الأصدقاء الأعزاء متابعي أمد للإعلام .. هناك عملية نقل من مطور لآخر ما قد يؤثر على نشر الأخبار لفترة قصيرة ...

من يحكم غزة بعد الحرب؟ المطلوب دولة لا فصيل

من يحكم غزة بعد الحرب؟ المطلوب دولة لا فصيل

تاريخ النشر: 2026-09-02 | 14:55

 د. حكمت نبيل المصري
د. حكمت نبيل المصري

 مع اقتراب الحديث أكثر فأكثر عن اليوم التالي للحرب في قطاع غزة، تتقدم إلى الواجهة أسئلة تتجاوز شكل الإدارة المؤقتة أو الجهة التي ستتولى إدارة القطاع. السؤال الأهم ليس فقط: من سيحكم غزة؟ بل: أي نظام سياسي نريد أن نبني بعد هذه الحرب؟

فغزة لا يمكن أن تعود إلى ما كانت عليه قبل الحرب، كما أن إعادة إعمارها لا يمكن أن تكون مجرد مشروع هندسي لإعادة بناء البيوت والشوارع والمستشفيات، بينما تبقى الأزمة السياسية على حالها. إعادة الإعمار الحقيقية تبدأ من إعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني نفسه، على قاعدة جديدة تنهي حالة الانقسام وتعيد الاعتبار للمؤسسات والشرعية والشراكة الوطنية.

لكن هذا التحول لا ينبغي أن يتحول إلى مشروع لإقصاء حماس واستبدال فصيل بفصيل آخر. فإذا كانت فلسطين أكبر من حماس، فهي أيضًا أكبر من فتح والجهاد الإسلامي وسائر الفصائل. فلسطين ليست ملكًا لتنظيم، ولا يجوز أن يصبح مستقبل شعب بأكمله رهينة للتنافس على من يملك حق تمثيله أو السيطرة على جغرافيته.

المشكلة الفلسطينية، في جوهرها، لم تعد مشكلة من يملك القوة فقط، بل مشكلة كيف تُدار هذه القوة، ولأي هدف، وتحت أي شرعية، ومن يراقبها ويحاسب عليها؟

منطق الغالب والمغلوب

لقد أثبتت السنوات الماضية أن استمرار النظام السياسي الفلسطيني بمنطق الثنائية والصراع على النفوذ لم ينتج دولة، بل أنتج سلطتين، وانقسامًا جغرافيًا وسياسيًا، ومؤسسات متوازية، وشرعيات متنازعة.

ولذلك فإن استبدال سلطة فصيل بسلطة فصيل آخر لن يحل المشكلة. وقد يكون من الخطأ التاريخي أن يُنظر إلى مرحلة ما بعد الحرب باعتبارها فرصة لتصفية الحسابات الداخلية أو لإعادة توزيع النفوذ بين التنظيمات.

المطلوب ليس أن ينتصر طرف فلسطيني على طرف فلسطيني، وإنما أن تنتصر فلسطين على الانقسام.

وهذا يتطلب عقدًا سياسيًا جديدًا يعيد تعريف العلاقة بين السلطة والفصائل، وبين المقاومة والدولة، وبين الشرعية السياسية والشرعية الانتخابية. فلا يمكن أن تبقى الفصائل هي الدولة حينًا، والدولة هي الفصائل حينًا آخر، وفقًا لموازين القوة والظروف السياسية.

غزة ليست ملكًا لفصيل

غزة ليست ملكًا لحماس، كما أن الضفة الغربية ليست ملكًا لفتح. وفلسطين كلها ليست ملكًا لأي فصيل مهما كان تاريخه أو حجمه أو تضحياته.

هذه حقيقة يجب أن تصبح نقطة البداية لأي نقاش جدي حول المستقبل.

فالفصيل جزء من الشعب، وليس الشعب جزءًا من الفصيل. ومن هنا فإن حق أي تنظيم في المشاركة السياسية يجب أن يقابله احترام حق المجتمع في الاختيار والمحاسبة وتغيير ممثليه.

الانتخابات ليست ترفًا سياسيًا، وليست مجرد وسيلة لاختيار أعضاء مجلس تشريعي. إنها الآلية التي يعيد من خلالها الشعب إنتاج شرعيته السياسية، ويحدد من يمثله ومن يدير مؤسساته.

لكن الانتخابات وحدها لا تكفي. فالانتخابات تحتاج إلى نظام سياسي واضح، وقواعد دستورية، وقضاء مستقل، ومؤسسات رقابية، وبيئة سياسية تسمح بالتعددية، وتضمن التداول السلمي للسلطة.

السلطة ليست غنيمة

من أخطر ما يمكن أن يحدث في مرحلة ما بعد الحرب أن تتحول غزة إلى ساحة جديدة للصراع على السلطة، بحيث يصبح السؤال: من سيحصل على الحكم؟ بدلًا من السؤال: كيف نبني حكمًا فلسطينيًا مختلفًا؟

فالسلطة ليست غنيمة حرب، ولا جائزة لمن يملك السلاح، ولا مكافأة لمن يملك الدعم الخارجي، ولا امتيازًا لفصيل يرى نفسه الأحق تاريخيًا.

الحكم مسؤولية.

والحكم يعني أن هناك مواطنًا يريد مدرسة لأطفاله، ومستشفى يعالج المرضى، وجامعة تستقبل الطلبة، وقضاءً ينصف المظلوم، وشرطة تحمي القانون، واقتصادًا يوفر فرص العمل، ومؤسسات تقدم الخدمات، وبنية تحتية يعاد بناؤها، وعلاقات دولية تؤمّن الدعم وتحمي المصالح الوطنية.

هذه وظائف دولة، وليست وظائف تنظيم.

ومن هنا فإن أي مشروع سياسي لليوم التالي يجب أن ينقل النقاش من تقاسم السلطة إلى بناء الدولة.

السلاح ليس بديلًا عن الدولة

المقاومة جزء أساسي من التاريخ السياسي الفلسطيني، ولا يمكن اختزال التجربة الفلسطينية أو إنكار حق الشعب في مقاومة الاحتلال وفق القواعد والمواثيق ذات الصلة. لكن المشكلة تبدأ عندما تصبح أدوات المقاومة بديلًا عن مؤسسات الدولة، أو عندما يصبح امتلاك السلاح مصدرًا مستقلًا للشرعية السياسية.

الدولة الحديثة لا تقوم على تعدد مراكز القوة، وإنما على مؤسسات شرعية قادرة على إدارة الأمن، وتطبيق القانون، وحماية المواطنين، واتخاذ القرار الوطني.

ولهذا فإن المرحلة المقبلة تحتاج إلى نقاش فلسطيني صريح وشجاع حول العلاقة بين المقاومة والسلطة والدولة، بعيدًا عن التخوين والتقديس.

فليس المطلوب إلغاء المقاومة من الوعي الفلسطيني، وإنما إعادة تعريفها ضمن استراتيجية وطنية وقرار سياسي جامع، بحيث لا يصبح تعدد مراكز القرار سببًا جديدًا لإعادة إنتاج الانقسام.

من الفصائل إلى النظام السياسي

التحول الحقيقي المطلوب ليس تغيير اسم الجهة التي تدير غزة، وإنما تغيير قواعد اللعبة السياسية الفلسطينية.

نحن بحاجة إلى نظام سياسي يتسع للجميع، لا نظام يقوم على إقصاء طرف وإحلال طرف آخر. نظام يسمح لفتح وحماس والجهاد والجبهة الشعبية وغيرها بالمشاركة السياسية، لكنه في الوقت نفسه لا يمنح أي فصيل حق امتلاك الدولة أو تعطيلها.

المعيار يجب أن يكون: المواطنة، والانتخابات، والقانون، والكفاءة، والمساءلة.

ومن ينجح في الانتخابات يحكم وفق القانون، ومن يخسر يقبل بالنتيجة ويعود إلى المعارضة. ومن يرتكب فسادًا يُحاسب، ومن يفشل في إدارة المؤسسات يُستبدل، ومن يملك مشروعًا سياسيًا يقدمه للشعب بدل أن يفرضه بالقوة.

هذه هي قواعد السياسة الطبيعية في الدول.

إعادة الإعمار فرصة سياسية

قد تكون إعادة إعمار غزة واحدة من أكبر المشاريع الفلسطينية والدولية في العقود المقبلة، لكنها يمكن أن تكون أيضًا فرصة لإعادة بناء العلاقة بين المواطن والدولة.

فالناس الذين فقدوا منازلهم وأعمالهم وأمنهم لا يريدون فقط الإسمنت والحديد. يريدون مستقبلًا مختلفًا.

يريدون أن يعرفوا من يقرر، وكيف يقرر، ومن يراقب، ومن يحاسب.

ويريدون دولة لا يحتاج المواطن فيها إلى الانتماء لفصيل حتى يحصل على حقه، ولا يحتاج إلى واسطة حتى يحصل على خدمة، ولا يخاف من سلطة فوق القانون.

ولهذا يجب ألا تكون أموال إعادة الإعمار وسيلة لإعادة إنتاج شبكات النفوذ السياسي، بل يجب أن تخضع لإدارة شفافة، ورقابة مؤسسية، وأولويات وطنية واضحة، وبمشاركة فلسطينية حقيقية.

فلسطين أكبر من الفصائل

المطلوب في النهاية ليس إلغاء الفصائل، فالفصائل جزء من التاريخ السياسي الفلسطيني، وبعضها قدم تضحيات كبيرة، ولا يمكن بناء المستقبل عبر إنكار الماضي.

لكن المطلوب هو أن تتوقف الفصائل عن التعامل مع الدولة باعتبارها امتدادًا تنظيميًا لها.

فتح ليست فلسطين، وحماس ليست فلسطين، والجهاد ليس فلسطين، والجبهات ليست فلسطين.

فلسطين أكبر من الجميع.

والمرحلة القادمة تحتاج إلى شجاعة سياسية تعترف بأن استمرار الصيغة القديمة لم يعد ممكنًا. لا يمكن أن نبني دولة فلسطينية بمؤسسات الفصيل، ولا أن نحصل على شرعية وطنية دائمة من دون انتخابات، ولا أن ننهي الانقسام من خلال إعادة إنتاجه بأسماء جديدة.

إن السؤال الحقيقي بعد الحرب ليس: من سيحكم غزة؟

بل: هل نستطيع أن نبني نظامًا فلسطينيًا يحكم غزة والضفة على أساس واحد؟

نظامًا جامعًا وتعدديًا، يستند إلى المؤسسات والانتخابات والمساءلة والشراكة الوطنية، ويملك قرارًا سياسيًا واحدًا، ويضع المصلحة الوطنية فوق المصلحة التنظيمية.

فإذا كانت الحرب قد دمرت جزءًا كبيرًا من غزة، فإن استمرار الانقسام قد يدمر ما تبقى من المشروع الوطني.

ولهذا، فإن إعادة بناء غزة يجب أن تتزامن مع إعادة بناء السياسة الفلسطينية.

من أنقاض البيوت يجب أن نبدأ أيضًا بإعادة بناء الدولة؛ ومن تحت ركام الانقسام يجب أن نبحث عن فلسطين التي تتسع للجميع.
الموافقة على شروط النشر: 1
صورة شخصية للكاتب: received_messages_from_pages/2026-09-02/6a97eb73acebe-1788341107.jpeg
ارفاق ملف:
روابط التواصل الاجتماعي:

×
أخبار
الانتخابات الإسرائيلية تدخل مرحلة جديدة.. نتنياهو يضغط على المعارضة وعباس يعيد رسم معادلة الائتلاف الرئيسان المصري والصيني يؤكدان ضرورة التوصل إلى تسوية عادلة للقضية الفلسطينية وفقا لمقررات الشرعية الدولية لجنة الانتخابات تنشر إجراءات ونماذج الترشح للانتخابات التشريعية 2026 الصحة: ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 73,470 شهيدا ف. تايمز: المفوضية تبدأ التحضير لحل الجهاز الدبلوماسي للاتحاد الأوروبي السعودية تعلن وفاة 2 من البحارة إثر هجوم على ناقلة نفط في مضيق هرمز العدل الأمريكية تعلن إحباط مخطط لتمويل "حم-اس" بالعملات الرقمية كاتس: إيران تهاجم جميع دول المنطقة باستثناء إسرائيل ترامب يدعو الشعب الإيراني للانتفاض..وبيسنت: أمام طهرن 3 خيارات لا رابع لها محافظة القدس: شهيدان و5209 مستوطن اقتحموا الأقصى و40 عملية هدم وتجريف خلال أغسطس كراهية اليهود بفعل دولة اليهود..تايلاند نموذجا! جيش الاحتلال: إطلاق عدة صواريخ اعتراضية بعد إنذارات تسلل جوي عبر لبنان النواب الأمريكي يوافق على تمويل مؤقت لتجنب الإغلاق الحكومي البنوك الإسرائيلية ستواصل التعامل مع نظيراتها الفلسطينية حتى نهاية 2026 سنتكوم تعلن انتهاء الهجوم على إيران ومقتل 11 إيرانيا والحرس الثوري يقصف مواقع في الأردن والبحرين وأربيل "الغواصة السادسة" من طراز "دولفين تغادر ألمانيا متوجهة إلى إسرائيل مقتل 11 إيراني في مناطق مختلفة جراء الهجمات الأمريكية وصول إشعارات انتهاء الخطر على الهواتف في الاردن عبري: رؤى إسرائيلية متباينة حول مستقبل التسوية وسياسة «إدارة الصراع» بعد 7 أكتوبر تفاصيل جديدة في عملية اختطاف معين العرابيد مسؤول أمن حماس في محافظة غزة رداً على الهجوم الأمريكي.. إيران تعلن بدء "عملية حاسمة" وتقصف قواعد أمريكية في المنطقة ترامب: إذا ردت إيران على هجومنا فستتعرض لضربة جديدة أشد قوة وأوسع نطاقا إعلام إيراني: إطلاق صواريخ على قواعد أمريكية في المنطقة نتنياهو: اعتقلنا المسؤول الأمني الذي كان مسؤولاً عن إخفاء الرهائن في غزة محدث - القيادة الأمريكية تعلن بدء ضربات على أهداف للحرس الثوري..بالتزامن مع انفجارات في إيران الرئيس الصيني يصل إلى مصر في زيارة رسمية قاليباف: هرمز لن يُفتح قبل تنفيذ أمريكا مذكرة التفاهم..ولن نستسلم ترامب: إذا ردت إيران على هجومنا فستتعرض لضربة جديدة أشد الصحة العالمية تحذر من ازدياد المخاطر الصحية في قطاع غزة مع اقتراب موسم الأمطار استراتيجية إسرائيلية لما بعد الحرب: خفض سقف الطموحات وترك فكرة «النصر الكامل»

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط