تاريخ النشر: 2026-10-22 | 16:38
تاريخ النشر: 2026-10-22 | 16:38
حين يسافر الإنسان إلى بلدٍ طالما سمع عنه، يحمل معه صورةً صنعها التاريخ والإعلام والخيال. وهكذا ذهبتُ إلى فرنسا، وفي ذهني صورة البلد الذي يُقدَّم دائمًا بوصفه عنوانًا للجمال والنظام والرقي. لكن الرحلة علّمتني أن الصورة، مهما بدت براقة، لا تحكي الحكاية كاملة؛ فلكل مدينة وجهٌ تراه في الصور، ووجهٌ آخر لا يظهر إلا لمن يمشي في شوارعها ويتأمل تفاصيلها.
في بعض الأماكن التي زرتها، لم تكن التجربة على قدر التوقعات. وجدتُ شوارع تحتاج إلى عناية أكبر، وفنادق ضيقة أثقلت الرطوبة والروائح أجواءها، وخدماتٍ أقل مما ينتظره الزائر. كما لفتت انتباهي مشاهد أناسٍ بلا مأوى، يفترشون الأرصفة أو يلتمسون الدفء تحت الجسور، في مدنٍ طالما ارتبطت في أذهاننا بالرفاه والتقدم.
لا أكتب ذلك حكمًا على شعبٍ بأكمله، ولا إنكارًا لما في فرنسا من تاريخٍ وثقافةٍ وفنون؛ فلكل بلدٍ ما يعتز به وما يواجهه من تحديات. إنما أكتب انطباعًا شخصيًا خرجتُ به من رحلة قصيرة، وأقول إن بين الصورة التي تُسوَّق للناس والواقع الذي يعيشه بعضهم مسافةً تستحق التأمل.
ولعل أجمل ما يفعله السفر أنه يعيد الإنسان إلى جذوره بعينٍ مختلفة. فقد جعلتني هذه الرحلة أفكر أكثر في بلادنا العربية، وفي ما نملكه من قيمٍ لا تُقاس بواجهات المباني ولا ببريق الشوارع وحده: دفء اللقاء، وكرم الضيافة، والتكافل، والشعور بأن للغريب مكانًا بين الناس. هذه المعاني ليست شعارات؛ إنها تفاصيل نعرفها في بيوتنا ومجالسنا، وفي يدٍ تمتد للمحتاج، وبابٍ يُفتح للضيف.
لا أدّعي أن عالمنا العربي كامل، ولا أن مجتمعاتنا تخلو من الصعوبات؛ فلكل مجتمعٍ تحدياته. لكنني أؤمن أن في منطقتنا ثروةً إنسانية كبيرة، وأن من حقنا أن نراها ونعتز بها، بدل أن ننظر إلى أوطاننا دائمًا من خلال أحكام الآخرين وصورهم الجاهزة.
قد يسافر المرء بحثًا عن الجمال، ثم يكتشف أن أجمل ما في الرحلة هو ما تعلّمه عن نفسه وعن بلاده. وقد يعود من مدنٍ بعيدة أكثر تقديرًا لنعمة الأهل، ودفء المجتمع، وقيم الكرامة والتراحم. وهذا ما عدتُ به من فرنسا: أن نرى العالم بانفتاح، وأن نقول بصدقٍ وثقة إن لبلادنا العربية جمالًا خاصًا، لا تصنعه الأبنية وحدها، بل تصنعه قلوب أهلها.