الأصدقاء الأعزاء متابعي أمد للإعلام .. هناك عملية نقل من مطور لآخر ما قد يؤثر على نشر الأخبار لفترة قصيرة! ...

لماذا الاعتماد على واشنطن أولاً؟

قبل وبعد القمة الخليجية - الأميركية التي انتهت بنهاية الأسبوع الماضي ظلت مفردة «طمأنة دول الخليج» هي الأكثر تداولاً في كل ما كتب عن هذه القمة. أصبحت هي المعيار الوحيد تقريباً لقياس نجاح القمة أو فشلها. هل حصلت دول الخليج على الطمأنة المطلوبة في نهاية القمة؟ الأميركيون يقولون نعم. والأغلبية الساحقة من العرب، بمن فيهم الخليجيون، يجيبون بالنفي، أو بنعم تتقاطع مع مفردة أخرى: «لكن»، تضمر شكوى مريرة لدى كثير من الخليجيين والسعوديين من خذلان واشنطن حلفاءها القدماء لمصلحة دولة تعيث فساداً بتدخلاتها في الدول العربية، وبتمويلها تنظيمات إرهابية تشكل تهديداً للعرب والأميركيين معاً وتسليحها. على أساس من المعيار هذا، أي الإجابتين أقرب الى نص وروح البيان الختامي للقمة؟

يكشف البيان الختامي أن إدارة أوباما أعطت دول الخليج ما تستطيعه في حدود السياسة التي تتبناها حيال المنطقة، وفي حدود الاستراتيجية الأميركية التي لا يمكن توسيعها أو تطويرها من دون موافقة الكونغرس. فمثلاً لا تستطيع إدارة أوباما إعطاء دول الخليج ميزة حليف رئيس من خارج حلف «الناتو»، أو أسلحة متقدمة مثل المقاتلة F-35، لأن هذا يخل بالتفوق العسكري الإسرائيلي، وهو تعهد أميركي استراتيجي يحتاج تجاوزه أو تعديله لموافقة الكونغرس، وهي موافقة مستبعدة. لكن إذا كان كل من اليابان وكوريا الجنوبية حليفاً رئيساً لأميركا من خارج «الناتو»، فلماذا يتعذر هذا الأمر على دول الخليج؟ سيقول لك الأميركيون إن لهذا علاقة بحقيقة أن دول الخليج والولايات المتحدة تشتركان في الأهداف الأمنية والعسكرية، لكنهما تفترقان في القيم السياسية والفكرية. وهذا صحيح. ولذلك فإن مبررات تعذر تحقق شيء كبير على هذا المستوى هي مبررات أميركية خليجية مشتركة. السؤال في ما يتعلق بالسياسة التي تتبناها الإدارة يمكن اتهام أوباما بالتناقض، لكن ليس بالغموض. كان الرجل واضحاً منذ بداية ترشحه للمرة الأولى عام 2007، عندما أكد أنه لا يريد أن يكون رئيساً عادياً لا يتجاوز إنجازه أن يكون اسمه ضمن قائمة رؤساء أميركا. كان يطمح إلى أن يكون رئيساً يصنع فرقاً. والفرق الذي رأى أوباما أن بإمكانه صنعه هو بالانفتاح على خصوم أميركا التقليديين، كوبا وإيران، (حديث أوباما مع مجلة «نيويوركر»، 21 كانون الثاني / يناير 2014).

لندع كوبا جانباً، لأنها تمثل قصة مختلفة. ما يهمنا هو إيران لأنها جزء من المنطقة، وإحدى دول الجوار العربي، وتحديداً الخليجي. اللافت في كل أحاديث أوباما عن هذا الموضوع أنه يتكلم كثيراً عن فوائد الاتفاق النووي، وأقل من ذلك عن النظام الإيراني، لكن بطريقة متناقضة، ثم أقل من الاثنين معاً عن العرب، لكن بطريقة تنم عن رؤية سلبية مضمرة. يتضح هذا في كل أحاديث الرئيس، خصوصاً في حديث مطول له مع موقع «بلومبرغ». عندما سئل في هذا الحديث عن العرب والإيرانيين قال بالنص: «عندما تنظر إلى السلوك الإيراني ستجد أن الإيرانيين استراتيجيون، وليسوا متهورين. يملكون رؤية عالمية. ينظرون إلى مصالحهم، ويستجيبون لعوامل الكلفة والفائدة. هذا لا يعني أن إيران ليست دولة ثيوقراطية (دينية)، وتتبنى كل الأفكار التي أعتبرها بشعة. لكن إيران ليست كوريا الشمالية. إيران دولة كبيرة وقوية، ترى نفسها لاعباً مهماً على المسرح العالمي. لا أظن أنها تملك رغبة انتحارية، بل تمكنها الاستجابة للحوافز» («بلومبرغ»، 27 شباط/فبراير 2014).

