تاريخ النشر: 2026-09-15 | 23:00
تاريخ النشر: 2026-09-15 | 23:00
تل أبيب: أثارت شركة Irregular الإسرائيلية المتخصصة في اختبار القدرات السيبرانية لنماذج الذكاء الاصطناعي جدلًا واسعًا، بعدما ارتبط اسمها بسلسلة من الاختبارات التي انتهت، في بعض الحالات، بوصول نماذج متقدمة إلى أنظمة حقيقية خارج بيئات المحاكاة المفترضة.
وبحسب تقرير نشره موقع Effort في 14 سبتمبر/أيلول 2026، تعمل الشركة مع مختبرات ذكاء اصطناعي أميركية كبرى، من بينها OpenAI وAnthropic وMeta، لتقييم قدرة نماذجها على تنفيذ مهام سيبرانية معقدة واكتشاف الثغرات والتعامل مع سيناريوهات هجومية.
تقوم Irregular بتصميم بيئات اختبار تحاكي عمليات الاختراق الحقيقي، وتضع أمام النماذج أهدافًا ومهام تقنية من بينها تحديات Capture the Flag – CTF، بهدف قياس قدرتها على اكتشاف الثغرات والوصول إلى معلومات أو أنظمة محددة. ولا يقتصر دور الشركة على تقديم الاستشارات، بل يشمل إعداد البنية التقنية للاختبارات ومنح النماذج الأدوات والصلاحيات اللازمة للعمل داخلها، بما في ذلك، في بعض الحالات، إمكانية الوصول إلى الشبكات.
وتشير المعلومات المتاحة إلى أن للشركة هيكلًا قانونيًا يمتد بين الولايات المتحدة وإسرائيل، عبر كيان مسجل في ولاية ديلاوير وآخر في تل أبيب، فيما يتولى دان لاهف منصب المؤسس المشارك والرئيس التنفيذي، إلى جانب عومر نيفو بوصفه أحد مؤسسي الشركة ومديريها التقنيين. كما تربط المادة بين المؤسسين وعدد من المؤسسات والشبكات المرتبطة بحركة Effective Altruism، لكن هذه الروابط تظل في إطار توصيف البيئة المؤسسية للشركة ولا تشكل، بذاتها، دليلًا على مسؤولية مباشرة عن الحوادث التقنية.
وتتمثل القضية الأكثر حساسية في أن بعض الاختبارات لم تبقَ محصورة بالكامل داخل البيئة الافتراضية التي صُممت لهذا الغرض. ففي اختبارات أجريت على نماذج Claude التابعة لشركة Anthropic، حصلت النماذج على سيناريوهات افتراضية ومهام هجومية، إلا أن بيئة التشغيل ظلت متصلة بالإنترنت العام، بينما لم تكن حدود الأنظمة المسموح باستهدافها محددة بصورة محكمة.
وبحسب الرواية الواردة في المادة، أدى ذلك إلى قدرة النموذج على البحث خارج النطاق المفترض والوصول إلى أنظمة موجودة فعليًا على الإنترنت. وتكمن أهمية هذه الواقعة في أنها تطرح سؤالًا مختلفًا عن السؤال التقليدي المتعلق بقدرة الذكاء الاصطناعي على تنفيذ هجمات إلكترونية: هل كان النموذج يتصرف خارج السيطرة فعلًا، أم أن تصميم بيئة الاختبار نفسها أتاح له الانتقال من المحاكاة إلى العالم الحقيقي؟
الاختبارات اللاحقة قدمت مؤشرًا مهمًا في هذا السياق. فعندما جرى إبلاغ أحد نماذج Claude بصورة واضحة بأن الوجهة التي يتعامل معها موجودة على الإنترنت العام وليست جزءًا من بيئة محاكاة، انخفض إلى الصفر معدل تنفيذ المسار الذي كان سيؤدي إلى رفع حزمة برمجية خبيثة إلى الهدف الحقيقي في العينة المشار إليها. وتدعم هذه النتيجة فرضية أن السياق الذي يُقدَّم للنموذج، وطريقة تعريف حدود المهمة، يمثلان عنصرين حاسمين في سلوكه.
القضية، بناء على ذلك، لا تتعلق فقط بما تستطيع نماذج الذكاء الاصطناعي فعله، بل بكيفية تصميم الاختبارات التي تقيس هذه القدرات. فإعطاء نموذج متقدم صلاحيات واسعة واتصالًا فعليًا بالإنترنت، من دون عزل شبكي صارم أو تحديد دقيق للأهداف المسموح بالتفاعل معها، يمكن أن يحوّل تمرينًا أمنيًا افتراضيًا إلى نشاط يمس بنية رقمية حقيقية.
ويعيد ذلك توزيع المسؤولية بين عدة أطراف. فالشركة التي تطور النموذج مسؤولة عن ضوابط الاستخدام والإشراف، والجهة الخارجية التي تصمم الاختبار مسؤولة عن تأمين بيئة التشغيل وتحديد نطاق المهمة، بينما تمثل قدرات النموذج ذاته مستوى ثالثًا يجب تقييمه بصورة مستقلة. اختزال الحوادث في وصف النماذج بأنها «وكلاء مارقون» قد يحجب، بالتالي، جانبًا مهمًا من المشكلة يتعلق بهندسة الاختبارات وإجراءات السلامة.
وتبرز القضية أيضًا حساسية الدور الذي باتت تلعبه شركات تقييم نماذج الذكاء الاصطناعي. فهذه الشركات تحصل، بحكم طبيعة عملها، على إمكانية تشغيل نماذج شديدة التطور ضمن سيناريوهات هجومية، ما يجعلها جزءًا أساسيًا من منظومة الأمن والسلامة المحيطة بالذكاء الاصطناعي، وليس مجرد جهات استشارية خارجية.
وتكشف حالة Irregular بصورة خاصة الحاجة إلى اعتماد طبقات حماية تقنية لا تكتفي بالتعليمات النصية الموجهة للنموذج. فحتى لو أُبلغ النظام بأنه يعمل داخل محاكاة، ينبغي أن تكون البيئة نفسها معزولة تقنيًا عن الإنترنت الحقيقي، وأن تعتمد قوائم دقيقة للأنظمة المسموح بالوصول إليها، مع آليات توقف تلقائي تمنع تجاوز نطاق الاختبار.
وبذلك تصبح الحوادث المرتبطة بهذه الاختبارات مؤشرًا على تحدٍ أوسع تواجهه صناعة الذكاء الاصطناعي: كلما ازدادت قدرة النماذج على تنفيذ المهام السيبرانية بصورة مستقلة، أصبحت جودة الحوكمة وتصميم بيئة التشغيل وتحديد الصلاحيات عوامل لا تقل أهمية عن مستوى أمان النموذج نفسه. والمسألة لم تعد فقط ما إذا كان الذكاء الاصطناعي قادرًا على الاختراق، بل من يمنحه الأدوات والصلاحيات، وفي أي بيئة، وتحت أي مستوى من الرقابة.