تاريخ النشر: 2026-10-14 | 15:46
تاريخ النشر: 2026-10-14 | 15:46
من إدارة الصراع إلى إعادة تشكيل الواقع الفلسطيني
ليست المشكلة في الترتيبات والإجراءات التي يجري التداول بشأنها لمعالجة الوضع في الأراضي الفلسطينية أنها قد تنجح أو تفشل في تحقيق أهدافها المعلنة فحسب، بل في السؤال الأهم: من يضع هذه الترتيبات؟ ولأي غاية؟ ومن يملك حق تقرير مستقبل الشعب الفلسطيني؟
فحين تُناقش قضايا الأرض والسيادة والقيادة ومستقبل الشعب الفلسطيني في ظل التدمير والانقسام والضعف السياسي، وحين تصبح الأطراف الخارجية هي صاحبة القرار الفعلي، بينما يُستدعى الفلسطينيون للمشاركة في ترتيبات لم يصوغوا أهدافها ولا يملكون أدوات التأثير الحاسمة فيها، فإننا لا نكون أمام مشروع وطني لمعالجة الأزمة، بل أمام محاولة لإعادة تنظيم الواقع الفلسطيني وفق موازين القوى القائمة.
إن أي ترتيبات لا تنطلق من حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره، ولا تستند إلى إرادة وطنية مستقلة ومؤسسات فلسطينية ذات شرعية، ولا تضع إنهاء الاحتلال وتحقيق الحرية والسيادة في صلب أهدافها، تظل ترتيبات لإدارة الأزمة، مهما حملت من عناوين براقة أو وعود بإعادة الإعمار والاستقرار.
أولًا: إسرائيل في الحسابات الغربية — من ضمان المصالح إلى إدارة الصراع
لا يمكن فهم المسألة الفلسطينية بمعزل عن نشأة إسرائيل وموقعها في الحسابات الاستراتيجية الغربية. فالتاريخ يخبرنا ان الغرب الأوروبي بمثقفيه وسياسييه هم اول من نادى وطالب واقترح إقامة دولة لليهود في فلسطين، ولذلك فان إقامة دولة إسرائيل هي احتياج أوروبي قبل ان يكون احتياجا يهوديا، والسبب في ذلك يعود الى رغبة الغرب في فرض هيمنته على منطقة الشرق الأوسط، وبذلك فان انشاء إسرائيل كدولة وظيفية، يبرر وجودها، اندلاع صراع في المنطقة، ويتطلب تقوية وتعزيز وجود هذه الدولة بما يمكنها من المحافظة على استدامة الصراع. وهكذا تداخل المشروع الصهيوني مع المصالح الاستراتيجية للقوى الغربية وسياساتها في المنطقة.
وفي إطار التحليل الذي ينطلق منه هذا المقال، يمكن النظر إلى إسرائيل بوصفها دولة تؤدي وظيفة استراتيجية في منظومة إقليمية ودولية أوسع؛ وظيفة تتصل بأمن المنطقة وتوازناتها ومصالح القوى الكبرى فيها. غير أن هذه الوظيفة لا تختزل الدولة الإسرائيلية في كونها أداة خارجية، فاستمرار الصراع لمدة طويلة، وما تطلبه ذلك من ضرورة تعزيز قوة الدولة الوظيفية، والحماية الأميركية لها، اشعرها بالتفوق والندية داخل نادي الدول الغربية الى درجة ان إسرائيل لم تعد تولي أي اعتبار لاي دولة طالما ان الولايات المتحدة الأميركية تقف معها.
لذلك فان حرب الإبادة والتجويع التي شنتها إسرائيل ضد غزة، غير ابهة بالقانون الدولي وبحقوق الانسان خلق تناقضات بين الحكومة الإسرائيلية وحلفائها الغربيين.