كانت هذه إجابة أوباما على سؤال عن أيهما في رأيه «أكثر خطراً: التطرف السني، أم التطرف الشيعي؟»، وذلك في إطار حديث عن عدم ارتياح حلفاء أميركا من العرب السنّة لمقاربته الموضوع الإيراني. واللافت في إجابة الرئيس أنه اختار التركيز على إيران كممثل للشيعة، ولم يقل شيئاً عن العرب (السنّة). وليس من الصعب في هذا الإطار الاستنتاج من صمت الرئيس هنا بأن العرب وفق رأيه هم على النقيض، بصيغة أو أخرى، من الإيرانيين. أي أنهم أقل رؤية استراتيجية، وأكثر ميلاً للتهور. وللدقة، الرئيس لم يقل ذلك مباشرة، لكن هذا ما يوحي به صمته عن الطرف الآخر. بعبارة أخرى، يريد الرئيس القول بأن اعتراض العرب على مقاربته للموضوع الإيراني يفتقد رؤية استراتيجية، ويعبر عن تهور وليس عن رؤية عالمية تأخذ في الحسبان تغير المشهد على المستويين الإقليمي والدولي، واعتبارات المصلحة، وعامل التوازنات المصاحب لذلك. من هنا عندما سئل إذا كان يتفهم انزعاج السعودية ودول عربية أخرى، جاءت إجابته هكذا: «أعتقد أن هناك تحولات تحدث في المنطقة، وهي تحولات أخذت الكثيرين منهم على حين غرة. والتغير يبعث دائماً على الخوف». أي أن انزعاج السعوديين وغيرهم من العرب مبعثه أنهم تفاجأوا بما يحدث في المنطقة، وأنهم يخافون التغيير بدلاً من الاستجابة له، والتأقلم مع متطلباته.

وتأكيداً لهذا المعنى، وبعد أكثر من سنة على حديثه مع «بلومبرغ»، قال الرئيس أوباما لصحيفة «نيويورك تايمز» بالنص: «ربما أن أكبر الأخطار التي قد تواجهها هذه الدول (الدول الخليجية) لن تأتي من غزو إيراني، بل من عدم رضا من داخل هذه البلدان». بعبارة أخرى، يرى أوباما أن مشكلة دول الخليج الرئيسة ليست في إيران، بل في مقاومتها ضرورات التغير في الداخل، والاستجابة لما يحدث في المنطقة انطلاقاً من هذه الضرورة. ثم أضاف أن التطرق إلى مثل هذا الموضوع في قمة كامب ديفيد المرتقبة أمر صعب، لكنه أمر لا بد منه. هل تطرق الرئيس إلى هذا الموضوع فعلاً في القمة؟ ليس في الوثائق الثلاث التي صدرت ما يشير إلى ذلك. لكن في المؤتمر الصحافي الذي عقده أوباما بعد توديعه الوفود الخليجية أكد أن هدف الشراكة الجديدة بين أميركا ودول الخليج ليس تأبيد مواجهة طويلة الأمد مع إيران، ولا حتى تهميشها.

في الخلاصة تكشف وثائق القمة الأخيرة، كما أحاديث أوباما الكثيرة، أن الخليجيين والأميركيين يتفقون على الأهداف المتعلقة بالمسائل الأمنية والعسكرية، واستقرار المنطقة، ومواجهة النشاطات الإيرانية التي تشجع عدم الاستقرار. لكنهم يختلفون في الرؤية السياسية الناظمة لمثل هذه الأهداف. وموقف الرئيس أوباما وإدارته تجاه المنطقة يشير إلى أن العلاقات الخليجية- الأميركية دخلت بالتوازي مع التحولات في المنطقة، مرحلة تختلف كثيراً عما كانت عليه قبل احتلال العراق. من هنا ما كان ينبغي أن يتركز هم الخليجيين على البحث عن تطمينات في القمة، وإنما عن تفاهمات جديدة تعزز القدرات الذاتية للخليجيين بأن يكونوا هم المصدر الأول لحماية أمنهم ومصالحهم. وهو ما يتطلب ليس فقط شراء السلاح، ومنظومات صواريخ دفاعية، وتعاوناً استخباراتياً، بل امتلاك القدرات العسكرية تكنولوجياً ومعرفياً، والبدء في مشاريع تصنيع لتلبية هذه الحاجة. ومما له صلة بذلك ما ذكرته صحيفة «نيويورك تايمز» الأربعاء الماضي (اليوم الأول للقمة) بأن السعودية وعدت بأنها ستجاري القدرات النووية الإيرانية. ونقلت الصحيفة هذا الكلام عمن أسمته أحد القادة العرب الذي كان يستعد لمقابلة أوباما في كامب ديفيد. لكنه رفض الإفصاح عن اسمه للصحيفة قبل أن يقول الكلام نفسه للرئيس أوباما. في السياق نفسه، نقلت الصحيفة عن رئيس الاستخبارات السعودية السابق الأمير تركي الفيصل قوله: «كل ما يملكه الإيرانيون سنملكه أيضاً»، وذلك من محاضرة له في سيول، عاصمة كوريا الجنوبية.

هذه تصريحات لافتة. السؤال هل قيلت هذه الرسالة في القمة فعلاً؟ وإذا كانت هذه المواقف هي مواقف رسمية، فلماذا لا يتم الإفصاح عنها كسياسة معلنة؟ وقبل ذلك وبعده، ما هي الرؤية السياسية، محلياً وإقليمياً، التي تنطلق منها هذه المواقف؟ هي مواقف صحيحة، تأخذنا بعيداً من البحث عن تطمينات خارجية، وتقربنا للاعتماد على الذات قبل الاعتماد على واشنطن أولاً. وإن مسار الأحداث في المنطقة منذ 1979 انتهى بنا إلى البحث عن تطمينات خارجية في مواجهة إيران يشير إلى خلل في الرؤية، وليس في القدرة. نجحت إيران من خلال سياساتها في إقناع إدارة أوباما بالتغاضي عن كل تدخلاتها وطائفيتها وثيوقراطيتها. وهذا يعني أن الدول العربية فشلت. صحيح أن لأوباما وتنظيراته دوراً في ذلك، لكن مسؤولية الدول العربية، وتحديداً السعودية ومصر، أكبر هنا. لم تفشل هذه الدول عسكرياً، لأنها لم تدخل هذه التجربة مع إيران بعد. لكنها فشلت سياسياً، لأنها تركت فراغاً في المنطقة استغلته إيران وملأته بالطائفية والميليشيات والإرهاب. متى تواجه الدول العربية مسؤولية طرح رؤية سياسية تخرج المنطقة من مأزق الحكم الذي يعصف بها، ويوسع من هوة الفراغ المدمر؟

* أكاديمي وكاتب سعودي

عن الحياة اللندنية

×
أخبار
صحيفة سويسرية: خطة ألمانية قد تؤدي لترحيل نصف مليون سوري تقرير: سيناريو استخباراتي يُثير مخاوف دول الخليج وتركيا حال سقوط نظام إيران عبد العاطي لوفد المنظمات اليهودية الأمريكية: نرفض أية محاولات لتهجير الفلسطينيين وثيقة سرية: روسيا وإيران توسعان قنوات مالية وتجارية للالتفاف على العقوبات رئيس ورزاء قطر: إسرائيل تتصرف بتهور ولا تلتزم بتعهداتها وتواصل القتل ميلوني تعلن إجراءات جديدة في المدارس الإيطالية بينها حظر النقاب هرتسوغ كان يعرف ما الذي يفعله عندما أصدر عفوًا عن عزاريا قبل أقل من 40 يومًا من الانتخابات  وثائقي "نازا" يثير سجالاً حاداً داخل إسرائيل حول آليات الاستهداف والذكاء الاصطناعي في غزة استراتيجية واشنطن في الصومال: تأمين الممرات البحرية على حساب الاستقرار الوطني دراسة: الحرب في الخليج تكشف حدود البدائل وتدفع نحو "هندسة تعدد المسارات" التمويل القطري لجامعة كورنيل يصل لـ 3.38 مليار دولار بعد كشف عقود جديدة من الوساطة إلى هندسة الاستقرار: لماذا يتصدر السودان أولويات الرياض؟ ترامب يكشف عن اتفاق مع الحوثيين.. ويعلن انفتاحه على لقاء الرئيس الإيراني المونيتور: نتنياهو يسعى لتوظيف التهديد الحوثي لدفع التطبيع مع السعودية قبل الانتخابات المتطرف بن غفير يقتحم المسجد الأقصى بحماية قوات الاحتلال.. والأوقاف تستنكر دعوات لواشنطن لبناء "خريطة معمارية" لتتبع شبكات تمويل الإخوان المسلمين وحماس جيش الاحتلال يعدم شابا في جنين ويعتقل آخر في رام الله - فيديو وصور تقرير يكشف تضاربًا بين السجلات الداخلية والبيانات العامة لضحايا الجيش الأمريكي في حرب إيران السيسي خلال استقباله مدير المخابرات الأمريكية: نرفض أي اعتداءات على الدول العربية وندعم اتفاقاً شاملاً مع إيران الصحة: ارتفاع ضحايا حرب الإبادة على قطاع غزة إلى 73,910 شهيدا ألمانيا: انتخابات في ولايتين تهدد بإحداث صدمة جديدة لميرتس خانيونس: مستشفى الكويت الميداني يعلن التوقف عن العمل في جميع الأقسام باستثناء الطوارئ هرتسوغ والجريمة المركبة! جيش الاحتلال وفرق الإرهاب الاستيطاني تنفد حملة اقتحامات اعتقالات واسعة في القدس والضفة الإمارات توضح رسميا ما حدث قبل 7 أكتوبر حول اتصال بن زايد مع نتنياهو رضائي يحدد 7 شروط إيرانية لعودة المفاوضات مع أمريكا ترامب يقطع إجازته ويعود للبيت الأبيض وسط تحذيرات من تصعيد محتمل استطلاع: غالبية الناخبين اليهود في أمريكا قلقون من تأجيج نتنياهو لمعاداة السامية تقرير: الحرب على إيران تمنح موسكو مكاسب استراتيجية وتكشف أزمة الذخائر الأمريكية 3 قراءات تاريخية توضح أسباب رسوخ صعود حزب "البديل" في شرق ألمانيا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط