في القاهرة، حدث ما كان كثير من أبناء حركة فتح يتمنونه منذ سنوات: جلس أبناء الحركة، رغم الخلافات والانقسامات، إلى طاولة واحدة، وفتحوا باب الحديث عن استعادة وحدة فتح وإنهاء حالة الانقسام الداخلي.
إنها ليست مجرد جلسة سياسية عابرة، ولا مجرد تفاهم بين شخصيات فتحاوية متخاصمة.إنها، في نظر كثير من الفلسطينيين، محاولة لإعادة جمع البيت الفتحاوي في لحظة فلسطينية هي الأخطر والأكثر حساسية.
وقد أكدت تقارير أن لقاءً جمع وفدًا من حركة فتح بوفد من تيار الإصلاح الديمقراطي في القاهرة، وأن ملف توحيد الحركة كان حاضرًا بقوة، مع الإشارة إلى أن ما تم بحثه سيُعرض على الرئيس محمود عباس.
وهنا يبرز السؤال الذي لا يجوز تجاهله:
إذا كان أبناء فتح قد اقتربوا من بعضهم، فلماذا لم نسمع حتى الآن موقفًا واضحًا من الرئيس محمود عباس تجاه هذه الخطوة؟
هل الصمت يعني الرفض؟
أم أنه انتظار لمعرفة تفاصيل الاتفاق؟
أم أن هناك حسابات سياسية وتنظيمية تجعل قرار المصالحة الفتحاوية أكثر تعقيدًا مما يبدو؟
أم أن القيادة ترى أن توحيد الحركة يجب أن يتم وفق شروطها وآلياتها، وليس عبر تفاهمات تُفرض من خارج الأطر التنظيمية؟
كل هذه احتمالات، ولا يمكن الجزم بأي منها من دون موقف رسمي واضح.
لكن المؤكد أن الصمت في لحظة كهذه يصبح بحد ذاته رسالة سياسية تحتاج إلى تفسير.
فتح ليست ملكًا لشخص
هناك حقيقة يجب أن تُقال بوضوح:
حركة فتح أكبر من الأشخاص، وأكبر من الخلافات، وأكبر من أي قيادة في أي مرحلة.
فتح حركة ارتبط تاريخها بالقضية الفلسطينية، وبنضال أجيال من الفلسطينيين، وبأسماء وقامات صنعت جزءًا أساسيًا من التاريخ الوطني الفلسطيني.
ولهذا فإن الخلاف داخل فتح لا ينبغي أن يتحول إلى خصومة دائمة، ولا إلى قطيعة بين أبناء البيت الواحد.
فإذا كانت هناك فرصة حقيقية لإعادة توحيد الحركة، فلماذا لا تُستثمر؟
وإذا كانت هناك تحفظات على آليات الوحدة، فلماذا لا تُطرح على الطاولة؟
وإذا كان هناك خلاف على الأشخاص، فلماذا لا يتم تجاوزه من أجل الوطن؟
الشعوب لا تستطيع أن تدفع ثمن الخلافات الشخصية والسياسية إلى ما لا نهاية.
وحدة فتح ليست شأنًا فتحاويًا فقط
قد يقول البعض: هذه مسألة داخلية تخص حركة فتح.
لكن الواقع الفلسطيني يقول غير ذلك.
فتح ليست تنظيمًا هامشيًا في المشهد الفلسطيني، ولذلك فإن استعادة وحدتها يمكن أن تكون لها انعكاسات مباشرة على وحدة القرار الوطني الفلسطيني، وعلى شكل المرحلة المقبلة، وعلى قدرة الفلسطينيين على مواجهة التحديات الهائلة التي تواجه قضيتهم.
وفي ظل ما يجري في غزة، والضغوط السياسية، والحديث عن ترتيبات مستقبلية للقضية الفلسطينية، والانتخابات القادمة، فإن استمرار الانقسام داخل أحد أكبر مكونات الحركة الوطنية الفلسطينية ليس ترفًا سياسيًا.
الفلسطينيون بحاجة إلى تجميع قوتهم، لا إلى توزيعها على جبهات داخلية.
وقد جاءت تحركات القاهرة في وقت تتزايد فيه التحالفات والاصطفافات السياسية الفلسطينية استعدادًا للاستحقاقات المقبلة، وهو ما يجعل مسألة إعادة ترتيب البيت الفتحاوي أكثر إلحاحًا.
ماذا ينتظر الشعب من أبو مازن؟
لا ينتظر الفلسطينيون خطابًا طويلًا.
ولا يريدون معركة إعلامية جديدة.
ولا يريدون أن يعود كل طرف إلى سردية الماضي واتهام الطرف الآخر.
إنهم يريدون إجابة بسيطة:
هل أنت مع وحدة فتح أم لا؟
إذا كان الجواب نعم، فلتبدأ الخطوات العملية.
وإذا كانت هناك شروط أو تحفظات، فلتُطرح بصراحة.
وإذا كان هناك خلاف على من يقود الحركة، فليكن الحكم للنظام الداخلي والمؤسسات والانتخابات، لا للإقصاء أو القطيعة.
أما أن تفتح نافذة للوحدة ثم تُترك بلا موقف واضح، فهذا يضع الجميع أمام أسئلة أكثر من الإجابات.
الوحدة لا تعني محو الخلاف
وحدة فتح لا تعني أن يصبح جميع أبنائها متطابقين.
ولا تعني إلغاء النقد.
ولا تعني أن يتنازل أحد عن قناعاته.
الوحدة الحقيقية تعني أن يتحول الاختلاف من صراع إلى حوار، ومن خصومة إلى منافسة ديمقراطية، ومن الانقسام إلى تعدد داخل إطار واحد.
وهذا هو الاختبار الحقيقي لأي حركة وطنية.
هل تستطيع أن تحتوي أبناءها المختلفين؟
إذا كانت الإجابة نعم، فإن فتح تستطيع أن تستعيد جزءًا كبيرًا من قوتها.
أما إذا بقيت الخلافات الشخصية والتنظيمية أقوى من فكرة الحركة نفسها، فإن الخاسر في النهاية لن يكون طرفًا فتحاويًا دون آخر، وإنما سيكون المشروع الوطني كله.