الأصدقاء الأعزاء متابعي أمد للإعلام .. هناك عملية نقل من مطور لآخر ما قد يؤثر على نشر الأخبار لفترة قصيرة! ...

معركة الأرض والوجود: بين مخططات فرض الواقع الإسرائيلي والحاجة إلى استراتيجية فلسطينية للصمود

معركة الأرض والوجود: بين مخططات فرض الواقع الإسرائيلي والحاجة إلى استراتيجية فلسطينية للصمود

تاريخ النشر: 2026-07-16 | 13:50

علي أبو حبلة
علي أبو حبلة

لم تعد المعركة على الأرض الفلسطينية مجرد صراع على مساحات جغرافية محدودة، بل أصبحت معركة مفتوحة على الهوية والوجود والمستقبل. فإسرائيل لا تتعامل مع الضفة الغربية باعتبارها ملفاً سياسياً مؤجلاً، وإنما تعمل وفق رؤية استراتيجية بعيدة المدى تهدف إلى إعادة تشكيل الواقع الجغرافي والديموغرافي، وفرض حقائق جديدة على الأرض تجعل أي مشروع سياسي فلسطيني مستقبلي أكثر صعوبة وتعقيداً.

 

فمنذ سنوات، تتوالى التصريحات الصادرة عن مسؤولين إسرائيليين، ولا سيما من التيار اليميني المتطرف، والتي تعكس توجهاً واضحاً نحو تكريس السيطرة على الأرض، وتوسيع الاستيطان، ورفض قيام دولة فلسطينية ذات سيادة. ولم تعد هذه التصريحات مجرد مواقف سياسية للاستهلاك الداخلي، بل تحولت إلى سياسات عملية تُترجم عبر التوسع الاستيطاني، ومصادرة الأراضي، والسيطرة على الموارد، وتقطيع أوصال الضفة الغربية.

 

إن إسرائيل تدير معركتها بعقلية المشروع المتكامل؛ فهناك مراكز أبحاث إسرائيلية تدرس خرائط السيطرة ومستقبل الضفة الغربية، وهناك إعلام إسرائيلي يناقش بصورة مستمرة قضايا الضم، والاستيطان، وإدارة الصراع، وآليات تثبيت الوقائع على الأرض. فالمشهد الإسرائيلي يكشف عن وجود تخطيط طويل الأمد يستند إلى أدوات سياسية وأمنية وقانونية واقتصادية، وليس إلى ردود أفعال مؤقتة.

 

وفي مقابل هذا التخطيط المنظم، يبقى المشهد الفلسطيني بحاجة إلى الانتقال من دائرة رد الفعل إلى دائرة الفعل الاستراتيجي. فالاكتفاء ببيانات الإدانة والاستنكار، رغم أهميتها السياسية والقانونية، لم يعد كافياً أمام حجم المخاطر المتصاعدة. فالأرض تتغير، والوقائع تُفرض، والوقت يعمل لصالح من يمتلك خطة واضحة وأدوات تنفيذ حقيقية.

 

ومن أخطر مظاهر استهداف الأرض الفلسطينية محاولات السيطرة عليها عبر مسارات غير مباشرة، من بينها ظاهرة تسريب الأراضي بواسطة شبكات من السماسرة والوسطاء المتخصصين الذين يعملون لمصلحة جهات مرتبطة بالمشروع الاستيطاني الإسرائيلي. فهناك جهات وشركات إسرائيلية لها تاريخ طويل في شراء الأراضي وتوظيفها لخدمة التوسع الاستيطاني، ومنها مؤسسات مثل الصندوق القومي اليهودي (كيرن كييمت ليسرائيل) وشركات مرتبطة بالنشاط الاستيطاني مثل همنوتا، إضافة إلى جهات أخرى تعمل على تثبيت السيطرة الإسرائيلية على الأرض.

 

إن خطورة تسريب الأراضي لا تكمن فقط في انتقال ملكية عقار، بل في البعد السياسي والاستراتيجي لهذه العمليات، لأن الأرض التي تخرج من السيطرة الفلسطينية تتحول لاحقاً إلى أداة في مشروع أوسع يستهدف تفتيت الجغرافيا الفلسطينية، وعزل المدن والبلدات عن بعضها، وقطع التواصل بين المناطق، بما يخدم مخطط إضعاف إمكانية قيام دولة فلسطينية متصلة جغرافياً.

 

وفي هذا السياق، فإن استهداف المحافظات الشمالية من الضفة الغربية يحمل دلالات خطيرة، فهي تشكل عمقاً جغرافياً واستراتيجياً واقتصادياً مهماً. فالمخطط الإسرائيلي لا يقتصر على السيطرة على أراضٍ إضافية، وإنما يستهدف فصل الشمال عن الوسط، وفصل الجنوب عن الوسط، وتحويل الضفة الغربية إلى تجمعات منفصلة ومحاصرة، بما يؤدي إلى تقويض مقومات الوحدة الجغرافية والسياسية الفلسطينية.

 

إن المسؤولية الوطنية تقتضي اليوم إعادة النظر في طبيعة التعامل مع هذه التحديات. فالمرحلة لم تعد تحتمل الاكتفاء بالشعارات أو المواقف الإعلامية، كما لم تعد تحتمل ثقافة التبرير أو التصفيق أو التسحيج التي تمارسها فئة محددة وتحجب أحياناً حجم المخاطر الحقيقية. فالشعب الفلسطيني الذي يواجه الاحتلال والاستيطان والأزمات الاقتصادية والاجتماعية يريد رؤية خطط عملية تنقذه من حالة الانتظار، وتعزز قدرته على الصمود.

 

لقد شهدت الفترة الماضية زيارات عديدة لمسؤولين فلسطينيين إلى مختلف المحافظات، وهي زيارات تحمل أهمية في التواصل مع المواطنين والاطلاع على واقعهم، لكنها يجب أن تتجاوز الطابع البروتوكولي إلى مرحلة جديدة تقوم على الاستماع الحقيقي، وتشخيص المشكلات، والاعتماد على الدراسات والأبحاث التي تقدمها جهات الاختصاص في المحافظات، وتحويل هذه المعطيات إلى برامج عمل قابلة للتنفيذ.

 

فالمطلوب من هذه الزيارات ليس فقط تسجيل الملاحظات أو إطلاق الوعود، بل وضع خطط واضحة لمواجهة المخاطر، وتعزيز صمود المواطنين، وحماية الأرض، ودعم الاقتصاد المحلي، ومنع تراجع مستوى الخدمات الأساسية التي تمس حياة الناس اليومية.

 

إن الشارع الفلسطيني يعيش حالة من القلق والغليان الصامت، لأنه يدرك أن المرحلة أخطر من أن تُدار بالأساليب التقليدية. المواطن يريد حلولاً عملية، ويريد أن يرى انتقالاً حقيقياً من مرحلة الخطاب إلى مرحلة الإنجاز. فالوطن لا يُبنى بكثرة التصريحات، وإنما بقدرة المؤسسات على العمل والتخطيط والمحاسبة.

 

إن المطلوب اليوم هو إعداد خطة وطنية استراتيجية للصمود، تشارك فيها المؤسسات الرسمية والفعاليات الشعبية والمجالس المحلية والقطاعات الاقتصادية والاجتماعية، تقوم على حماية الأرض، وتعزيز الاقتصاد، وتفعيل القانون الدولي، ومواجهة مخططات الاحتلال السياسية والاستيطانية بكل الأدوات المتاحة.

 

فالمرحلة ليست مرحلة مماحكات أو منافسات داخلية، بل مرحلة دفاع عن الوجود الوطني الفلسطيني ومنع الانزلاق نحو واقع أكثر خطورة. وإذا كانت إسرائيل تعمل وفق رؤية استراتيجية لتغيير الجغرافيا والديموغرافيا، فإن الرد الفلسطيني يجب أن يكون بمستوى هذا التحدي عبر رؤية وطنية موحدة وخطة تنفيذية واضحة.

 

إن التاريخ لا يحاسب الشعوب على حجم الشعارات التي رفعتها، بل على قدرتها على حماية حقوقها وصناعة مستقبلها. وما تحتاجه فلسطين اليوم ليس مزيداً من الكلمات، وإنما إرادة سياسية مقرونة بالفعل، وخطط قابلة للتطبيق، لأن المعركة على الأرض لا تنتظر، ومن لا يخطط لحماية وجوده سيجد أن الآخرين يخططون لمستقبله.

×
أخبار
تركيا وحرب إيران: الهندسة العسكرية لردع مزدوج وتبلور «القطب الإقليمي الثالث» و س ج: إدارة ترامب ستفرض عقوبات على المحكمة الجنائية الدولية أ ف ب: تحالف سبعة تنظيمات مسلحة معارضة للإطاحة بالحكومة في إثيوبيا بعد الهزيمة التاريخية في انتخابات ولايات ألمانية..ميرتس يتعهد بالمضي قدماً في الإصلاحات "ذا نيويوركر" تسلط الضوء على "قطر غيت" وشبكات النفوذ في مكتب نتنياهو صحيفة سويسرية: خطة ألمانية قد تؤدي لترحيل نصف مليون سوري تقرير: سيناريو استخباراتي يُثير مخاوف دول الخليج وتركيا حال سقوط نظام إيران عبد العاطي لوفد المنظمات اليهودية الأمريكية: نرفض أية محاولات لتهجير الفلسطينيين وثيقة سرية: روسيا وإيران توسعان قنوات مالية وتجارية للالتفاف على العقوبات رئيس ورزاء قطر: إسرائيل تتصرف بتهور ولا تلتزم بتعهداتها وتواصل القتل ميلوني تعلن إجراءات جديدة في المدارس الإيطالية بينها حظر النقاب هرتسوغ كان يعرف ما الذي يفعله عندما أصدر عفوًا عن عزاريا قبل أقل من 40 يومًا من الانتخابات  وثائقي "نازا" يثير سجالاً حاداً داخل إسرائيل حول آليات الاستهداف والذكاء الاصطناعي في غزة استراتيجية واشنطن في الصومال: تأمين الممرات البحرية على حساب الاستقرار الوطني دراسة: الحرب في الخليج تكشف حدود البدائل وتدفع نحو "هندسة تعدد المسارات" التمويل القطري لجامعة كورنيل يصل لـ 3.38 مليار دولار بعد كشف عقود جديدة من الوساطة إلى هندسة الاستقرار: لماذا يتصدر السودان أولويات الرياض؟ ترامب يكشف عن اتفاق مع الحوثيين.. ويعلن انفتاحه على لقاء الرئيس الإيراني المونيتور: نتنياهو يسعى لتوظيف التهديد الحوثي لدفع التطبيع مع السعودية قبل الانتخابات المتطرف بن غفير يقتحم المسجد الأقصى بحماية قوات الاحتلال.. والأوقاف تستنكر دعوات لواشنطن لبناء "خريطة معمارية" لتتبع شبكات تمويل الإخوان المسلمين وحماس جيش الاحتلال يعدم شابا في جنين ويعتقل آخر في رام الله - فيديو وصور تقرير يكشف تضاربًا بين السجلات الداخلية والبيانات العامة لضحايا الجيش الأمريكي في حرب إيران السيسي خلال استقباله مدير المخابرات الأمريكية: نرفض أي اعتداءات على الدول العربية وندعم اتفاقاً شاملاً مع إيران الصحة: ارتفاع ضحايا حرب الإبادة على قطاع غزة إلى 73,910 شهيدا ألمانيا: انتخابات في ولايتين تهدد بإحداث صدمة جديدة لميرتس خانيونس: مستشفى الكويت الميداني يعلن التوقف عن العمل في جميع الأقسام باستثناء الطوارئ هرتسوغ والجريمة المركبة! جيش الاحتلال وفرق الإرهاب الاستيطاني تنفد حملة اقتحامات اعتقالات واسعة في القدس والضفة الإمارات توضح رسميا ما حدث قبل 7 أكتوبر حول اتصال بن زايد مع نتنياهو

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط