الأصدقاء الأعزاء متابعي أمد للإعلام .. هناك عملية نقل من مطور لآخر ما قد يؤثر على نشر الأخبار لفترة قصيرة! ...

فلسطين 2026: حين تتحوّل الانتخابات من إجراء ديمقراطي إلى لحظة إعادة تأسيس سياسي

فلسطين 2026: حين تتحوّل الانتخابات من إجراء ديمقراطي إلى لحظة إعادة تأسيس سياسي

تاريخ النشر: 2026-02-06 | 12:20

ليست كل الانتخابات متشابهة، ولا كل المراسيم الانتخابية مجرد استحقاقات دورية تُدرج في أجندات العمل السياسي. ففي بعض اللحظات التاريخية الفاصلة، تتحول الانتخابات من أداة لتداول السلطة إلى آلية لإعادة تأسيس النظام السياسي ذاته، وإعادة تعريف مصادر الشرعية، وحدود التمثيل، ووظيفة المؤسسات. هذا بالضبط ما توحي به مجمل القرارات الفلسطينية المرتبطة بانتخابات عام 2026، والتي تتجاوز معناها الإجرائي الضيق لتدخل في نطاق تحولات بنيوية عميقة تمس جوهر النظام السياسي. إعلان مجلس الوزراء عن موعد انتخابات الهيئات المحلية، والمحدد في 14 مايو 2026، ثم تحديد موعد انتخابات المجلس الوطني الفلسطيني في 1 نوفمبر 2026، بموجب المرسوم الرئاسي رقم (2) لسنة 2026 الصادر عن الرئيس محمود عباس، لا يمكن قراءتهما كخطوتين إداريتين منفصلتين أو معزولتين عن السياق العام. فهاتان المحطتان تشكلان، في جوهرهما، جزءاً من مسار سياسي دستوري متكامل، يهدف إلى إعادة هندسة قواعد التمثيل، وضبط النظام الانتخابي، وإعادة تعريف العلاقة بين البنية الدستورية ومنظومة الشرعية الوطنية، في لحظة محلية وإقليمية ودولية شديدة التعقيد.

وتزداد دلالة هذا التحول حين نلاحظ أن المرسوم الرئاسي ألغى نظام انتخاب المجلس الوطني الفلسطيني المعتمد عام 1965، ما يعني طيّ مرحلة تاريخية طويلة من التمثيل القائم على التعيين والتوافق الفصائلي، والانتقال نحو نموذج جديد للشرعية السياسية يقوم على الانتخاب المباشر، حيثما أمكن، بوصفه المصدر الأساسي للتفويض. هذا التحول لا يمس الشكل فقط، بل يطال جوهر الفكرة التمثيلية ذاتها، وينقلها من منطق التمثيل الممنوح إلى منطق التمثيل المكتسب. ولا يمكن فصل هذا الاستحقاق عن رمزية الزمن السياسي الذي اختير له. فتزامن موعد الانتخابات مع ذكرى تصريح بلفور لا يبدو تفصيلاً تقنياً عابراً، بل يحمل دلالة سياسية وقانونية عميقة. فتصريح بلفور شكّل لحظة تأسيس لشرعية استعمارية تجاهلت وجود الشعب الفلسطيني وحقه في تقرير المصير، بينما يأتي هذا الاستحقاق الانتخابي ليؤسس، رمزياً وعملياً، لشرعية مضادة تستمد مشروعيتها من الإرادة الشعبية الفلسطينية المعبَّر عنها انتخابياً. هنا لا يجري توظيف التاريخ بوصفه أداة تعبئة عاطفية، بل إعادة امتلاك الزمن السياسي نفسه، عبر تحويل لحظة إقصاء تاريخي إلى نقطة انطلاق لفعل سيادي ديمقراطي يعيد الاعتبار للذات الوطنية الفلسطينية الجامعة.

في هذا السياق، تبرز إعادة تعريف المجلس الوطني الفلسطيني بوصفها التحول الأعمق في بنية النظام السياسي. فالمجلس الوطني، باعتباره السلطة التشريعية العليا للشعب الفلسطيني أينما وجد، ظل لعقود يستمد شرعيته من التوافق الفصائلي والتمثيل الرمزي، لا من التفويض الانتخابي المباشر. أمّا اليوم، وفقاً لمُسَوَّدَة نظام انتخابات المجلس الوطني المعد من قبل اللجنة المختصة، فإن إعادة تشكيله ليضم 350 عضواً، بواقع 200 عن دائرة أرض دولة فلسطين، و150 للخارج، مع اعتماد مبدأ الانتخاب المباشر حيثما أمكن وبما لا يتعارض مع قوانين الدول المضيفة، تمثل انتقالاً نوعياً من منطق الشرعية الثورية والتاريخية إلى منطق الشرعية الديمقراطية. كما أن تحديد مدة ولاية المجلس بخمس سنوات، مع الإبقاء على العلاقة القائمة بينه وبين البرلمان الخاص بالأراضي المحتلة عام 1967، بحيث يكون أعضاء البرلمان أعضاءً حُكميين في المجلس الوطني، يعيد ضبط البنية التشريعية الفلسطينية ضمن تصور أكثر اتساقاً مع النظم الدستورية الحديثة، من دون قطيعة مع الخصوصية الوطنية الفلسطينية أو مع تعقيدات الواقع الجغرافي والسياسي.

وتكتسب الخيارات الانتخابية المعتمدة أهمية سياسية مضاعفة في هذا السياق. فاعتماد نظام التمثيل النسبي الكامل، واعتبار أراضي دولة فلسطين دائرة انتخابية واحدة، مع اعتبار كل دولة تُجرى فيها انتخابات المجلس الوطني في الخارج دائرة انتخابية مستقلة، واعتماد آلية المجمع الانتخابي أو التوافق (التعيين) في الدول التي يتعذر فيها إجراء الانتخابات، يعكس قراءة واعية لطبيعة المجتمع الفلسطيني بوصفه مجتمعاً تعددياً متأثراً بالصراع، ومتعدد الهويات السياسية والاجتماعية. أما اعتماد نسبة حسم لا تتجاوز 1%، فيحمل دلالة سياسية واضحة. حيث أن هذا الخيار يقلل من احتمالات الاحتكار السياسي، ويمنع تحويل الأغلبية العددية للفصائل الكبرى إلى أداة إقصاء. وتتعزز هذه المقاربة عبر جملة من التدابير المرافقة، أبرزها تخفيض سن الترشح من 28 إلى 23 عاماً، وفرض نسبة تمثيل نسوي لا تقل عن 30% في القوائم الانتخابية، إلى جانب التوجه نحو تخصيص مقاعد للمكونات الدينية الأصيلة، المسيحية والسامرية بموجب مرسوم رئاسي. وعلى غرار نظام الانتخابات المحلية، يلتزم المرشّحون بمنظمة التحرير الفلسطينية، بصفتها الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، وبرنامجها السياسي وقرارات الشرعية الدولية ذات الصلة. هذه التدابير لا تعكس مجرد هندسة قانونية، بل إعادة توزيع فعلية لمصادر الشرعية داخل النظام السياسي، بحيث تتحول الفئات التي كانت تاريخياً على هامش القرار، ولا سيما الشباب والنساء، إلى ركائز مشاركة واستقرار سياسي.

وفي هذا الإطار، تكتسب الانتخابات المحلية المزمع عقدها في 14 مايو 2026 أهمية خاصة بوصفها اختبار ثقة تمهيدياً. فهي تشكل مختبراً عملياً لقياس سلوك الناخبين، وأداء الفاعلين السياسيين، ومستوى القبول بنتائج العملية الانتخابية، قبل الانتقال إلى الاستحقاق الأكبر المتمثل في إعادة تشكيل المجلس الوطني. كما تعكس هذه المقاربة فهماً واقعياً لمسارات التحول الديمقراطي، يقوم على التدرج وبناء الثقة، لا على القفز فوق الواقع. وعلى الصعيد الدولي، فإن استكمال الإطار القانوني والدستوري للعملية الانتخابية ينقل عبء التعطيل من الفلسطينيين إلى سلطات الاحتلال، لا سيما في ظل التوقعات بفرض قيود على العملية الانتخابية، وخصوصاً في العاصمة المحتلة القدس. وعليه، يغدو الضغط الدولي الملزِم على سلطة الاحتلال استحقاقاً سياسياً وقانونياً عاجلاً، يهدف إلى انتزاع ضمانات صريحة تحول دون تعطيل العملية الانتخابية، وتكفل إجرائها في موعدها المقرر.

ورغم أن المرسوم الرئاسي بشأن انتخابات المجلس الوطني أثار أسئلة مشروعة، في ظل غياب الاطلاع الكامل على مسودات القوانين الناظمة، فإنه لا يبدو قفزة في الفراغ، بل خطوة واعية لإعادة وصل ما انقطع بين الشعب ونظامه السياسي، وبين التاريخ والدستور، وبين الذاكرة الوطنية ومتطلبات الدولة الحديثة. قد لا تكون هذه العملية مثالية في نظر بعض الفاعلين، لكنها تمثل فرصة نادرة لإعادة تأسيس النظام السياسي الفلسطيني على قاعدة المشاركة والتمثيل والمساءلة. وفي السياق الفلسطيني الراهن، لا تُعد هذه الخطوة ترفاً ديمقراطياً، بل ضرورة وجودية في مواجهة المخاطر البنيوية التي تهدد المشروع الوطني الفلسطيني في لحظة تاريخية فارقة.

×
أخبار
تركيا وحرب إيران: الهندسة العسكرية لردع مزدوج وتبلور «القطب الإقليمي الثالث» و س ج: إدارة ترامب ستفرض عقوبات على المحكمة الجنائية الدولية أ ف ب: تحالف سبعة تنظيمات مسلحة معارضة للإطاحة بالحكومة في إثيوبيا بعد الهزيمة التاريخية في انتخابات ولايات ألمانية..ميرتس يتعهد بالمضي قدماً في الإصلاحات "ذا نيويوركر" تسلط الضوء على "قطر غيت" وشبكات النفوذ في مكتب نتنياهو صحيفة سويسرية: خطة ألمانية قد تؤدي لترحيل نصف مليون سوري تقرير: سيناريو استخباراتي يُثير مخاوف دول الخليج وتركيا حال سقوط نظام إيران عبد العاطي لوفد المنظمات اليهودية الأمريكية: نرفض أية محاولات لتهجير الفلسطينيين وثيقة سرية: روسيا وإيران توسعان قنوات مالية وتجارية للالتفاف على العقوبات رئيس ورزاء قطر: إسرائيل تتصرف بتهور ولا تلتزم بتعهداتها وتواصل القتل ميلوني تعلن إجراءات جديدة في المدارس الإيطالية بينها حظر النقاب هرتسوغ كان يعرف ما الذي يفعله عندما أصدر عفوًا عن عزاريا قبل أقل من 40 يومًا من الانتخابات  وثائقي "نازا" يثير سجالاً حاداً داخل إسرائيل حول آليات الاستهداف والذكاء الاصطناعي في غزة استراتيجية واشنطن في الصومال: تأمين الممرات البحرية على حساب الاستقرار الوطني دراسة: الحرب في الخليج تكشف حدود البدائل وتدفع نحو "هندسة تعدد المسارات" التمويل القطري لجامعة كورنيل يصل لـ 3.38 مليار دولار بعد كشف عقود جديدة من الوساطة إلى هندسة الاستقرار: لماذا يتصدر السودان أولويات الرياض؟ ترامب يكشف عن اتفاق مع الحوثيين.. ويعلن انفتاحه على لقاء الرئيس الإيراني المونيتور: نتنياهو يسعى لتوظيف التهديد الحوثي لدفع التطبيع مع السعودية قبل الانتخابات المتطرف بن غفير يقتحم المسجد الأقصى بحماية قوات الاحتلال.. والأوقاف تستنكر دعوات لواشنطن لبناء "خريطة معمارية" لتتبع شبكات تمويل الإخوان المسلمين وحماس جيش الاحتلال يعدم شابا في جنين ويعتقل آخر في رام الله - فيديو وصور تقرير يكشف تضاربًا بين السجلات الداخلية والبيانات العامة لضحايا الجيش الأمريكي في حرب إيران السيسي خلال استقباله مدير المخابرات الأمريكية: نرفض أي اعتداءات على الدول العربية وندعم اتفاقاً شاملاً مع إيران الصحة: ارتفاع ضحايا حرب الإبادة على قطاع غزة إلى 73,910 شهيدا ألمانيا: انتخابات في ولايتين تهدد بإحداث صدمة جديدة لميرتس خانيونس: مستشفى الكويت الميداني يعلن التوقف عن العمل في جميع الأقسام باستثناء الطوارئ هرتسوغ والجريمة المركبة! جيش الاحتلال وفرق الإرهاب الاستيطاني تنفد حملة اقتحامات اعتقالات واسعة في القدس والضفة الإمارات توضح رسميا ما حدث قبل 7 أكتوبر حول اتصال بن زايد مع نتنياهو

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط