خليل البديري.. الباحث والمفكر ورائد طب العيون في فلسطين

تابعنا على:   13:40 2014-12-14

الياس نصرالله

في كانون الاول 1983، توفي في القدس المحتلة عن عمر ناهز السابعة والسبعين عاما أحد الرموز الوطنية للشعب الفلسطيني الدكتور خليل البديري، رائد طب العيون في فلسطين. ورغم انقضاء حوالي ربع قرن على وفاته، إلا أنه ما زال حاضرا في أذهان الكثيرين من أصدقائه ومعارفه، الذين كثيرا ما افتقدوه وما زالوا في الليالي الظلماء للاحتلال الإسرائيلي الجاثم على الأراضي الفلسطينية. لذلك لم تكن صدفة أن تقوم نقابة أطباء العيون في نابلس بالتعاون مع وزارة الصحة في السلطة الفلسطينية خلال الصيف الماضي بتكريم الدكتور خليل طبيب العيون وأحد رموزنا الوطنية التي ينبغي أن نعتز بها ونحفظ ذكرها على مدى الأجيال. ووفاء لهذا الرمز سأحاول في هذا المقال تعريف القارئ بالدكتور خليل البديري وتراثه الإنساني والسياسي على حد سواء.

نجب شعبنا العربي الفلسطيني أعلاماً خالدين في ذاكرته الجماعية ومسيرته التاريخية والنضالية الثورية، وواجبنا الوطني يحتم علينا التذكير بهؤلاء الأعلام وتعريف الأجيال الفلسطينية الجديدة بسيرتهم الحياتية ومواقفهم الوطنية والجذرية وفاءً لهم أولاً، ولكي ترتبط الأغصان بالجذور ثانياً. ومن الوجوه الباقية في الذاكرة الشخصية الوطنية الفلسطينية ، الباحث والمفكر الدكتور خليل موسى البديري، الذي يعتبر أحد جذور السنديانة الفلسطينية ومن أعلام النضال الوطني الفلسطيني.

لم يكن الدكتور خليل البديري يدري أن وفاته المفاجئة ستأتي بعد صدور مذكراته الشخصية "تاريخ ما أغفله التاريخ – ستون عاما مع الحركة الوطنية الفلسطينية وفيها" عن دار صلاح الدين في القدس، وأهدى الكتاب إلى "أرواح شهدائنا الأبرار، وإلى الذين يعودون حاملين أرواحهم على أكفهم، وإلى طلابنا وطالباتنا، وتلاميذنا وتلميذاتنا البواسل الذين ينيرون لنا طريق الخلاص وسبل العمل، ويجيبوننا على سؤال: ما العمل"؟
ولد خليل البديري في عام 1906 لعائلة متدينة وقال أنه تشرّب مبادئ وعيه الاجتماعي الأولي من والده الشيخ موسى البديري الذي وصفه بأنه كان "عالما تقيا وَرِعا ومستقيما نزيها عف اللسان والبنان شديد التمسك بالإسلام". تأثرت طفولة خليل بأحداث الحرب العالمية الأولى التي نشبت عام 1914 والتي ساهمت في تكوين وعيه الإنساني الأولي الذي جعله يختار لاحقا الطب مهنة في حياته. ويقول في مذكراته "ما أن فتحت عيني على الحرب وتابعت أحداثها مما كنت أسمعه وأقرأه عنها وأشهده بنفسي من مآسيها والمجاعات وسفك الدماء التي تسببها، حتى أحسست بمقت وكره للحرب لما تعنيه من تقتيل للأبرياء وتخريب وفساد". رغم صغر سنه لم يكن خليل سعيدا بالنصر الذي حققه الإنجليز على العثمانيين، لعلمه بما جناه الإنجليز على البشر "وما ارتكبوه من جرائم في المستعمرات تقشعر لها الأبدان ويندى لها الجبين".
لذلك توجس خليل شرا من احتلال الإنجليز لفلسطين، وقبل أن تضع الحرب العالمية الأولى أوزارها تأكدت مخاوفه لدى الإعلان في عام 1917 عن وعد بلفور، الذي بموجبه وعدت بريطانيا الحركة الصهيونية بإقامة وطن قومي لليهود في فلسطين. يقول أن الفلسطينيين ابتلوا بعد الحرب العالمية الأولى "باحتلالين: احتلال انكليزي واحتلال استيطاني صهيوني".

وما لبث أن تعرض الوالد الشيخ موسى البديري لمضايقات المحتلين الإنجليز بسبب الدروس والخطب التي كان يلقيها في الحرم القدسي ويحذر فيها "المسلمين من موالاة الإنجليز والاطمئنان إليهم والتعاون معهم". ثم اعتقل الإنجليز كامل البديري، ابن عم خليل الذي كان آخر قائمقام عثماني في القدس وقضائها، ونفوه إلى الزقازيق في مصر لتسعة أشهر عاد بعدها إلى القدس لينخرط في الحركة الوطنية التي بدأت تستعد لمقاومة الاحتلالين الإنجليزي لفلسطين وشرقي الأردن والعراق والفرنسي للبنان وسوريا. وشرع في جمع السلاح وتهريبه إلى فلسطين وتخزينه استعدادا للمقاومة المسلحة.
كان خليل في الخامسة عشرة عندما اصطحبه كامل معه إلى دمشق في صيف عام 1919 لحضور المؤتمر السوري العام "الذي طالب بالاعتراف باستقلال سوريا الطبيعية بجزأيها الشمالي والجنوبي (فلسطين)". كانت تلك نقلة نوعية في وعي الفتى المقدسي الذي وجد نفسه يحتك بقيادات العالم العربي آنذاك. ولدى عودته من دمشق أسس كامل بالاشتراك مع الحاج أمين الحسيني وآخرين النادي العربي، فانضم خليل إليه وأصبح ملازما له وتأثر كثيرا بنشاطاته الوطنية التي كانت تهدف لزيادة الوعي القومي وتحث على مقاومة الاحتلال والهجرة اليهودية.

وكان خليل على رأس المتظاهرين في القدس عام 1919 وفي عام 1920 ألقى أول خطاب له أمام مظاهرة كبيرة خارج دار الحكومة في باب العامود في القدس، "منددا بالاحتلال والانتداب ووعد بلفور وتجزئة البلاد العربية واقتسامها بين الإنجليز والفرنسيين". وبعدها تتالى ظهور خليل كخطيب في معظم المظاهرات والاجتماعات الاحتجاجية التي جرى تنظيمها في القدس، والتي بدأت تتحول إلى صدامات مع رجال الشرطة اليهود والإنجليز وقتل وجرح فيها عدد من المتظاهرين. فبدأت تعقد لقاءات سرية في مقر الشيخ عبد الرحمن البديري، عم خليل، في الزاوية الأدهمية خارج باب العامود وكان كامل البديري أبرز المشاركين فيها وتداول المشاركون فكرة تسليح أنفسهم وتشكيل حاميات للدفاع عن الناس. وكان خليل يحضر هذه اللقاءات.

كذلك حضر خليل اللقاء التاريخي الذي انعقد في منزل آل البديري الذي كان يقيم فيه والده الشيخ موسى البديري مقابل المجلس الإسلامي بباب الحبس، والذي تقرر فيه تشكيل أول وفد وطني فلسطيني من أجل السفر إلى بريطانيا لشرح القضية الفلسطينية.
في مذكراته روى الدكتور خليل البديري كيف تم تعيين الحاج أمين الحسيني مفتيا للقدس وفلسطين. فقال أن الحاج أمين كان مختبئا  في شرقي الأردن هربا من السلطات البريطانية على أثر الاضرابات العديدة التي جرت في القدس، وفي صيف 1921 توفي أخوه مفتي القدس الشيخ كامل الحسيني. فانعقد المجلس الإسلامي الأعلى لانتخاب خلفٍ للشيخ كامل، ففاز الشيخ موسى البديري وتفوق على الحاج أمين الذي كان أحد المرشحين في عدد الأصوات، لكن الشيخ موسى تنازل عن المنصب لصالح الحاج أمين، تضامنا معه لأنه كان مطاردا من الإنجليز. ولدى وصول هربرت صموئيل، أول مندوب سامي بريطاني إلى فلسطين في النصف الثاني من عام 1921 أصدر عفوا عن الحاج أمين ووافق على انتخابه مفتيا للقدس وعموم فلسطين.
في تلك الفترة قررت اللجنة العربية العليا في فلسطين التي كان يرأسها موسى كاظم الحسيني بعد إقالته من رئاسة بلدية القدس إصدار صحيفة تحمل اسم "الصباح" فكان خليل أحد محرريها ونشر عددا من المقالات فيها.
في نيسان 1922 سافر خليل إلى ألمانيا تمهيدا للالتحاق بإحدى الجامعات لدراسة الطب. كانت ألمانيا تمرّ في مرحلة عصيبة بعد الهزيمة التي لحقت بها على يد الحلفاء الإنجليز والفرنسيين والإيطاليين في الحرب العالمية الأولى. وفي الحال انتبه خليل إلى المظاهرات العديدة التي كانت تخرج في ألمانيا منددة بالحلفاء، فلاقت الهتافات التي كان يسمعها ضد الإنجليز هوى في نفسه فشارك في المظاهرات من منطلق "عدو عدوك صديقك".

