في زمن الأزمات والحروب، لا تُهدد الأوطان بالقوة العسكرية وحدها، ولا تُهدم المجتمعات بالصواريخ والدمار فقط. هناك سلاح آخر قد يكون أشد خطورة، لأنه يدخل إلى العقول والقلوب دون أن يُرى.
إنه سلاح الشائعة:
كلمة تُقال بلا دليل، وخبر يُنشر بلا مصدر، وصورة قديمة يُعاد تداولها وكأنها حدثت اليوم، وتسجيل مجتزأ، وتصريح محرّف، وحساب مجهول يكتب جملة واحدة، ثم يبدأ آلاف الأشخاص بتداولها. وهكذا تتحول المعلومة الكاذبة إلى "حقيقة" في أذهان الناس.
هنا يبدأ الخطر....
فالشائعة لا تحتاج إلى جيش حتى تنتشر؛ تحتاج فقط إلى إنسان يصدقها دون أن يتحقق، وإنسان آخر يعيد نشرها دون أن يسأل، وثالث يحولها إلى اتهام، ورابع يبني عليها موقفًا أو قرارًا. ولهذا فإن مواجهة الشائعات ليست مسؤولية الصحفي وحده، ولا مسؤولية الحكومة أو المؤسسات الرسمية فقط. إنها مسؤولية كل مواطن.
الشائعة لا تقتل الحقيقة فقط… بل تقتل الثقة.
أخطر ما تفعله الشائعة أنها لا تزوّر معلومة فحسب، بل تضرب الثقة بين الناس.
عندما يسمع المواطن عشرات الأخبار المتناقضة، ولا يعرف أيها صحيح، يبدأ بفقدان الثقة بالجميع.
وعندما تنتشر شائعة عن شخصية وطنية، أو مؤسسة، أو فصيل، أو عائلة، أو حدث أمني، فقد يتحول الأمر بسرعة إلى حالة من الغضب والاتهام والكراهية.
وقد تبدأ القصة بكذبة صغيرة، لكنها تنتهي بانقسام كبير.
ولهذا يجب أن ندرك أن:
الشائعة قد تكون بداية فتنة، والفتنة قد تصبح أزمة، والأزمة قد تتحول إلى انقسام يصعب علاجه.
في غزة… الوعي ضرورة:
في مجتمع عاش سنوات طويلة من الحرب والحصار والخوف والدمار، يصبح الإنسان أكثر حاجة إلى المعلومة، وفي الوقت نفسه أكثر عرضة للخوف بسببها.
فالإنسان القَلِق يبحث عن أي خبر يفسر له ما يحدث.
وهنا يمكن أن تستغل الشائعة خوف الناس.
خبر عن تهجير.
خبر عن إغلاق معبر.
خبر عن اتفاق سري.
خبر عن شخصية سياسية.
خبر عن مساعدات.
خبر عن مستقبل غزة.
خبر عن حرب جديدة.
خبر عن دولة ستستقبل الفلسطينيين.
خبر عن قرار سياسي لم يصدر أصلًا.
وفي دقائق، يمكن أن ينتشر الخبر في آلاف الهواتف.
ثم يبدأ الناس في بناء حياتهم ومواقفهم ومخاوفهم على معلومة قد تكون غير صحيحة.
وهنا يصبح الوعي خط دفاع حقيقيًا عن المجتمع.
لا تصدق لأن الخبر يوافق رغبتك
وهذه واحدة من أخطر مشكلاتنا.
أحيانًا لا نصدق الخبر لأنه موثوق، وإنما نصدقه لأنه يعجبنا.
إذا جاء الخبر موافقًا لموقفنا السياسي، نشرناه فورًا.
وإذا جاء ضد خصمنا، اعتبرناه حقيقة قبل أن نبحث عن مصدره.
وهذا خطأ خطير.
الحقيقة لا تصبح حقيقة لأنها تخدم موقفي.
والكذب لا يصبح حقيقة لأنني أكره الطرف الذي قيل عنه.
المعيار يجب أن يكون واحدًا: الدليل.
