تاريخ النشر: 2026-10-14 | 14:40
تاريخ النشر: 2026-10-14 | 14:40
لم يكن مشهد النساء الفلسطينيات وهن يجتمعن في غزة، اليوم الثلاثاء، لإحياء يوم المرأة الريفية الفلسطينية، مشهدًا احتفاليًا عاديًا. فحين مررت على عجل بمكان الاحتفال المتواضع ، ابتهج قلبي بما رأيت؛ أثواب فلسطينية مطرزة تحاكي مدن الوطن وقراه، وتراث شعبي يزيّن المكان، ونساء تجمعن بين أشجار الزيتون المغروسة عميقًا في الأرض، وعلى مقربة منهن خيام متهالكة لا تقوى على صد الرياح ولا زخات المطر التي باتت على الأبواب.
كان المشهد يحمل مفارقة موجعة؛ على بعد خطوات من الخيام التي تختزن قسوة النزوح، كانت الأثواب المطرزة تستحضر فلسطين بكل مدنها وقراها، وكأن النساء أردن أن يقلن إن من اقتُلعت بيوتهن لن تُقتلع جذورهن، وإن من فقدن المأوى لن يفقدن الوطن.
جاءت عشرات النساء اللواتي طحنتهن ثلاث سنوات من حرب الإبادة، وأثقلتهن مرارة الفقد والجوع والتشرد. نساء فقدن أبناءً وأزواجًا وأحبة، ودُمّرت بيوتهن ومصادر رزقهن، لكنهن لم يفقدن إرادة الحياة. جئن من بين الخيام البالية يحملن في وجوههن حكايات الألم، وفي عيونهن تصميمًا على ألا تكون المأساة نهاية الحكاية.
وسط هذا الوجع الفلسطيني الكبير، أصرت جمعية التنمية الريفية في قطاع غزة على إحياء هذه المناسبة، في رسالة تتجاوز حدود الاحتفال، مفادها أن آلة الحرب الإسرائيلية، مهما بلغت وحشيتها، تستطيع تدمير البيوت والمراكز والمشاريع، لكنها لن تستطيع اقتلاع إرادة النساء الفلسطينيات، ولا محو دورهن في حماية الأرض والهوية والتراث.
وجمعية التنمية الريفية ليست مؤسسة طارئة، بل امتداد لتجربة وطنية واجتماعية عريقة، تضرب جذورها في عشرات القرى والبلدات الفلسطينية، من خلال الأندية النسوية والتعاونيات والمطابخ الريفية المنتشرة في الضفة الغربية وقطاع غزة. وهي تجربة لم تقتصر على حفظ التراث الشعبي وإعداد المفتول والأكلات الريفية، بل أسهمت في تعزيز العمل التعاوني وتمكين النساء اقتصاديًا واجتماعيًا، وترسيخ ارتباطهن بالأرض والإنتاج.
وفي غزة، حيث طالت آلة التدمير الإسرائيلية الأندية والمراكز النسوية، وشرّدت النساء اللواتي كنّ يعمرنها بالعمل والإنتاج، لم تستسلم الجمعية للخراب. بل عادت تنهض من بين الركام، تعيد تنشيط الأندية، وتفتتح مركزًا تعليميًا للأطفال، وتطلق مشاريع للإنتاج المنزلي، وتجمع النساء من جديد، لا لتوزيع الأمل بالكلمات، بل لصناعته بالعمل، وتضميد الجراح، واستعادة شيء من الحياة التي حاولت حرب الإبادة سحقها.
ولعل أكثر ما استوقفني في ذلك المشهد أن هؤلاء النسوة، اللواتي يحملن فوق أكتافهن أعباء ثلاث سنوات من القتل والحصار والتجويع والنزوح، لم يجتمعن لاستعادة الأحزان أو البكاء على الأطلال، رغم أن لكل واحدة منهن من الوجع ما يكفي لملء حكايات طويلة. لقد جئن ليؤكدن أن المرأة الفلسطينية ليست مجرد ضحية للحرب، ولا رقمًا في سجلات النزوح والفقد، بل قوة حية في مواجهة الانكسار، وشريكة أساسية في الصمود وإعادة بناء ما دمرته آلة الحرب.
لكن الاحتفاء بصمود هؤلاء النساء لا ينبغي أن يحجب الحقيقة الأكثر إيلامًا: فهذه المرأة التي حافظت على الأرض والتراث والهوية، لا يجوز أن تُترك اليوم وحيدة في مواجهة الجوع والبرد والتشرد، ولا أن يتحول صمودها الاستثنائي إلى ذريعة للتعايش مع مأساتها. إن إنصاف المرأة الفلسطينية يبدأ بإنهاء معاناتها، وتأمين المأوى الكريم لها ولأطفالها، وإعادة بناء بيتها ومصدر رزقها، وتمكينها من استعادة حياتها بكرامة، لا بالاكتفاء بالإشادة بقدرتها على احتمال ما لا يُحتمل.في غزة، حيث لا تزال الجراح مفتوحة، وحيث يهدد الشتاء القادم مئات آلاف النازحين في خيام لا تقي حر الصيف ولا برد الشتاء، يصبح اجتماع هؤلاء النساء أكثر من مناسبة اجتماعية؛ إنه إعلان تمسك بالحياة، ورفض لمحاولات محو الذاكرة واقتلاع الإنسان من أرضه.
تحية لجمعية التنمية الريفية، ولكل النساء اللواتي أصررن على إحياء يومهن رغم الخراب والألم. وتحية خاصة للمرأة الريفية الفلسطينية، حارسة الأرض والذاكرة، التي زرعت القمح والزيتون، وعجنت المفتول، وطرزت على أثوابها أسماء المدن والقرى، وربّت الأجيال على أن فلسطين ليست مجرد مكان نعيش فيه، بل وطن يعيش فينا.
لقد أرادوا لهذه النساء أن ينشغلن بالبحث عن رغيف خبز وقطرة ماء وقطعة قماش تستر أطفالهن، فإذا بهن يرفعن الأثواب المطرزة في وجه الخراب، ويجتمعن تحت أشجار الزيتون ليؤكدن أن الأرض التي أنجبتهن لا تزال قادرة على إنجاب الحياة.
فهؤلاء النساء لا ينتظرن انتهاء المأساة كي ينهضن؛ إنهن ينهضن من قلبها، ويقدمن درسًا في أن الصمود ليس مجرد احتمال الألم، بل القدرة على مقاومة نتائجه وصناعة الحياة رغمًا عنه.
ومن بين الخيام البالية وأشجار الزيتون، كانت الرسالة واضحة: قد تُهدم البيوت، وتُحرق الحقول، وتُمزق الخيام، لكن جذور هذا الشعب أعمق من أن تقتلعها حرب، وإرادة نسائه أقوى من أن تهزمها الإبادة.