تاريخ النشر: 2026-09-02 | 14:22
الأصدقاء الأعزاء متابعي أمد للإعلام .. هناك عملية نقل من مطور لآخر ما قد يؤثر على نشر الأخبار لفترة قصيرة ...
تاريخ النشر: 2026-09-02 | 14:22
هل تحنّون إلى زمن الراديو؟ إلى ذلك الزمن الذي كان فيه للصوت موعد، وللمذيع حضور، وللبرنامج مكان في ذاكرة الناس؟ إلى أيام كانت فيها الأسرة تجتمع حول جهاز الراديو، وتنتظر نشرة الأخبار أو الأغنية أو البرنامج الثقافي، فيما يتسلل صوت المذيع من المذياع ليملأ البيت دفئًا وحكايات؟
ربما يبدو السؤال اليوم أقرب إلى الحنين، لكن بالنسبة للفلسطينيين، فإن الحنين إلى الراديو هو في جانب منه حنين إلى زمن كان فيه الصوت وسيلة للمعرفة، وأداة للتواصل، ومنبرًا للثقافة، وجسرًا يتجاوز الحدود.
ولعل واحدة من أكثر التجارب التي تختصر هذه الذاكرة إذاعة «صوت العرب» من القاهرة، التي كانت تصل إلى ملايين المستمعين في العالم العربي، وتحولت إلى واحدة من أبرز الأصوات الإذاعية في الوجدان العربي. كان المستمع الفلسطيني ينتظر برامجها وأخبارها، ويشعر أن المذياع يفتح نافذة على عالم عربي واسع.
لم تكن الإذاعة مجرد ناقل للأخبار؛ كان للصوت آنذاك حضور يتجاوز حدود البث، يجمع المستمعين حول قضية وحدث وأغنية وحوار، ويصنع شعورًا بأن المسافات يمكن أن تختصرها موجة إذاعية.
وفي فلسطين، كان للراديو حكايته الخاصة أيضًا، من الإذاعات العربية التي حملت الصوت الفلسطيني والعربي، إلى الإذاعات الفلسطينية التي نشأت لاحقًا. تطور الإعلام المسموع ليصبح جزءًا من الحياة اليومية. محطات وبرامج عديدة رافقت الفلسطينيين في أوقات الحرب والسلم، ونقلت الأخبار، وناقشت قضايا المجتمع، وقدمت الأغاني والبرامج الثقافية والفنية، وفتحت الميكروفون أمام المواطنين. كانت الإذاعة آنذاك أكثر من وسيلة إعلام، كانت رفيقة الناس.
من «صوت العرب» إلى أصوات فلسطين..
كان الراديو قادرًا على صناعة علاقة مختلفة مع الجمهور. يعرف المستمع صوت المذيع، ينتظر موعد البرنامج، يتصل من هاتف المنزل أو مكان العمل، يطلب أغنية، يطرح قضية، أو يروي حكاية. وكانت البرامج الثقافية والفنية والاجتماعية مساحة لصناعة الوعي والذوق العام. فالشاعر والفنان والكاتب والمثقف لم يكونوا بعيدين عن الجمهور، بل كانوا يدخلون إلى البيوت عبر الميكروفون.
وفي فلسطين، لعبت الإذاعات دورًا مهمًا في حفظ الأغنية والتراث والذاكرة الشعبية، وإبقاء الثقافة حاضرة في مواجهة محاولات طمس الهوية.
ثم جاءت الثورة الرقمية، وتغير كل شيء. أصبح الهاتف شاشة ومذياعًا وصحيفة وتلفزيونًا في آن واحد. انتقلت الأخبار إلى المنصات الرقمية، وصارت البرامج تبث بالصوت والصورة، وظهر البودكاست، وأصبحت المسافة بين المنتج والمستمع شبه معدومة. لكن رغم كل هذا التطور، بقي شيء لا تستطيع التكنولوجيا إلغاءه: الحميمية التي يصنعها الصوت.
«صوت الوطن».. صوت غزة
في هذا السياق، تأتي تجربة إذاعة صوت الوطن على موجة FM 105 في غزة، كإحدى التجارب التي حاولت الحفاظ على علاقة الإذاعة بالمجتمع، ومواكبة التحول الرقمي في الوقت نفسه.
«صوت الوطن» لم تكن إذاعة تكتفي بالحضور عبر الأثير، بل كانت تجمع بين البث الإذاعي على موجة FM 105 والبث عبر الإنترنت، بالصوت والصورة، من خلال مواقع التواصل الاجتماعي والمنصات الرقمية.
وهكذا أصبح المستمع قادرًا على متابعة الإذاعة بالطريقة التقليدية عبر المذياع، أو مشاهدتها والاستماع إليها عبر الهاتف والإنترنت، في صيغة تجمع بين خبرة الراديو ومرونة الإعلام الرقمي.
وكان برنامج «صباح الوطن» أحد أبرز البرامج التي حملت هذه الروح. مع ساعات الصباح، كان يفتح نافذة على الحياة اليومية، ويتناول قضايا المجتمع، ويمنح المواطنين مساحة لطرح مشكلاتهم وتساؤلاتهم، ويستضيف المختصين وأصحاب العلاقة، ويضع قضايا الناس على طاولة النقاش.
كانت فكرته الأساسية بسيطة: أن الإعلام يبدأ من الناس، ويعود إليهم. لم يكن المواطن مجرد متلقٍ للخبر، بل شريكًا في الحوار، وصاحب قضية، وصوتًا يستحق أن يُسمع.
الحرب أوقفت البث.. لكنها لم توقف الحاجة إلى الصوت.
جاءت حرب الإبادة على غزة لتضرب مختلف مناحي الحياة، ولم تكن المؤسسات الإعلامية والثقافية بمنأى عن آثارها. فقد أصاب الدمار إذاعة صوت الوطن، وتوقف بثها المباشر عبر موجة FM 105، كما تعطلت أو تضررت مؤسسات إعلامية فلسطينية أخرى، واضطر الصحفيون والإعلاميون إلى العمل في ظروف قاسية.
وفي ظل النزوح والدمار وانقطاع الخدمات، فإن المفارقة أن الحرب التي أوقفت صوت الإذاعة جعلت الحاجة إلى هذا الصوت أكبر.
فغزة اليوم لا تحتاج إلى الأخبار فقط؛ تحتاج إلى إعلام يسمع الناس، وينقل احتياجاتهم، ويفتح أمامهم مساحة للتعبير، ويشارك في حماية ذاكرتهم الثقافية والاجتماعية. لذلك، فإن إعادة إطلاق صوت الوطن ليست مجرد إعادة تشغيل لجهاز إرسال؛ إنها استعادة لصوت مجتمعي إلى الفضاء العام.
العودة إلى الأثير..
إذا كانت العودة إلى البث المباشر عبر FM 105 ضرورية لاستعادة الحضور المحلي والوصول المباشر إلى الجمهور داخل غزة، فإن العودة ينبغي ألا تتوقف عند حدود الموجة. فالتجربة السابقة أثبتت أن الجمع بين الإذاعة التقليدية والإعلام الرقمي ممكن وضروري.
لذلك، ينبغي أن تعود «صوت الوطن» عبر الأثير والإنترنت معًا، بالصوت والصورة، وبحضور متجدد على مواقع التواصل الاجتماعي والمنصات الرقمية.
يمكن للحلقة الإذاعية أن تبث مباشرة عبر FM والإنترنت، ثم تتحول إلى بودكاست، ومقاطع صوتية ومرئية، ومواد مكتوبة، ومحتوى رقمي قابل للمشاركة، وأن تُحفظ في أرشيف إلكتروني للأجيال القادمة.
وهكذا لا تعود «صوت الوطن» إلى الماضي، بل تستأنف تجربتها من النقطة التي توقفت عندها، مع تطويرها بما يتناسب مع التحولات الإعلامية الجديدة.
«صباح الوطن».. لماذا لا يعود؟
من أجمل صور عودة الإذاعة أن يعود «صباح الوطن» إلى المستمعين والمشاهدين بروح جديدة. برنامج يبدأ كل صباح من سؤال بسيط: ماذا يشغل الناس اليوم؟ من الصحة والتعليم والمياه والسكن والعمل، إلى قضايا الشباب والمرأة والثقافة والفن، ومن مشكلات المواطنين إلى قصص النجاح والمبادرات المجتمعية.
برنامج يفتح الهاتف والميكروفون أمام الناس، ويمنح المستمع والمشاهد دورًا في صناعة المحتوى.
وفي الوقت نفسه، يمكن أن تستعيد الإذاعة دورها الثقافي والفني. لأن الثقافة في زمن الحرب ليست ترفًا. الشعر والأغنية والحكاية الشعبية والمسرح والفن والكتاب أدوات لحماية الذاكرة وإعادة بناء الإنسان.
تغيرت الموجة ولا ينتهي الصوت
ربما تغيرت التكنولوجيا، وتبدلت الأسماء، وتقلصت المسافات، لكن جوهر الإذاعة لم يتغير. كان «صوت العرب» من القاهرة يصل إلى الفلسطيني في بيته، فيشعر أن العالم العربي أقرب إليه. واليوم يمكن لـ«صوت الوطن» من غزة أن يصل إلى الفلسطيني في كل مكان، عبر الإنترنت ومنصات التواصل، ليقول إن غزة ليست مجرد خبر عاجل، وإن وراء الأرقام إنسانًا، ووراء الدمار ذاكرة، ووراء كل قصة صوتًا.
من القاهرة.. كان الصوت يعبر الحدود
ومن غزة يستطيع الصوت اليوم أن يعبر الحصار والدمار إلى العالم. وبين «صوت العرب» و«صوت الوطن» مسافة زمنية طويلة، لكنها تختصر فكرة واحدة: أن الصوت يستطيع أن يصنع جسرًا حين تعجز الجغرافيا عن ذلك.
لقد دمرت الحرب مباني ومؤسسات وأوقفت بثًا إذاعيًا، لكنها لم تستطع أن تدمر الحاجة إلى الحكاية. ولهذا، فإن إعادة «صوت الوطن» إلى FM 105 وإلى الإنترنت، بالصوت والصورة، في زمن الحرب، هي جزء من استعادة الحياة الإعلامية والثقافية والمجتمعية في غزة.
نحن لا نريد أن نعيد زمن الراديو كما كان، نريد أن نصنع زمنًا جديدًا للراديو الفلسطيني؛ زمنًا يجمع دفء الأثير القديم بإمكانات التكنولوجيا الجديدة. زمنًا يعود فيه صوت الوطن إلى الناس، وتعود فيه البرامج الثقافية والفنية إلى الواجهة، ويعود فيه المستمع والمشاهد شريكًا في صناعة الحكاية.
فإذا كان «صوت العرب» قد علّم أجيالًا أن الموجة قادرة على اختصار المسافات، فإن «صوت الوطن» يستطيع اليوم أن يثبت أن الصوت الفلسطيني، مهما اشتدت الحرب، لا يمكن إسكاتُه إلى الأبد.
هنا صوت الوطن.. من غزة إلى فلسطين، ومن فلسطين إلى العالم.