وتكمن أهمية هذه المقاربة في أنها تنقل البحث من سؤال النوايا وحدها، إلى دراسة المصالح والسياسات والنتائج: كيف يُستخدم التفوق الإسرائيلي؟ وما حدود الدعم الغربي؟ ومتى تتعارض المصالح الإسرائيلية مع مصالح الدول الداعمة لها؟ ولماذا ظل الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي، على الرغم من عقود من المبادرات والوساطات، من دون حل عادل ودائم؟
ثانيًا: من حل الصراع إلى إدارته
في الأعوام ١٩١٦،١٩١٧، أُعلن عن اتفاق سايكس ـبيكو، ثم اصدار وعد بلفور، ثم احتلال منطقة بلاد الشام، وخلال الفترة حتى اربعينات ذلك القرن تم التأسيس للصراع بإنشاء دولة إسرائيل الوظيفية، واستيلاد الدول العربية الوطنية، التي أنشئت فيها أنظمة وظيفية، لتكون الوجه الاخر للصراع في المنطقة. وأصبحت سياساتها جزءًا من ترتيبات إقليمية ساهمت، عن قصد أو نتيجة تفاعلات المصالح، في إدامة الأزمات والصراعات بدل معالجتها من جذورها، ومن هذا المنظور، يمكن الحديث عن منظومة من العلاقات الوظيفية التي تتبادل فيها أطراف محلية وإقليمية ودولية الأدوار والمصالح، لتكون النتيجة استمرار واقع يخدم أطرافًا معينة، فيما يدفع الفلسطينيون ثمنه الأكبر.
منذ قيام إسرائيل عام 1948، ارتبط الصراع في المنطقة، وبدعم كامل من القوى الدولية الغربية باقتلاع الفلسطينيين من وطنهم، وحرمانهم من تقرير مصيرهم، واستمرار الاحتلال، وتضارب المشاريع القومية والإقليمية والدولية.
ومع انتقال الولايات المتحدة إلى موقع القوة الغربية الأكثر تأثيرًا في الشرق الأوسط، أصبحت صاحبة الدور المركزي في معظم مسارات التسوية. وقد رعت واشنطن مفاوضات ومبادرات سياسية عديدة، لكنها لم تستخدم دائمًا نفوذها اطلاقا لفرض إنهاء الاحتلال ووقف الاستيطان وضمان قيام دولة فلسطينية مستقلة.
وهنا تكمن المفارقة: القوة التي تمتلك أكبر قدرة على التأثير في إسرائيل، والتي تتصدر غالبًا مشهد الوساطة، تحصر جهودها في منع الانفجار، واحتواء الأزمات، وإعادة الأطراف إلى طاولة المفاوضات من دون معالجة أسباب الصراع.
لقد تحولت إدارة الصراع، في مراحل كثيرة، إلى بديل عملي عن حله. فبدل أن تكون التهدئة خطوة نحو تسوية عادلة، أصبحت في بعض الحالات غاية في ذاتها؛ وبدل أن تكون المفاوضات طريقًا لإنهاء الاحتلال، تحولت إلى عملية مفتوحة لا تضمن الوصول إلى السيادة الفلسطينية.
ومن هنا، فإن جوهر الاعتراض ليس على الوساطة الدولية أو التفاوض في حد ذاتهما، بل على إدارة سياسية تشتري الوقت، وتعيد إنتاج الواقع القائم، وتطلب من الفلسطينيين التكيف مع نتائجه بدل تغييره.
ثالثًا: الفلسطينيون ومحاولات كسر معادلة إدارة الصراع
لم يقبل الفلسطينيون طوال القرن الماضي بأن يكونوا مجرد سكان ينتظرون ما تقرره القوى الخارجية. فقد خاضوا أشكالًا متعددة من النضال، من مقاومة الانتداب البريطاني إلى الثورة الفلسطينية المعاصرة، ومن العمل السياسي والدبلوماسي إلى الانتفاضات الشعبية والمقاومة المسلحة.
لكن هذا النضال جرى في مواجهة خصم يمتلك قوة عسكرية كبيرة، ويحظى بدعم دولي واسع، وفي مقدمه الولايات المتحدة. ومع مرور الوقت، أصبح واضحًا أن تغيير الواقع لا يتطلب مواجهة إسرائيل وحدها، بل يتطلب أيضًا التعامل مع شبكة المصالح الدولية التي تؤثر في قدرتها على مواصلة سياساتها.
وفي هذا السياق، يمكن النظر إلى تجربتي أوسلو والسابع من أكتوبر بوصفهما محطتين مختلفتين في محاولة كسر معادلة إدارة الصراع، وإن اختلفت أدواتهما وأهدافهما ونتائجهما اختلافًا جوهريًا.
فقد نشأ المسار السري الذي أفضى إلى اتفاق أوسلو عام 1993 عبر قنوات تفاوضية لم تكن الولايات المتحدة طرفًا مباشرًا قبل التوصل الى اتفاق اعلان المبادئ، ومع انها وبناء على الطلب الإسرائيلي قامت برعاية الاتفاق، الا انها اعتبرت الاتفاق اختراق نفذه الإسرائيليون والفلسطينيون في محاولة لكسر معادلة إدارة الصراع التي تشرف عليها واشنطن.
لكن هذا المسار لم يحقق هدفه النهائي. فتم اغتيال رابين رجل الامن الأقوى في إسرائيل، وتم تصعيد اليمين الذي اعترض على أوسلو، واستمرت قضايا الاستيطان والقدس واللاجئين والحدود والسيادة من دون حل، بينما توسعت الوقائع الاستيطانية، وتحولت السلطة الفلسطينية إلى بنية إدارية وأمنية تعمل في ظل الاحتلال، من دون أن تمتلك السيادة اللازمة لتحقيق المشروع الذي أُنشئت في سياقه. ونستطيع القول هنا ان الولايات المتحدة، بحكم نفوذها وقدرتها على الضغط، تتحمل مسؤولية سياسية كبيرة عن عجزها عن تحويل رعايتها للمفاوضات إلى مسار ينهي الاحتلال. لان قرارها في الواقع هو الاستمرار في إدارة الصراع.
أما السابع من أكتوبر 2023، فقد مثّل انفجارًا عنيفًا في واقع بدا مستقرًا ظاهريًا، بينما كانت أسبابه السياسية متراكمة. ولا يمكن مساواة هذا الحدث بمسار أوسلو؛ فالأول كان هجومًا مسلحًا أعقبه تدمير هائل وحرب كارثية على غزة، بينما كان الثاني مسارًا تفاوضيًا.
لكن الحدث كشف أن سياسة احتواء غزة، وإدارة الصراع عبر ترتيبات أمنية متكررة، لم تنتج استقرارًا مستدامًا. فجاء السابع من أكتوبر كمحاولة فلسطينية أخرى لكسر إدارة الصراع، وفي المقابل، جاء الرد الإسرائيلي بدعم أميركي واسع عسكريًا وسياسيًا، لتعود الولايات المتحدة إلى موقع الطرف الأكثر تأثيرًا في تحديد مسار الحرب والبحث في ترتيبات ما بعدها.
وهكذا، وبعد تعثر المسار التفاوضي والماسي التي نتجت عن انفجار المواجهة العسكرية، عادت معادلة إدارة الصراع لتفرض نفسها، ولكن في ظروف فلسطينية أشد قسوة، وبتكلفة إنسانية ومادية لا يمكن فصلها عن مستقبل المشروع الوطني.
رابعًا: تحولات دولية مهمة، وواقع فلسطيني أكثر هشاشة
من أبرز المفارقات التي أفرزتها الحرب أن الدمار الهائل الذي تعرض له قطاع غزة لم يمنع حدوث تحولات في الرأي العام الدولي، بل أسهم في إعادة القضية الفلسطينية إلى مركز الاهتمام العالمي، وفتح نقاشًا واسعًا حول الاحتلال، وحماية المدنيين، وحدود الدعم الغربي لإسرائيل، والمساءلة القانونية عن الانتهاكات.
ومما لا شك فيه ان سبب هذه المتغيرات في الأساس هو الحجم غير المسبوق للتضحيات الفلسطينية الناجمة عن طبيعة الانتقام الإسرائيلي الذي تجاوز كل الحدود منتهكا القوانين الدولية وحقوق الانسان، مما دفع محكمة الجنايات الدولية الى تسمية الحرب بانها حرب إبادة وتجويع ضد الشعب الفلسطيني.
وقد ظهرت هذه التحولات في اتساع الاحتجاجات الشعبية، وتصاعد الانتقادات في الجامعات والنقابات والأوساط الثقافية والإعلامية، وفي قرارات الدول الوازنة بالاعتراف بدولة فلسطين، وفي تزايد الضغوط السياسية والقانونية على الحكومات الغربية والحكومة الإسرائيلية. الامر الذي أنتج اتساعا في مساحة الخلاف داخل المجتمعات الغربية حول سياسات إسرائيل، بما في ذلك بين يهود أميركيين وأوروبيين، وبين قطاعات من المثقفين والفنانين والأكاديميين والشخصيات العامة اليهودية التي باتت أكثر علنية في انتقاد الحكومة الإسرائيلية أو الاعتراض على سياساتها باسم قيمها اليهودية والإنسانية.
