تاريخ النشر: 2026-09-13 | 13:55
تاريخ النشر: 2026-09-13 | 13:55
من الصعب أن تمر كلمات وزير الخارجية البريطاني "إد ميليباند" عن «التطهير العرقي» في أجزاء من الضفة الغربية كأنها مجرد موقف دبلوماسي آخر تجاه إسرائيل.
فبريطانيا التي أصدرت وعد بلفور عام 1917، وأعلنت دعمها لإقامة «وطن قومي للشعب اليهودي» في فلسطين، ثم اعترفت بإسرائيل دولةً بعد ذلك، تجد نفسها اليوم في مواجهة مباشرة مع أحد المسارات التي تطور داخل المشروع الإسرائيلي: الاستيطان والتوسع والضم.
الأهم من الكلمات نفسها هو ما تقوله بريطانيا عن إسرائيل.
ميليباند حاول أن يرسم خطًا واضحًا: إسرائيل ليست حكومة نتنياهو، والاستيطان في الأراضي المحتلة ليس إسرائيل، ومعاقبة المستوطنات لا تعني معاقبة الدولة الإسرائيلية. وفي الوقت نفسه أكد استمرار الالتزام بأمن إسرائيل وازدهارها وبحل الدولتين.
لكن هذا الفصل الذي يبدو واضحًا في الخطاب البريطاني ليس بهذه البساطة في الواقع الإسرائيلي.
فنتنياهو لم يهبط على إسرائيل من خارجها.
حكومته جاءت عبر الانتخابات، والتيارات القومية والدينية والاستيطانية التي تشارك فيها ليست أجسامًا غريبة عن المجتمع الإسرائيلي. قد يختلف الإسرائيليون بشدة حولها، وقد تكون هناك قوى تعارض الاحتلال والاستيطان، لكن الحقيقة التي يصعب تجاهلها أن اليمين الذي يدفع باتجاه السيطرة الدائمة على الأراضي الفلسطينية أصبح جزءًا أساسيًا من بنية الحكم والسياسة.
وهنا تظهر المشكلة التي لا تستطيع بريطانيا أن تتجاوزها بسهولة:
إذا كانت الحكومة منتخبة، وكانت سياستها تجد قاعدة اجتماعية وانتخابية، فإلى أي حد يمكن الفصل بين الحكومة وإسرائيل؟
السؤال لا يتعلق بنتنياهو وحده.
قد يرحل نتنياهو، لكن ماذا لو بقي الاتجاه الذي جاء به؟ ماذا لو تغير رئيس الحكومة وبقيت القوى السياسية والاجتماعية التي ترى في الاستيطان والضم جزءًا من الأمن والهوية؟
عندها لن تكون المشكلة مشكلة شخص.
ستكون مشكلة اتجاه.
وهذا يقود إلى السؤال الأعمق: هل الاستيطان مجرد سياسة تتبناها حكومة، أم أنه أصبح أحد المسارات التي تتصارع من خلالها إسرائيل على تعريف نفسها؟
هناك داخل إسرائيل اتجاه يريد دولة يهودية بحدود يمكن تثبيتها، ويرى أن استمرار السيطرة على الفلسطينيين يهدد مستقبلها السياسي والدولي. وفي المقابل، هناك اتجاه يرى أن الضفة الغربية ليست مجرد أرض محتلة يمكن التفاوض عليها، بل جزء من «أرض إسرائيل» يجب أن تبقى تحت السيطرة الإسرائيلية.
هذا ليس خلافًا على مستوطنة هنا أو بؤرة هناك.
إنه خلاف على حدود الدولة نفسها.
المشكلة إذن ليست أن حكومة إسرائيل تفعل شيئًا لا تريده إسرائيل. المشكلة أن جزءًا من إسرائيل نفسها بات يريد شيئًا يصعب على الغرب قبوله. وهنا يتغير السؤال من: كيف نغيّر الحكومة؟ إلى: كيف نتعامل مع دولة تتغير تعريفاتها الداخلية للأمن والحدود والهوية؟
ومن هنا تصبح محاولة الفصل بين إسرائيل والاستيطان أصعب كلما تعمق الاستيطان داخل بنية الدولة.
فالمستوطن إسرائيلي. والجيش الذي يحمي المستوطنات إسرائيلي. والأحزاب التي تطالب بتوسيعها تدخل الكنيست بأصوات الإسرائيليين. والحكومة التي تمنحها الدعم والغطاء السياسي هي حكومة إسرائيلية.
قانونيًا، يستطيع الغرب أن يقول إن إسرائيل شيء والمستوطنات شيء آخر.
لكن سياسيًا، يصبح الخط الفاصل أكثر ضبابية كلما أصبح المشروع الاستيطاني جزءًا من الأمن والسياسة والانتخابات.
وهنا تحديدًا تكمن أهمية مشروع E1.
فالمسألة ليست عدد المنازل التي ستبنى، وإنما الموقع الذي سيبنى فيه المشروع وتأثيره على التواصل الجغرافي بين أجزاء الضفة الغربية والقدس الشرقية، وهو ما تعتبره بريطانيا تهديدًا مباشرًا لإمكانية قيام دولة فلسطينية قابلة للحياة.
أي أن الغرب بدأ ينظر إلى الاستيطان ليس باعتباره نتيجة للصراع، وإنما باعتباره أداة لإعادة تشكيل نتيجته.
وهنا يصبح الاستيطان أكثر من سياسة على الأرض؛ يصبح سياسة لصناعة المستقبل.
