبلة. وأكد التحليل أن هذا الشريط البحري الضيق - الذي لا يتجاوز عرضه عند أضيق نقاطه 20 ميلاً، ويحمل في الأوقات العادية 30% من حركة الحاويات العالمية ونحو 5 ملايين برميل نفط يومياً، إلى جانب معظم كابلات الألياف الضوئية بين أوروبا وآسيا - يتحول بسرعة إلى ساحة صراع مفتوحة تندمج فيها حروب الشرق الأوسط مع نزاعات شمال شرق أفريقيا.
وتنطلق الأطروحة المركزية للمقال من أن ما يشهده البحر الأحمر يمثل نافذة على اتجاهين عالميين حاسمين: تزايد الصراع الدولي للإمساك بالممرات البحرية الحيوية من هرمز وباب المندب إلى بحر الصين الجنوبي والقطب الشمالي، وغياب الهيمنة الأحادية الأمريكية لصالح حالة من السيولة والفوضى الجيوسياسية متعددة الأقطاب والفاعلين.
يقدم التقرير قراءة شاملة لاشتباك الملفات والأزمات الإقليمية على طرفي الممر البحري، حيث يربط البحر الأحمر بين منطقتين شديدتي الاضطراب:
الجبهة اليمنية والسعودية: عقب أحداث 7 أكتوبر 2023 وانهيار الهدنة في اليمن، وسع الحوثيون نفوذهم الميداني على ساحل البحر الأحمر وباب المندب. وأدى ذلك إلى فرض حصار على الملاحة واستهداف ميناء ينبع السعودي بالمسيّرات والصواريخ (وهو المنفذ الرئيسي لتصدير النفط السعودي في حال إغلاق مضيق هرمز). ورداً على ذلك، ترعى الرياض عمليات عسكرية لاستعادة تلك المناطق مستعينة بدعم دبلوماسي وأمني من أطراف دولية وإقليمية متفرقة.
الداخل الإثيوبي والإفريقي: تجدد القتال الأهلي في إثيوبيا وسط اتهامات رسمية من أديس أبابا لدول الجوار (إريتريا ومصر والسودان) بدعم متمردي تيغراي، مما يزيد من احتمالات نشوب صراع إقليمي أوسع.
الساحة السودانية: تستمر الحرب الأهلية في السودان جراء التدخلات الخارجية المتعددة وتغذية أطراف الصراع بالسلاح والتمويل.
جيبوتي والصومال: تشهد جيبوتي سباقاً عسكرياً متصاعداً بين القوى الدولية الاستعمارية والكبرى لاستضافة القواعد العسكرية، بينما تتفاقم المخاطر في الصومال وجنوب باب المندب بفعل نشاط حركة «الشباب» والنزاعات الحدودية مع إقليم أرض الصومال (صوماليلاند).
أشار التحليل إلى بروز نمط معقد من الاصطفافات الأمنية والسياسية العابرة للحدود الوطنية، والتي تتميز بتداخل المصالح وتعارضها في آن واحد:
التحالفات غير التقليدية: تقارب الحوثيين مع حركة «الشباب» الصومالية عبر تبادل الخبرات العسكرية والأسلحة، بالتوازي مع تطوير إيران لحضورها على الساحل الأفريقي لبناء «استراتيجية كمّاشة» تطوق القوى المنافسة.
التنافس الإقليمي البيني: يمتد صراع النفوذ بين السعودية والإمارات إلى العمق الأفريقي عبر السباق على الموارد والموانئ والدعم المتعارض لأطراف النزاع في السودان وإثيوبيا.
التدخلات الدولية والإسرائيلية: اعتراف إسرائيل بإقليم صوماليلاند أواخر العام الماضي بغرض استخدامه منصة لمواجهة الحوثيين، متقاطعة مع النفوذ التركي الممتد من الصومال والسودان إلى قطر وسوريا. وعلى الجانب الآخر، تسعى روسيا للحصول على ثغرة وبحرية في السودان، بينما تحتفظ الصين بأول قاعدة عسكرية خارجية لها في جيبوتي مع تعزيز شراكتها التجارية مع مختلف الفاعلين.
المبادرات الغربية: إطلاق الاتحاد الأوروبي مهمة بحرية لحماية الملاحة منذ عام 2024، مقابل مواجهة أمريكية معقدة مع الحوثيين تعكس حدود القوة العسكرية التقليدية.
يحدد الكاتب اتجاهين رئيسيين يشكلان الملامح العامة للنظام الدولي القادم:
الاتجاه الأول (المعركة على الممرات البحرية): تحول التحكم بالشرايين البحرية والتجارية إلى أداة أساسية لإعادة توزيع القوة والنفوذ. فكما تسعى الصين للسيطرة على بحر الصين الجنوبي وتطالب روسيا بطريق القطب الشمالي، تستخدم التنظيمات والفاعلون من غير الدول (مثل الحوثيين) موقعها الجغرافي للضغط على الاقتصاد العالمي وتغيير المعادلات السياسية.
الاتجاه الثاني (الفوضى الجيوسياسية الشاملة): انحسار قدرة القيادة الأمريكية الأحادية على ضبط النزاعات، مما أتاح للقوى المتوسطة والإقليمية هامشاً كبيراً لممارسة أدوار هجومية، ومكّن الجماعات المسلحة من امتلاك أسلحة تكنولوجية وصواريخ باليستية ومسيّرات متطورة كانت مقتصرة في السابق على الدول الكبرى.
يؤكد هذا التقرير، الصادر عن أحد أبرز المراجع الاستراتيجية الأمريكية، أن ممر البحر الأحمر لم يعد مجرد مضيق مائي لإبحار سفن الشحن، بل غدا الميدان الرئيسي لاندماج حروب الشرق الأوسط مع الصراعات الأفريقية.
وتكمن الخطورة الاستراتيجية لهذه التحولات في تآكل آليات التحكم بالأزمات؛ فالتحالفات المتقاطعة والسيولة السياسية تنشئ بيئة غير قابلة للتنبؤ، بحيث يمكن لأي تصعيد عسكري في جيبوتي أو الصومال أو اليمن أو السودان أن يمتد فوراً ليتسبب في أزمة طاقة أو إرباك للإمدادات العالمية. ويبدو أن البحر الأحمر يقدم الدرس الأول لقواعد اللعبة السياسية الجديدة: عالم متصدع، متعدد المحاور، وأكثر صعوبة في الإدارة والضبط مما واجهته واشنطن وحلفاؤها على مدى العقود الماضية.