والأدق أن نقول إن الحرب كشفت عن فجوات متزايدة بين إسرائيل وبعض حلفائها الغربيين، وبين سياسات حكومتها والرأي العام الدولي، وقد اتخذت بعض الحكومات الأوروبية خطوات تقييدية أو أعلنت إجراءات تتعلق بالتسليح والتجارة والعلاقات الدبلوماسية، لكن مواقف الدول الغربية ظلت متفاوتة، ولم تتحول إلى قطيعة موحدة مع إسرائيل.
هذه التحولات ليست انتصارًا نهائيًا للقضية الفلسطينية، ولا تعني أن ميزان القوة قد انقلب. لكنها تمثل فرصة سياسية وأخلاقية مهمة، لأنها وسعت المجال المتاح للدفاع عن الحقوق الفلسطينية، وقلّصت قدرة الرواية الإسرائيلية الرسمية على احتكار تفسير ما يجري.
غير أن السؤال المؤلم هو: ماذا فعل الفلسطينيون بهذه الفرصة؟
في الوقت الذي كانت فيه فلسطين تستعيد حضورًا شعبيًا ودوليًا، ظل النظام السياسي الفلسطيني عاجزًا عن تقديم قيادة موحدة تستند إلى شرعية متجددة وبرنامج وطني متفق عليه. وهكذا نشأت مفارقة خطيرة: تتسع فرص التضامن مع فلسطين في العالم، بينما تتقلص قدرة الفلسطينيين على تحويل هذا التضامن إلى قوة سياسية منظمة تحمي حقوقهم وتؤثر في مستقبلهم.
خامسًا: نظام سياسي فقد أدوات التجديد والمساءلة
ان الأزمة داخل النظام السياسي الفلسطيني أصبحت عاملًا مركزيًا في إضعاف القدرة الوطنية على مواجهة هذه الضغوط. فمنذ سنوات طويلة، تعطلت الانتخابات العامة، ولم تُجدَّد شرعية المؤسسات عبر آليات ديمقراطية منتظمة، وحُلّ المجلس التشريعي، واتسع الاعتماد على المراسيم الرئاسية في إدارة شؤون السلطة. كما بقي الانقسام من دون حل، وتراجعت قدرة منظمة التحرير على أداء دورها التمثيلي الجامع، في ظل خلافات حول الإصلاح والتجديد والمشاركة السياسية. الامر الذي فتح الباب على مصراعيه امام استشراء الفساد والمحسوبية وضعف المساءلة. واصبحت السلطة تعتمد على المساعدات الخارجية، والاشتراطات التي يضعها المانحون بشأن الإصلاح المالي والإداري والحوكمة.
وفي ظل هذا الواقع، يصبح من الصعب التفاوض باسم شعب منقسم، أو إدارة عملية إعادة إعمار بحجم الكارثة، أو مواجهة ترتيبات خارجية تمس مستقبل غزة والضفة والقدس واللاجئين، من دون تفويض شعبي واضح ومشروع وطني جامع.
سادسًا: من يشارك في رسم مستقبل الفلسطينيين
ففي ظل الحرب والدمار والانقسام، تتكاثر المبادرات والمقترحات المتعلقة بإدارة غزة، وإعادة إعمارها، وترتيبات الأمن، ودور السلطة الفلسطينية، ومستقبل العلاقة بين القطاع والضفة الغربية. وقد طُرحت صيغ متعددة بمشاركة الولايات المتحدة وأطراف إقليمية ودولية، من بينها أفكار تتصل بإنشاء أطر دولية للإشراف أو التنسيق في مرحلة ما بعد الحرب.
وإذا كان أي مجلس أو إطار دولي عاجزًا عن وقف قتل المدنيين، وضمان دخول المساعدات، وحماية السكان، ووقف التهجير، فكيف يمكن أن يُقدَّم بوصفه أساسًا لحل سياسي مستدام؟ وإذا اقتصرت مهمته على إدارة السكان وتوزيع المساعدات وترتيب الأمن، من دون أفق واضح لإنهاء الاحتلال وتمكين الفلسطينيين من تقرير مصيرهم، فإنه يخاطر بأن يصبح أداة لإدارة الأزمة بدل أن يكون مدخلًا إلى حلها.
ولا يعني ذلك رفض كل دور دولي أو إقليمي؛ فإعادة الإعمار، وحماية المدنيين، وتوفير الضمانات، ووقف الاعتداءات، كلها أمور تحتاج إلى تعاون دولي حقيقي. لكن التعاون يختلف عن الوصاية، والمساندة تختلف عن الحلول المفروضة، والمشاركة الدولية لا ينبغي أن تتحول إلى بديل عن الإرادة الفلسطينية.
وتزداد خطورة هذه الترتيبات حين يكون الفلسطينيون الذين يُستشارون بشأنها هم فقط من الكوادر نفسها التي شاركت، على امتداد عقود، في إدارة النظام السياسي الفلسطيني، الذي فشل في حماية المشروع الوطني من الانقسام والتراجع وتعطل المؤسسات. فالمشاركة السابقة في المؤسسات لا تمنح أصحابها حقًا تلقائيًا في تقرير المستقبل، ولا تكفي الخبرة القديمة وحدها لتبرير تجديد الثقة بالنهج نفسه.
المشكلة ليست في أن يشارك أصحاب الخبرة، بل في أن يحتكروا القرار من دون مراجعة لتجربتهم، أو مساءلة عن إخفاقاتهم، أو تفويض شعبي جديد.
إن المرحلة الراهنة تحتاج إلى مراجعة جادة للتجربة الوطنية، وإلى إشراك الأجيال الجديدة والكفاءات المستقلة والمجتمع المدني والشتات الفلسطيني، وإلى فتح المجال أمام أصحاب الخبرات الاقتصادية والعلمية والدبلوماسية والإعلامية للمساهمة في إعادة بناء القدرة الوطنية، ضمن إطار سياسي فلسطيني مستقل وخاضع للمساءلة.
سابعًا: الخطر الأكبر — فصل غزة عن القضية الفلسطينية
إن أحد أخطر الاحتمالات التي ينبغي التحسب لها هو التعامل مع غزة باعتبارها مشكلة إنسانية وأمنية منفصلة عن القضية الفلسطينية. فغزة ليست ملفًا للإغاثة وحدها، ولا مساحة لإعادة الإعمار بمعزل عن مستقبل الضفة الغربية والقدس، وإذا كانت إعادة الاعمار ضرورة عاجلة، لكنها يجب الا تكون بديلًا عن السياسة. وتوفير الأمن للسكان هدف لا غنى عنه، لكنه لا يتحقق بصورة مستدامة إذا بقي الاحتلال قائمًا، وبقي الفلسطينيون محرومين من السيادة.
ومن هنا، فإن أي ترتيب يفصل غزة سياسيًا وإداريًا عن الضفة الغربية، أو يحولها إلى كيان معزول تديره أطراف خارجية، أو يجعل إعادة إعمارها مشروطة بالتخلي عن الحقوق الوطنية، سيهدد وحدة المشروع الفلسطيني، حتى لو حمل في ظاهره وعودًا بتخفيف المعاناة.
والأمر نفسه ينطبق على الضفة الغربية، حيث لا يجوز التعامل مع التوسع الاستيطاني واعتداءات المستوطنين وتدمير المخيمات باعتبارها ملفات أمنية متفرقة. إنها تطورات تؤثر في إمكانية قيام دولة فلسطينية متصلة جغرافيًا وقابلة للحياة، وتعيد تشكيل الواقع على الأرض بما يجعل أي تسوية مستقبلية أكثر صعوبة.
ثامنًا: المطلوب ليس رفض الترتيبات فقط، بل استعادة القدرة على صنعها
إن الاعتراض على الحلول المفروضة لا يكتمل بمجرد إعلان رفضها، لأن الفراغ السياسي لا يبقى فارغًا؛ فحين يعجز الفلسطينيون عن تقديم مشروعهم، يتولى الآخرون صياغة المشاريع نيابة عنهم. ولهذا فإن التحدي الحقيقي لا يتمثل في رفض كل مبادرة دولية، بل في بناء موقف فلسطيني مستقل قادر على التفاوض، وتحديد الأولويات، ووضع شروط واضحة لأي تعاون خارجي. ويتطلب ذلك خطوات أساسية:
أولًا، استعادة وحدة الأرض والشعب والتمثيل السياسي، ورفض أي ترتيبات تؤدي إلى فصل غزة عن الضفة الغربية أو إخضاع مستقبل الفلسطينيين لقرارات خارجية لا يملكون التأثير فيها.
ثانيًا، إعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني على أساس الشرعية الشعبية والمساءلة، من خلال مسار جاد لتجديد المؤسسات، وإنهاء الانقسام، وتوسيع المشاركة، وإتاحة المجال أمام انتخابات حرة ودورية.
ثالثًا، اعتماد برنامج وطني واضح يحدد الأهداف الفلسطينية ووسائل تحقيقها، ويربط إعادة الإعمار ووقف الحرب وحماية المدنيين بإنهاء الاحتلال وتقرير المصير، لا أن يجعل الأولويات الإنسانية والسياسية مسارين منفصلين.
رابعًا، استثمار التحولات الدولية التي أظهرتها الحرب، من اتساع التضامن الشعبي إلى تزايد الضغوط القانونية والسياسية، وتحويلها إلى شبكة منظمة من العمل الدبلوماسي والإعلامي والحقوقي والشعبي، بدل الاكتفاء بالاحتفاء بالمواقف المؤيدة لفلسطين.
خامسًا، إخضاع القيادة والمؤسسات للمراجعة والمساءلة، وعدم التعامل مع المواقع السياسية بوصفها امتيازات دائمة. فالخبرة مهمة، لكنها لا تعفي من المحاسبة، والتاريخ النضالي لا يمنح حصانة من النقد، والشرعية لا تُستمد إلى الأبد من الماضي.
سادسًا، توسيع دائرة المشاركة الوطنية لتشمل الكفاءات الفلسطينية في الداخل والشتات، وأصحاب الخبرة العلمية والاقتصادية والدبلوماسية والثقافية، ضمن مؤسسة سياسية مستقلة تحفظ القرار الوطني وتمنع احتكاره من فئة أو تنظيم.
خاتمة: من يملك حق تقرير المستقبل الفلسطيني؟
إن ما يجري اليوم ليس مجرد نقاش حول كيفية إدارة قطاع غزة أو إعادة إعمار ما دمرته الحرب. إنه نقاش حول مستقبل القضية الفلسطينية نفسها: هل يبقى الفلسطينيون شعبًا يطالب بحريته وحقه في تقرير مصيره، أم يتحولون إلى سكان تُدار شؤونهم ضمن ترتيبات أمنية وإدارية تصممها القوى الأقوى؟
لقد أثبتت التجربة أن إدارة الصراع لا تنهيه، وأن التهدئة لا تتحول تلقائيًا إلى سلام، وأن المساعدات لا تعوض السيادة، وأن إعادة الإعمار لا تستطيع وحدها أن تعالج جذور المأساة الفلسطينية.
كما أثبتت التجربة الفلسطينية أن عدالة القضية، مهما كانت واضحة، لا تكفي وحدها لتحقيق أهدافها إذا غابت الوحدة الوطنية والقيادة الشرعية والمؤسسات القادرة على تحويل التضامن الدولي إلى قوة سياسية.
إن اللحظة الراهنة تحمل تناقضًا بالغ الخطورة: فلسطين تحظى باهتمام وتعاطف دوليين واسعين، بينما يواجه شعبها دمارًا هائلًا وانقسامًا سياسيًا وتراجعًا في قدرته على التأثير في القرارات التي ترسم مستقبله.
وإذا كانت الولايات المتحدة وإسرائيل وأطراف إقليمية ودولية أخرى تسعى إلى ترتيب مرحلة ما بعد الحرب وفق تصوراتها ومصالحها، فإن الرد الفلسطيني لا يمكن أن يقتصر على الاعتراض أو انتظار تبدل مواقف الآخرين. المطلوب هو استعادة المبادرة الوطنية، وإعادة بناء الشرعية، وتحديد المشروع السياسي، وتوحيد القوى الفلسطينية حول أهداف قابلة للدفاع عنها دوليًا وشعبيًا.
فالمشكلة ليست أن العالم يتدخل في فلسطين فحسب، بل أن الفلسطينيين وصلوا إلى مرحلة أصبح فيها الآخرون قادرين على مناقشة مستقبلهم في ظل غياب إطار وطني جامع يملك التفويض والقدرة على فرض حضوره.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث للقضية الفلسطينية ليس أن تُفرض عليها ترتيبات غير وطنية فحسب، بل أن تصبح هشاشة النظام السياسي الفلسطيني هي الشرط الذي يجعل فرضها ممكنًا.
ومن هنا، فإن المعركة من أجل استقلال القرار الفلسطيني تبدأ من استعادة الفلسطينيين حقهم في تحديد أولوياتهم، واختيار ممثليهم، ومحاسبة قيادتهم، وصوغ مشروعهم الوطني. فبدون ذلك، ستظل الترتيبات تتغير، واللجان تتعدد، والوعود تتكرر، فيما يبقى السؤال الأساسي بلا جواب: متى يصبح الفلسطينيون أصحاب القرار في مستقبل وطنهم؟