اسأل دائمًا:
من نشر؟
ما المصدر؟
هل المصدر أصلي؟
هل هناك أكثر من جهة موثوقة تؤكد الخبر؟
هل التصريح كامل أم مجتزأ؟
هل الصورة حديثة أم قديمة؟
هل الفيديو من المكان والزمان نفسيهما؟
هل هناك وثيقة حقيقية؟
وهل الخبر خبر فعلًا، أم مجرد تحليل أو توقع أو رأي؟
لا تكن جزءًا من ماكينة الشائعة:
قد يقول البعض:
"أنا فقط نقلت ما وصلني."
لكن ماذا لو كان ما وصل إليك كاذبًا؟
وماذا لو أدى نشره إلى خوف إنسان؟
وماذا لو تسبب في تشويه سمعة شخص؟
وماذا لو أدى إلى إشعال خلاف بين أبناء شعب واحد؟
وماذا لو استُخدم منشورك ضمن حملة منظمة لتضليل المجتمع؟
قبل أن تضغط زر "مشاركة"، تذكر أنك لا تنقل مجرد كلمات.
أنت قد تنقل خوفًا، أو كراهية، أو اتهامًا، أو فتنة.
ولهذا أقول:
ليس كل ما تستطيع نشره يجب أن تنشره.
وأحيانًا يكون أعظم موقف وطني أن تقول:
"لا أعرف، ولذلك لن أنشر."
الشائعة السياسية أخطر من غيرها
عندما يتعلق الأمر بالسياسة، تصبح الشائعة أكثر خطورة.
فقد تتحول المنافسة السياسية إلى حرب إلكترونية، ويصبح الهدف ليس مناقشة البرامج والسياسات، وإنما إسقاط الأشخاص وتشويه الخصوم وتحريض الناس عليهم.
وهنا يجب أن نفرق بين: النقد السياسي والتشهير.
بين: المعلومة والإشاعة.
بين: الاختلاف والتحريض.
بين: المساءلة والاغتيال المعنوي.
من حق المواطن أن يسأل عن أداء أي مسؤول.
ومن حقه أن ينتقد أي فصيل.
ومن حقه أن يختلف مع أي شخصية سياسية.
لكن ليس من حق أحد أن يحوّل الكذب إلى أداة سياسية.
ناقش الفكرة… لا تخوّن الإنسان.
اختلف مع السياسي… لا تكره الفلسطيني.
اسأل عن الدليل… ولا تصنع حكمًا من إشاعة
هناك من يستفيد من انقسامنا، وعلينا أن نكون أكثر وعيًا بأن الشائعات لا تنتشر دائمًا بصورة عفوية.
أحيانًا توجد حسابات مجهولة، أو حملات منظمة، أو جهات لها مصالح، تعمل على تضخيم معلومة معينة، أو اقتطاع جزء من الحقيقة، أو إعادة تدوير خبر قديم، بهدف التأثير في الرأي العام.
لكن مواجهة هذا الأمر لا تكون بالخوف من كل خبر.
بل تكون بالعقل النقدي.
لا نرفض كل شيء.
ولا نصدق كل شيء.
بل نتحقق.
وهذا هو جوهر الوعي.
الإعلام مسؤولية وطنية:
الإعلام المهني لا يزيد خوف الناس.
ولا يحول التكهن إلى خبر.
ولا ينشر المعلومة قبل التحقق منها.
ولا يقتطع التصريحات بهدف الإثارة.
وفي المقابل، المواطن الواعي لا يطالب الإعلام بإعطائه الأخبار التي يريد سماعها، بل يطالبه بالحقيقة.
نحن بحاجة إلى إعلام يهدئ المجتمع عندما تنتشر الفوضى، ويشرح بدل أن يثير الذعر، ويقدم الأدلة بدل العناوين الصادمة.
وبحاجة أيضًا إلى مواطن يستطيع أن يميز بين الخبر والتحليل والإشاعة والدعاية.
الوعي يبدأ من البيت والمدرسة
لا يمكن أن نبني مجتمعًا واعيًا إذا تركنا أبناءنا يتعلمون استخدام الهاتف دون أن يتعلموا كيف يستخدمون عقولهم.