في ألمانيا بدأ خليل ينفتح على أفكار أوسع وأكثر انفتاحا من الفكر التقليدي الذي تربى ونشأ عليه في كنف والديه وفيها بدأ يتكون وعيه الفكري والاجتماعي الذي ظل وفيا له طوال حياته. وروى في مذكراته كيف أنه شاهد في ألمانيا الآثار المدمرة التي خلفتها الحرب العالمية على حياة الناس وأفقرتهم فقاموا بانتفاضات شعبية متكررة. ولفت نظره أن الصحف الشيوعية الألمانية كانت أكثر نزاهة وتختلف عن الصحف الأخرى في أنها لم تكن تهاجم المسلمين ولا تُكِّن العداء لهم، واسترعى انتباهه العصيان المدني الذي قام به سكان منطقة الرور الألمانية ضد الاحتلال الفرنسي في أواخر عام 1922 بحجة تخلف الألمان عن دفع التعويضات التي قررها مؤتمر فرساي للفرنسيين.

وقال الدكتور خليل في مذكراته "ومنذ ذلك التاريخ وفكرة العصيان المدني تساورني كإحدى وسائل مقاومة الاستعمار والعدوان والاحتلال ومكافحته".
في تشرين الأول 1923 أصيب خليل بوعكة صحية، نتيجة للبرد والرطوبة الشديدتين في ألمانيا، اضطرته للعودة إلى القدس للتعافي، فوجد أن كامل البديري اختفت آثاره وجاء من أبلغ أهله أنه قتل في كمين بوادي سرحان بين شرقي الأردن والحجاز، وهو في طريق عودته من نجد، حيث ذهب للقاء أمراء آل سعود وأتباعهم من قادة الإخوان ليحثهم على المساعدة لتخليص فلسطين من الاحتلال البريطاني والخطر الصهيوني وتنظيم نجدات مسلحة ضد الجيش الإنجليزي واليهود. ويلمح الدكتور خليل إلى دور للإنجليز والأمير عبدالله ابن الشريف حسين في اغتياله.
في أيلول 1924 توجه خليل إلى مصر لإكمال تحصيله العلمي، فالتحق بالجامعة الأميركية في القاهرة التي كانت تشتعل بالأنشطة السياسية، وفيها تعرّف على مجموعة جديدة من قادة الحركة الوطنية العربية من مصر ولبنان وسوريا ومن الحجاز ونجد، قبل قيام المملكة العربية السعودية، وربطته صداقة قوية مع مدير المكتب التمثيلي لابن سعود في القاهرة ابراهيم بن معمر ومجموعة أخرى من النجديين. بعد انهائه السنة الدراسية في الجامعة الأميركية في القاهرة توجه خليل إلى سويسرا لدراسة الطب، حيث تركز النشاط السياسي العالمي آنذاك في جنيف بعد أن أصبحت مقرا لعصبة الأمم المتحدة، فألتقى فيها بالعديد من الطلبة الجامعيين من مختلف البلدان العربية وبمندوبي حركات التحرر العربية في سويسرا.
ويروي الدكتور خليل أنه في تلك الفترة بدأ يهتم بالأدب العالمي وشُغف بقراءة أعمال تولستوي ورومان رولان وهنري باريوس وآخرين، وأبدى اهتماما بالمسرح وحرص على مشاهدة المسرحيات الثورية التي كانت تعرض في جنيف آنذاك. ويقول في مذكراته أنه من بين الجرائد العديدة التي كان يتابعها لفتت نظره جريدة "الأومانيتيه" التي كانت ولا تزال إلى اليوم لسان حال الحزب الشيوعي الفرنسي لمناصرتها وتعاطفها مع الثورة العربية، خاصة في سوريا، ومع الثورات التحررية في المستعمرات الفرنسية والإسبانبة والإنجليزية الأخرى.