ومن هنا ينتقل الصراع من سؤال: أين يبني المستوطنون؟
إلى سؤال أكبر:
أين تنتهي إسرائيل؟
وهنا تبدأ السياسة البريطانية بالاصطدام بتحول إسرائيلي أعمق.
فبريطانيا لا تريد قطع علاقتها بإسرائيل، ولا تريد التراجع عن الاعتراف بها، ولا تقول إنها تستهدف المجتمع الإسرائيلي.
هي تريد شيئًا أكثر تعقيدًا: أن تحافظ على إسرائيل التي تعترف بها، من دون أن تقبل المسار الذي قد يعيد تعريفها.
بمعنى آخر، بريطانيا لا تحاول فقط الفصل بين إسرائيل والاستيطان؛ إنها تحاول إنقاذ إمكانية الفصل بينهما.
وهذا ليس تحولًا أخلاقيًا فقط.
إنه تحول في مفهوم الأمن نفسه.
لعقود طويلة كان السؤال الغربي: كيف نحمي إسرائيل من أعدائها؟
أما السؤال الذي بدأ يفرض نفسه فهو مختلف:
كيف نحمي مستقبل إسرائيل من المسار الذي تسير فيه؟
فالاحتلال والاستيطان لم يعودا مجرد ملفين في الصراع الفلسطيني الإسرائيلي؛ إنهما أصبحا جزءًا من معادلة الاستقرار الإقليمي، ومن الكلفة التي يدفعها الغرب في إدارة الشرق الأوسط.
ومن هنا بدأت القضية الفلسطينية تتجاوز في الحساب الغربي إطار «النزاع الإسرائيلي الفلسطيني» لتدخل في حسابات الاستقرار الإقليمي والمصالح الأمنية والسياسية الأوروبية.
وهذا ما يجعل الموقف البريطاني أبعد من مجرد خلاف مع حكومة نتنياهو.
فإذا كان الغرب يعتقد أن المشكلة هي نتنياهو، فإن الانتخابات الإسرائيلية ستكون اختبارًا لهذه الفرضية.
لأن الإسرائيليين لن يصوتوا فقط على اسم رئيس الحكومة.
سيصوتون، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، على اتجاه الدولة.
هل يريدون إعادة بناء أمن إسرائيل على أساس حدود يمكن تثبيتها وتسوية يمكن أن تنهي الصراع؟
أم يريدون استمرار الاتجاه الذي يرى في السيطرة على الأرض الفلسطينية جزءًا من الأمن والهوية والمشروع القومي؟
وهنا تصبح الانتخابات القادمة مهمة للغرب بقدر أهميتها للإسرائيليين.
فإذا تغيرت الحكومة وتغير معها الاتجاه، يستطيع الغرب أن يقول إن المشكلة كانت في القيادة.
أما إذا أعادت الانتخابات إنتاج القوى نفسها والاتجاه نفسه، فسيصبح من الصعب على الغرب أن يواصل اختزال المشكلة في نتنياهو.
وعندها ستتحول الانتخابات من اختبار للحكومة إلى اختبار لاتجاه إسرائيل نفسها.
وهنا تعود بريطانيا إلى بلفور.
عام 1917 دعمت بريطانيا إقامة «وطن قومي للشعب اليهودي» في فلسطين، مع النص على عدم الإضرار بالحقوق المدنية والدينية للسكان غير اليهود.
وبعد أكثر من ثلاثة عقود اعترفت بإسرائيل دولة.
واليوم تجد نفسها أمام مفارقة تاريخية: الدولة التي ساعدت في فتح الطريق أمام المشروع الصهيوني تجد نفسها مضطرة إلى وضع حدود أمام أحد المسارات التي تطورت داخله.
لكن المسألة ليست أن بريطانيا «ندمت» على إنشاء إسرائيل.
هذا تبسيط للتاريخ.
الأدق أن نقول إن الغرب قد يبدأ في مراجعة المسار الذي سمح له بأن يعيد تعريف إسرائيل.
فإسرائيل التي دعم الغرب أمنها وشرعيتها الدولية، والتي ظل يعتبر بقاءها جزءًا من مصالحه الاستراتيجية، ليست بالضرورة إسرائيل التي يمكن أن تنتجها سياسات الاستيطان والضم إلى ما لا نهاية.
إسرائيل التي يريد الغرب حمايتها هي، في خطابه الرسمي، دولة ذات أمن وحدود معترف بها، تعيش إلى جانب دولة فلسطينية.
لكن إسرائيل التي تتشكل على الأرض قد تسير نحو تعريف مختلف: دولة تتسع حدود سيطرتها دون أن تتسع حدود اعتراف العالم بها.
إذا أصبح الاستيطان مجرد سياسة، يمكن تغييرها بتغيير الحكومة.
أما إذا أصبح جزءًا من تعريف الدولة، فإن تغييره يعني إعادة تعريف إسرائيل نفسها.
وهنا تكمن المفارقة التي تواجه بريطانيا والغرب اليوم: لم تعد المسألة فقط كيف تُحمى إسرائيل من أعدائها، وإنما كيف يمكن حماية مستقبلها من مسار قد يجعلها أكثر اتساعًا في السيطرة، وأكثر عزلة، وأبعد عن التسوية التي يقول الغرب إنه يريدها لها.
من بلفور إلى ميليباند، لم تنتقل بريطانيا من إسرائيل إلى فلسطين، ولم تتخلَّ عن إسرائيل. لكنها تجد نفسها أمام سؤال لم يكن مطروحًا بهذه الصورة عندما دعمت «الوطن القومي اليهودي»:
أي إسرائيل يريد الغرب أن يحمي؟