وواظب على حضور اجتماعات الشيوعيين والاشتراكيين والمفكرين الأحرار في سويسرا. وتعرّف لاحقا على رئيس تحرير جريدة "العمل" السويسرية وساهم بكتابة المقالات فيها ضد ممارسات الاستعمارين الفرنسي في سوريا ولبنان والإنجليزي في فلسطين وضد الحركة الصهيونية.
في تموز 1929 مثل خليل الحركة الوطنية الفلسطينية في المؤتمر العالمي الأول لـ"عصبة مقاومة الاستعمار ومن أجل الاستقلال الوطني" الذي انعقد في فرانكفورت بألمانيا، بعد أن منعت حكومة الانتداب البريطاني على فلسطين الوجه الوطني البارز حمدي الحسيني، من الخروج من غزة والسفر لحضور المؤتمر. في المؤتمر إلتقى خليل المندوبين الذين حضروا ممثلين عن 24 بلدا، منهم عالم الفيزياء الألماني ألبرت أينشتاين الذي عقد المؤتمر تحت رعايته، والكاتب السوفييتي مكسيم غوركي وصن يات صن من الصين وجواهر لال نهرو من الهند وغيرهم من ممثلي حركات التحرر العالمية والأحزاب العمالية والاشتراكية في أوروبا وأميركا.
في أواخر عام 1929 أنهى خليل بنجاح دراسة الطب في جنيف وتوجه إلى لندن للتخصص في طب وجراحة العيون في مستشفى مورفيلدز التخصصي للعيون التابع لجمعية مار يوحنا الخيرية، والذي ما زال إلى اليوم واحدا من أهم مستشفيات العيون في العالم. فإلى جانب إنجازه العلمي حقق خلال تلك الفترة إنجازا سياسيا بارزا، وأصبح على علاقة بالحركات التقدمية والاشتراكية في العالم وبشكل خاص في الدول الغربية. فوظف خليل هذا الإنجاز السياسي على أفضل وجه خلال الفترة التي قضاها في لندن، وبنى علاقات واسعة ومتشعبة مع مختلف الحركات السياسية من أحزاب ونقابات عمالية خدمة للقضية الفلسطينية. وشارك في معظم النشاطات التي كانت تجري في لندن لدعم حركات التحرر العربية والعالمية، وشارك في نشاطات محلية دعما للطبقة العاملة البريطانية.
ويروي خليل أنه في نهاية عام 1929 وصل إلى لندن الوفد الفلسطيني برئاسة المفتي الحاج أمين الحسيني وعضوية كل من موسى كاظم الحسيني وغالب النشاشيبي وألفرد روك وجمال الحسيني للمشاركة في المفاوضات التي أطلق عليها في حينه "مفاوضات الطاولة المستديرة" بين الفلسطينيين والحكومة البريطانية. فالتقى خليل الحاج أمين في مقر إقامته في لندن وناقش معه تراجع اللجنة العليا بقيادة المفتي عن مقاومتها للاحتلال البريطاني في الفترة ما بين 1921 و1929 ومساعدته في تهيئة جو من الاستقرار والراحة لحكومة الانتداب، وذكّره بتراجع المؤتمر الفلسطني العام الرابع عن المطالبة: بإلغاء الانتداب ووعد بلفور، والاستقلال التام لفلسطين ضمن الوحدة العربية، وانسحاب قوات الاحتلال البريطاني. فاعترف المفتي بذلك التقصير وأكد أنه لم يوافق على مقررات المؤتمر الرابع وطمأن خليل أنه ما زال يؤيد تلك المطالب ويتربص بالوقت المناسب للخروج علنا مطالبا بها.
قضى خليل في انجلترا ثلاث سنوات عاد بعدها إلى القدس أوائل عام 1932، حاملا شهادة التخصص في طب وجراحة العيون، وإجازة من الكلية الملكية البريطانية للطب، وعضوية الكلية الملكية البريطانية للجراحين. في القدس إلتحق بمستشفى مار يوحنا الإنجليزي للعيون الذي كان مقره في البقعة. ولم تتجل عظمة خليل في إنجازه العلمي كأول طبيب وجراح عيون في فلسطين أو بنشاطه السياسي، بقدر ما تجلت بنظرته الفريدة إلى مهنة الطب، إذ يقول في مذكراته "أما أنا فقد كنت أأنف وأكره أن يُستغل الطب كحرفة أو تجارة أو مهنة، ولا تطاوعني نفسي على مد يدي لأخذ جزاء أتعابي من مرضى هم في أشد الحاجة إلى من يمدّ لهم يد المساعدة. ولي رأي في الطب والأطباء.. ورسالتهم، وضرورة جعل الخدمات الصحية مجانية ومتاحة ومتوفرة للجميع بلا استثناء دون مقابل. بكلمة أخرى يجب أن يكون الطب مؤمما، ويجب تأمين الضمان الصحي لجميع أفراد المجتمع دون مقابل. ولذا فقد قبلت العمل في المستشفى على الرغم من ضآلة الراتب".
إذًالم يكن الدكتور خليل البديري مجرد طبيب عادي، بل كان صاحب رسالة ليس في السياسة فحسب، بل في الطب. فمن الصعب تصوّر شخص مثله يقبل بالاستكانة والاكتفاء بروتين حياته اليومي بين البيت والعمل. ورغم انتباه سلطات الانتداب له ولمواقفه واستدعائه المتكرر للتحقيق، ظل الدكتور خليل وفيا بصلابة لمبادئه ومعتقداته.

وانضم في القدس إلى مجموعة من الشبان الفلسطينيين والعرب الذين كانوا يحملون الأفكار ذاتها التي تؤمن بالاشتراكية والشيوعية كمرحلة أعلى. وبرز من بينهم الأديب اللبناني رئيف الخوري الذي كان يُدرّس في كلية صهيون والسوري رجا حوراني.

وأبرز الدكتور خليل في مذكراته دور الحزب الشيوعي الفلسطيني في الحركة الوطنية آنذاك، وحضه الفلاحين على التمسك بأرضهم والتشبث بها، ومقاومة إجلائهم عنها وتسليمها للمستعمرين الصهاينة بالقوة بعد شرائهم لها من إقطاعيين فرضوا عليهم عنوة من جانب السلطات العثمانية في الماضي، ومشاركة عدد كبير من أعضائه في التضامن مع المعتصمين في الأرض في وادي الحوارث وعرب الزبيدات في الحارثية قرب حيفا، ومطالبتهم بوقف الهجرة اليهودية ومنع بيع الأراضي وتشكيل حكومة وطنية. وحضهم في منشوراتهم الشعب على مقاومة الاحتلال والمطالبة بإلغاء الانتداب ووعد بلفور والجلاء وتنظيم المظاهرات والإضرابات والمشاركة الفعّالة بها.
في تلك الفترة ساهم الدكتور خليل في تحرير مجلة "الدهور" وكتب عددا من المقالات فيها. حدث ذلك في ظل تدهور مستمر للأوضاع في فلسطين تُوّج بثورة عام 1936، وكان الدكتور خليل من بين الذين حضّوا على العصيان العام في فلسطين، وشارك مع شكري قطينة وحمدي الحسيني وعجاج نويهض وحنا خلف وعبدالله البندك والدكتور محمد طاهر الدجاني في إصدار بيان تاريخي، في النصف الأول من عام 1936 قبل اندلاع الثورة، يدعو إلى العصيان المدني والتوقف عن دفع الضرائب وعدم التعاون مع حكومة الانتداب. في الحال أصدرت حكومة الانتداب أمرا بفرض الإقامة الجبرية على الدكتور خليل ومنعته من مغادرة القدس لمدة عامٍ كاملٍ مع إثبات الوجود ثلاث مرات يوميا في مركز الشرطة في حي الشيخ جراح، مع العلم أنه كان يقطن في حي القطمون. لم تثنِ الإقامة الجبرية الدكتور خليل عن مواصلة النضال وإصدار البيانات المشتركة التي تحض على العصيان. وما أن اندلعت ثورة 1936 حتى أقدمت السلطات البريطانية على اعتقال الدكتور خليل ضمن الآلاف من الفلسطينيين وزجت به في السجن.
بنى الدكتور خليل آمالا كبيرة على العصيان المدني المتمثل بثورة 1936 التي استمرت ستة أشهر، ووقفت بريطانيا حائرة أمام ثورة 1936 وفشلت في إخمادها بالقوة فلجأت إلى الملوك والحكام العرب وطلبت منهم مساعدتها على إقناع اللجنة العربية العليا بوقف الإضراب العام الذي شل الحياة تماما في فلسطين، وهكذا تم. فخاب أمل الشعب الفلسطيني باللجنة العليا ومن ضمنهم الدكتور خليل. وانعكس هذا القرار سلبا على الحركة الوطنية الفلسطينية التي تشرذمت ودبت الخلافات في صفوفها وجرت على أثرها سلسلة من الاغتيالات التي لم يكن من مبرر لها سوى أنها خلافات عائلية وشخصية. فأحكم الانتداب البريطاني قبضته على فلسطين وطارد قادة الحركة الوطنية، فاعتقل ونفى عددا منهم، وهرب عدد آخر من فلسطين وعلى رأسهم المفتي الحاج أمين لتصبح الساحة الداخلية الفلسطينية بلا قيادة.
في تلك المرحلة المظلمة تأسست في فلسطين رابطة الطلبة العرب عام 1938 من جانب عدد من الطلبة والأساتذة الوطنيين والتقدميين في بيت لحم واتسعت لتشمل جميع أنحاء فلسطين ولتنبثق عنها "رابطة المثقفين العرب"، كان الدكتور خليل من مؤازري هذه الرابطة وساهم لاحقا في تحرير مجلة "الغد" التي كانت تصدر عنها، بالإضافة إلى كتابة المقالات فيها. وما لبثت الحرب العالمية الثانية أن اشتعلت ودخلت فلسطين في أجوائها. مع ذلك واصل الشعب الفلسطيني نضاله الذي بدأ يأخذ طابعا اجتماعيا وطبقيا علاوة على الطابع القومي، وبرز الدور الذي لعبه في هذا المجال اتحاد العمال العرب والحزب الشيوعي الفلسطيني، الذي ضم في صفوفه أعضاء من العرب واليهود، وعصبة التحرر الوطني الفلسطينية التي اقتصرت عضويتها على العرب فقط.
يذكر أن الحاج أمين، الذي تقطعت به السبل بحثا عن ملجأ له خلال سنوات الحرب العالمية الثانية هربا من مطاردة البريطانيين له، كان موجودا في ألمانيا عندما دخلت جيوش الحلفاء إلى برلين وانتقل منها إلى سويسرا ثم إلى فرنسا ثم إلى مصر ومنها إلى لبنان، حيث قضى فيه ما تبقى من حياته إلى أن توفي في عام 1975. أما يده اليمنى جمال الحسيني فعاد من منفاه في روديسيا (زيمبابوي حاليا) إلى فلسطين وحاول تشكيل لجنة عربية عليا جديدة. وفي عام 1946 أصدر جمال بيانا اعترف فيه بتوقف عمل اللجنة العليا خلال السنوات الثماني السابقة وظهور "منظمات وفكر اجتماعية وسياسية قد نبتت وترعرعت في البلاد لم يكن لها أي تمثيل في اللجنة العليا"، فاقترح تشكيل لجنة جديدة اختار الدكتور خليل عضوا فيها. لكن الدكتور خليل الذي تمرّس في العمل السياسي لم يوافق في البداية على هذا التعيين، تماما مثلما فعلت جميع الأحزاب السياسية في فلسطين واعتبرت أنه لا حق لجمال في تشكيل لجنة عليا على هواه غالبية أعضائها من أنصاره، ومن دون استشارة الأحزاب السياسية الموجودة على الساحة. ونشر الدكتور خليل مقالا في جريدة "فلسطين" آنذاك أبدى فيه رأيه بضرورة إجراء مشاورات مع جميع الأحزاب حول الموضوع وضرورة أن يكون أعضاء اللجنة منتخبين ويمثلون الشعب. لكنه عاد لاحقا وقبل تعيينه في اللجنة، ويقول في مذكراته أنه فعل ذلك اعتقادا منه بأنه سيكون قادرا على العمل من داخل اللجنة ولإقناع أعضائها بضرورة إعادة تشكيلها على الوجه الصحيح، غير أنه اعترف في مذكراته بأنه أخطأ في تقديره هذا.
بعد تعيينه في اللجنة العليا، استقال الدكتور خليل من عمله كطبيب في مستشفى مار يوحنا في البقعة، وحاول أن يلعب دورا مؤثرا داخل اللجنة لحملها على تبني موقفه الداعي إلى إخراج القضية الفلسطينية من الطوق الإنجليزي الأميركي الذي أدى في النهاية إلى خنق هذه القضية، وطالب بعرضها على الجمعية العامة لهيئة الأمم المتحدة ومجلس الأمن التابع لها، بعد ما شاهد الدور الذي لعبه الاتحاد السوفييتي في الأمم المتحدة من أجل إخراج الانتداب الفرنسي من سوريا ولبنان وحصولهما على الاستقلال. وأبرق الدكتور خليل بصفته عضوا في اللجنة إلى رؤساء الحكومات في الدول العربية كافة وطلب منهم تأييد هذا الموقف وعرض المشكلة على الأمم المتحدة على أساس أنها "نزاع بين العرب كفريق والاستعمار والصهيونية كفريق آخر". وأدت دعوة الدكتور خليل إلى نشوء حملة شعبية واسعة داخل فلسطين تؤيد هذا الموقف، إلى جانب تأييد شعبي لها في المقابل على مستوى الوطن العربي، كما بدأت تحظى بتأييد لها على الساحة الدولية.
يُشار إلى أن الأحداث تسارعت في تلك الفترة وتدخلت الجامعة العربية للتوفيق بين الأطراف الفلسطينية المختلفة من أجل تشكيل هيئة تمثيلية موحدة، فتم تشكيل الهيئة العربية العليا بقرار من الجامعة العربية في مؤتمرها الذي انعقد عام 1946 في بلودان في لبنان، وتم تنصيب الحاج أمين رئيسا لهذه اللجنة، التي اعتبرت من جانب الدول العربية الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني من دون الأخذ برأي أبنائه. وكانت الحملة لطرح القضية الفلسطينية على الأمم المتحدة قد أثمرت عن تراجع بريطانيا ظاهريا وموافقتها على طرح القضية على الأمم المتحدة التي أرسلت لجنة تحقيق من دول محايدة إلى فلسطين لدراسة المشكلة، مما اعتبره الدكتور خليل نجاحا للحملة التي شنها من أجل الوصول إلى هذا الهدف. فما كان من الهيئة العربية بقيادة الحاج أمين، إلا أن وقفت ضد هذه اللجنة وقاطعتها وأصرت على إبقاء المشكلة في الإطار الأنجلو أميركي، معلقة آمالها على حسن نوايا الإنجليز والإميركيين.
غير أن الدكتور خليل لم يلتزم بقرار الهيئة العليا ورتب لقاء سريا مع أعضاء الوفد وشرح لهم المشكلة بالتفصيل وطالب بجلاء القوات البريطانية عن فلسطين وإنهاء الانتداب وإقامة دولة دمقراطية يعيش فيها العرب واليهود جنبا إلى جنب. وبعدما قدّمت لجنة التحقيق تقريرها إلى الأمم المتحدة في نوفمبر 1947 تبنت أقلية فقط من أعضاء لجنة التحقيق موقف الدكتور خليل، فيما أوصت غالبية أعضاء اللجنة بضرورة تقسيم فلسطين. الأمر الذي كان الدكتور خليل وكل أطياف الحركة الوطنية الفلسطينية يرفضونه، منذ أن طرحت فكرة تقسيم فلسطين لأول مرة عام 1937.
في تلك الفترة قررت الهيئة العربية العليا بقيادة الحاج أمين تشكيل وفد ليمثل فلسطين لدى الأمم المتحدة، برئاسة جمال الحسيني، وعُيِّن الدكتور خليل عضوا فيه إلى جانب هنري كتن وإميل الغوري، وعيسى نخلة وواصف كمال وراسم الخالدي. وعندما طلب أعضاء الوفد من القنصلية الأميركية في القدس منحهم تأشيرة للسفر إلى أميركا رُفض طلبا الدكتور خليل وراسم الخالدي، فجرّبا الحصول على التأشيرة من السفارة الأميركية في القاهرة بوساطة من الجامعة العربية، فرفض الطلب أيضا.
تألم الدكتور خليل كثيرا لصدور قرار التقسيم وظل متمسكا بموقفه الرافض له طوال حياته، رغم أن الغالبية العظمى من زملائه في اليسار الفلسطيني، سواء كان ذلك في الحزب الشيوعي الفلسطيني، أو في عصبة التحرر الوطني الفلسطيني، رفضوا القرار في البداية، لكنهم غيّروا موقفهم وتخلوا عن مطلب الدولة الدمقراطية وقبلوا بالتقسيم بعد أن غيّر الاتحاد السوفييتي موقفه فجأة وصوّت إلى جانب القرار. وسرعان ما التهبت المشاعر واتسعت رقعة الاشتباكات بين العرب واليهود في فلسطين لتتخذ شكل حرب شاملة رجحت فيها كفة اليهود الذين أعلنوا قيام دولتهم في المناطق التي احتلوها.
كان الدكتور خليل موجودا في غزة بعد سقوط فلسطين عام 1948، فوجد نفسه ضمن المعتقلين الذين سارعت السلطات المصرية إلى اعتقالهم وبقي في المعتقل طوال شهر كامل، قبل أن يطلق سراحه، فاتجه إلى القاهرة وعاد جوا إلى عمان في شرقي الأردن، ومنها إلى القدس التي كان القتال ما زال دائرا في بعض أحيائها، فوجد أن عائلته فقدت منزلها في حي القطمون الذي وقع تحت السيطرة الإسرائيلية. وحال وصوله اتصل به الدكتور الإنجليزي مانسون، الطبيب المسؤول عن مستشفى العيون في البقعة وأبلغه أن المستشفى انتقل إلى داخل السور في البلدة القديمة وأقام له مقرا جديدا يعمل في حالة الطوارئ، فطلب منه العمل ثانية في المستشفى، فوافق. في تلك الفترة ترددت مؤسسة مار يوحنا الإنجليزية بين إقامة مستشفى جديد لها في القدس أو في أوغندا، فتمكن الدكتور خليل من إقناع المسؤولين فيها بالبقاء في القدس. وهكذا تم بناء مستشفى مار يوحنا للعيون الذي ما زال قائما إلى اليوم في حي الشيخ جراح، والذي عمل فيه الدكتور خليل حتى خروجه إلى التقاعد عام 1970. ويقول أنه طوال تلك الفترة اعتزل العمل السياسي وانصرف للعمل في الطب، وظل على هذه الحال إلى أن وقعت حرب حزيران 1967 وجرى احتلال الأراضي الفلسطينية ومن ضمنها القدس الشرقية وهضبة الجولان. فلم يَعُد الدكتور خليل قادرا على السكوت وبادر إلى وضع مسودة لبيان بعنوان "لا احتلال ولا انفصال" عرضه على أعضاء ما سمي بـ"اللجنة العليا للتوجيه الوطني" التي تشكلت في الضفة الغربية حالا بعد الاحتلال دعا فيه إلى "تحرير الأراضي المحتلة وإرغام العدو على الانسحاب وتصفية جميع آثار العدوان". في تلك الفترة إلتقى الدكتور خليل عددا من المسؤولين الغربيين الذين زاروا القدس، وساهم في إلقاء المحاضرات السياسية ونشر أكثر من كتاب مفتوح لعدد من زعماء الدول وكتب عدة مقالات في صحيفة "القدس" التي بدأت تصدر بعد حرب حزيران 67.
وفي 21 تموز 1979 أقام فرع نقابة الأطباء في القدس حفلة تكريمية للدكتور خليل وزميله الدكتور صليبا سعيد، فألقى الدكتور خليل فيها كلمة ضمّنها رؤيته لمهنة الطب، كرر فيها ما ورد ذكره أعلاه من أن الطب ليس مهنة، بل رسالة هدفها الحفاظ على صحة البشر وحياتهم. وتساءل، كيف يمكن الحفاظ على صحة إنسان من دون توفير المسكن والطعام والغذاء له؟ وقال أن التمسك بالوطن هو شرط أساسي للحفاظ على الصحة، وينبغي أن يكون شرطا من شروط العمل في مهنة الطب.

خلاصة القول، خليل موسى البديري واحد من أعلام الفكر الفلسطيني المعاصر. مقاوم بالفكرة السياسية والبحث التاريخي والكتابة الصحفية. وهو يستحق الاهتمام والتقدير والتخليد لما تركه من أثر طيب على الحركة الوطنية الفلسطينية وكفاحها التحرري، لأجل الاستقلال الوطني.

اخر الأخبار